الإنسان والمعرفة

الإنسان المعزَّز: متى تصير الأداة جزءًا من تفكيرنا؟

نمدّ عقولنا إلى الأدوات منذ اخترعنا الكتابة، لكنّ الأداة اليوم تتعلّم منّا وتبادر. فما الذي يستحق أن نحرسه؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مكتب إبداعي فيه كاميرا وألوان وأقلام ومجسّم خشبي

كبسولة نانودقيقة واحدة

التعزيز ليس جديدًا: فالكتابة امتداد للذاكرة، وقد حذّر أفلاطون في «فايدروس» من أثرها فيها. الجديد أنّ الأداة صارت تتعلّم منا وتقترح قبل أن نطلب، وأنّ واجهات الدماغ والحاسوب بدأت تعيد التواصل لبعض المرضى؛ ففي دراسة نشرتها «نيتشر» عام 2023 فُكّت إشارات دماغ امرأة مصابة بالتصلب الجانبي الضموري إلى كلام بمعدل 62 كلمة في الدقيقة. وفي المقابل بيّنت تجارب مخبرية أنّ الناس يتذكرون موضع المعلومة أكثر من المعلومة نفسها. فالسؤال ليس هل نتعزّز، بل كيف نحفظ استقلال تفكيرنا، ومن يضع شروط التعزيز وغاياته. والجواب في ما نختار أن نفوّضه وما نصرّ على ممارسته بأنفسنا.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

في تجربة فكرية شهيرة يعاني رجلٌ يُدعى أوتّو مرض ألزهايمر، فيحمل دفترًا يدوّن فيه ما يريد أن يتذكّره ويرجع إليه كلما احتاج، ويصل بهذا الدفتر إلى المتحف كما تصل امرأةٌ تُدعى إنغا (Inga) إلى المتحف بذاكرتها. فصاغ الفيلسوفان آندي كلارك (Andy Clark) وديفيد تشالمرز (David Chalmers) من هذا المثال سؤالًا في مقالتهما «العقل الممتدّ» (1998): متى يكون الدفتر جزءًا من الذاكرة لا مجرّد معين لها؟

تعزيزٌ قديم

لا تبدأ القصة بالذكاء الاصطناعي. فقد روى أفلاطون في محاورة «فايدروس» أنّ الملك ثاموس (Thamus) حذّر مخترع الحروف من أنها ستُضعف ذاكرة الناس بدل أن تقوّيها. ورأى ماكلوهان (Marshall McLuhan) في كتابه «فهم الوسائط» (1964) أنّ كل وسيلة امتدادٌ لوظيفة من وظائف الجسد، فالعجلة امتدادٌ للقدم، وأنّ كل امتداد يقابله ضربٌ من «البتر» لتلك الوظيفة. ولم يمنع ذلك الناسَ من الكتابة ولا ركوب العجلات، لكنه علّمنا أن نسأل عمّا يتراجع حين يقوى غيره.

ما الجديد؟

الجديد أنّ الأداة لم تعد جامدة. يمكن تمييز ثلاث طبقات: أجهزة نرتديها وتمدّنا بالمعلومة والترجمة والتذكير، ثم نماذج لغوية كبيرة نشاركها صياغة الأفكار وترتيب الحجج، ثم واجهات تربط الدماغ بالحاسوب. وتبدو الطبقة الثالثة أبعدها، لكنّ نفعها العلاجي موثّق. ففي دراسة نشرتها «نيتشر» عام 2023 استعملت مريضة بالتصلب الجانبي الضموري زراعةً عصبية تقرأ محاولاتها للكلام، فبلغ متوسط ما فُكّ من إشاراتها 62 كلمة في الدقيقة، وكان معدل الخطأ 9.1% مع معجم من 50 كلمة، و23.8% مع معجم من 125 ألف كلمة. هنا يردّ التعزيز إلى إنسان شيئًا من قدرته على التواصل، وهو من أنبل ما تُستعمل له التقنية. ويبقى أن تحديد ما هو علاج وما هو «تحسين» اختياري سؤالٌ تقرّره الجهات المختصة والضوابط الشرعية والأخلاقية، لا الشركات وحدها.

ما الذي قد نخسره؟

الخطر في الطبقة الثانية أخفى لأنه مريح. في أربع تجارب نشرتها «ساينس» عام 2011 تذكّر المشاركون مكان حفظ المعلومة أكثر من المعلومة نفسها: نحو 49% للمجلد مقابل نحو 23% للعبارة. وخلص الباحثون إلى أننا نتذكر أقل بمعرفة المعلومة وأكثر بمعرفة أين نجدها. والتحفظ هنا مطلوب: هذه تجارب مخبرية على عبارات بسيطة، ولا تعني أنّ الاستعانة بالأدوات تُضعف العقل بذاتها؛ فقد تحرّر انتباهه لما هو أهم. وإنما ينبّه الأمر إلى أنّ ما لا نمارسه قد نتركه، وأنّ التيسير يغري بتفويض أكثر مما نقصد.

من يملك الامتداد؟

لو سلّمنا بفكرة كلارك وتشالمرز أنّ الأدوات التي نعتمد عليها بانتظام وثقة قد تكون جزءًا من آلية الإدراك، فهذا يطرح سؤالًا لم يطرحاه: ماذا لو كان الدفتر ملكًا لشركة تقرّر ما يُعرض فيه وما يُخفى؟ هذا استنتاج منّا لا نصٌّ لهما، لكنه يفسّر لماذا تهمّ الشفافية وحقّ المستخدم في اختيار أدواته وحذف بياناته. وتفصيل مبادئ الشفافية والمساءلة في مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة».

أسئلة نسألها لكل أداة

  1. من يتحكّم في هذه الأداة ويقرّر ما تقترحه عليّ؟
  2. هل أستطيع أن أؤدي المهمة بنفسي إن غابت؟
  3. هل تحلّ محلّ مهارة أريد أن أبقيها حيّة؟ فإن كان الجواب نعم، خصّصت لها وقتًا لا تُستعمل فيه الأداة.

والعقل نعمة تُشكر بحسن استعماله وصيانته. والتعزيز النافع هو ما يزيدنا قدرةً ويُبقي المسؤولية عن القرار في أيدينا، لا ما يغيّر من يقرّر. ويُرجَّح أن يزداد اعتمادنا على الأدوات، وما يبقى لنا أن نحدّد شروط هذا الاعتماد وحدوده.

المراجع

  1. A. Clark & D. Chalmers, The Extended Mind, Analysis 58 (1998)
  2. B. Sparrow, J. Liu & D. M. Wegner, Google Effects on Memory: Cognitive Consequences of Having Information at Our Fingertips, Science 333 (2011)
  3. F. R. Willett et al., A high-performance speech neuroprosthesis, Nature 620 (2023)
  4. M. McLuhan, Understanding Media: The Extensions of Man (1964), quoted in the Marshall McLuhan Dictionary of Quotations
  5. Plato, Phaedrus (the tale of Theuth and Thamus), trans. B. Jowett, Project Gutenberg