التعلّم الآلي والتعلّم العميق: ليس الأعمق دائمًا الأفضل
يُقال إن العميق فرعٌ من الآلي، وهذا صحيح لكنه لا يكفي. الفرق الحقيقي في من يصنع السمات، ومتى يكون الأبسط أرجح.

كبسولة نانودقيقة واحدة
التعلّم الآلي أن يتعلّم الحاسوب من البيانات بدل أن تبرمج له كل حالة. وفي صورته الكلاسيكية يختار الإنسان «السمات» التي تنظر إليها الخوارزمية، أما التعلّم العميق فتستخرج الشبكة العصبية سماتها بنفسها عبر طبقاتٍ متتابعة من الخام إلى المجرّد. وهو يتفوّق في الصور والأصوات والنصوص الضخمة، لكنه ليس الوريث الذي يلغي ما قبله: فقد وجدت دراسات أن أشجار القرار ما زالت من الأقوى على الجداول المتوسطة الحجم، وأن الشبكات العميقة قد تتعلّم «اختصاراتٍ» تنجح في الاختبار وتخذل في الواقع. فنختار الأداة بحجم البيانات وكلفة الخطأ وحاجتنا إلى تفسير القرار، لا بحداثة الاسم.
المقال مطولًا طيّ المقال
كيف يميّز نظامٌ قديم بين الرسالة المزعجة والرسالة العادية؟ كان المهندس يكتب له القواعد: عدّ الكلمات الدعائية، قِس كثافة الروابط، انظر إلى المرسِل. هذه «السمات» هي مسطرة القياس، والآلة تقيس بها فقط. وحين يقول الناس اليوم إن التعلّم العميق «فرعٌ من التعلّم الآلي» فهم صادقون، لكن العبارة تُخفي أهم ما يفرّق بينهما. وللتمهيد في معنى الذكاء الاصطناعي انظر مقال «ما هو الذكاء الاصطناعي حقًّا؟ شرحٌ مبسّط بلا مبالغة».
من يصنع السمات؟
كتب آرثر صموئيل (Arthur Samuel) عام 1959، في دراسته عن لعبة الداما، أن برمجة الحواسيب لتتعلّم من التجربة يُنتظر أن تُغني عن كثيرٍ من جهد البرمجة التفصيلية. هذا هو التعلّم الآلي في أصله. لكنه ظلّ عقودًا مقيَّدًا بعائقٍ ذكره لوكون (LeCun) وبنجيو (Bengio) وهينتون (Hinton) في مراجعتهم المشهورة بدورية «نيتشر» (2015): فالأساليب التقليدية كانت محدودة في معالجة البيانات الطبيعية في شكلها الخام، وبناء النظام كان يتطلّب هندسةً يدوية لمستخرِج السمات بمهارةٍ وخبرةٍ في المجال.
ما الذي يفعله «العمق»؟
في التعلّم العميق تتولّى الشبكة هذه الهندسة: تتعلّم تمثيلاتٍ عند مستوياتٍ متدرّجة من التجريد عبر طبقاتٍ متعددة. وتُصوَّر عادةً بمثال الوجه: طبقاتٌ أولى تلتقط الحواف وتدرّجات الضوء، وأعلى منها تركيباتٌ كالزوايا والأشكال، حتى تنتهي إلى ما يشبه العين أو الأنف. والمثال تقريبيّ للتوضيح لا وصفٌ حرفي لكل شبكة. أما كلمة «عميق» فتعني عدد هذه الطبقات، لا عمق الفهم.
متى لا يكون الأعمق أفضل؟
الانطباع السائد أن العميق جاء ليُقصي ما قبله. والأدلة أعقد من ذلك:
الجداول والبيانات المتوسطة. قارن غرينزتاجن (Grinsztajn) وزميلاه سنة 2022 بين الأساليب على 45 مجموعة بياناتٍ جدولية متنوعة، وخلصوا إلى أن النماذج الشجرية مثل «إكس جي بوست» (XGBoost) والغابات العشوائية ما زالت من الأقوى على بياناتٍ جدولية متوسطة الحجم (نحو عشرة آلاف عيّنة). ونتيجتهم عن هذه الفئة من البيانات لا تعمّ كل المجالات؛ فالصور والأصوات والنصوص الطويلة ميدانُ العميق.
اختصاراتٌ تنجح في الاختبار. عرض غيرهوس (Geirhos) وزملاؤه في ورقة «التعلّم بالاختصار» أن الشبكات قد تتبنّى قواعد قرارٍ تنجح في المقاييس المعتادة وتفشل في ظروفٍ أصعب كالاستعمال الفعلي. وهذا يعيدنا إلى أصل الإشكال: كلما سلّمنا استخراج السمات إلى الآلة، صعب علينا أن نعرف على أي شيءٍ بنت حكمها.
القرارات الحسّاسة. تدافع سينثيا رودين (Cynthia Rudin) في ورقتها (2019) عن أن تُستعمل نماذج مفسَّرة بطبيعتها في القرارات عالية الأثر كالصحة والعدالة الجنائية، بدل شرح «الصندوق الأسود» بعد وقوع القرار، وترى أن الشرح اللاحق قد يرسّخ ممارساتٍ سيئة. وهذا رأيٌ له معارضون بين الباحثين، لكنه يذكّرنا بأن القرار الذي يمسّ إنسانًا يحتاج تبريرًا يُقال. وللصندوق الأسود وتحيّزاته مقال «التحيّز الخوارزمي».
الكلفة. قدّر ستروبل (Strubell) وزميلاها سنة 2019 كلفة تدريب عدة نماذج لغوية ماليًّا وبيئيًّا، وأوصوا بخفض هذه الكلف وبإتاحة البحث لعددٍ أوسع من الباحثين. فللأداة الأعمق ثمنٌ يتجاوز ثمن الاقتناء.
أربعة أسئلة قبل أن تختار
- ما نوع البيانات؟ صور وأصوات ونصوص كبيرة تميل إلى العميق، وجداول منظّمة تميل إلى الشجري.
- كم لديّ منها؟ قد لا يعطيك العميق ما يبرّر تعقيده إن كانت بياناتك قليلة.
- ما ثمن الخطأ؟ كلما غلا الثمن زادت قيمة الشفافية.
- هل يجب أن أشرح القرار؟ إن وجب الشرح فاجعل التفسير شرطًا في الاختيار منذ البداية، لا مرحلةً لاحقة.
وليست المسألة انتصار نهجٍ على نهج، بل ملاءمة الأداة للمشكلة. والمهندس الحكيم يسأل عن المشكلة قبل أن يسأل عن أحدث الشبكات، فمن الأسئلة تتحدد الأداة لا من الموضة.
المراجع
- A. L. Samuel, Some Studies in Machine Learning Using the Game of Checkers, IBM Journal of Research and Development 3(3) (1959)
- Y. LeCun, Y. Bengio, G. Hinton, Deep Learning, Nature 521: 436–444 (2015)
- R. Geirhos et al., Shortcut Learning in Deep Neural Networks, Nature Machine Intelligence (2020); arXiv:2004.07780
- L. Grinsztajn, E. Oyallon, G. Varoquaux, Why Do Tree-Based Models Still Outperform Deep Learning on Tabular Data?, arXiv:2207.08815 (2022)
- C. Rudin, Stop Explaining Black Box Machine Learning Models for High Stakes Decisions and Use Interpretable Models Instead, arXiv:1811.10154 (2019)
- E. Strubell, A. Ganesh, A. McCallum, Energy and Policy Considerations for Deep Learning in NLP, arXiv:1906.02243 (2019)

