الاقتصاد والأعمال

من يملك الذكاء الاصطناعي؟ بين التركّز والانفتاح

تدريب النماذج الرائدة مكلف، لكنّ النماذج المفتوحة تلحق بها بسرعة. فهل تتوزّع القوة حقًّا، وما الذي يلزم لذلك؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد تحمل مصباحًا مضيئًا تحيط به رموز الفكرة والهدف والإنجاز

كبسولة نانودقيقة واحدة

بناء نموذج رائد يحتاج بيانات هائلة وقدرة حاسوبية باهظة وكفاءات نادرة، وقد قُدّرت كلفة تدريب بعض النماذج الرائدة بعشرات الملايين من الدولارات بل بما يزيد على مئة مليون في بعضها، فيُرجَّح أن يبقى تدريبها بيد قلّة من الشركات. غير أنّ الصورة ليست أحادية: ضاقت الفجوة بين أفضل نموذج مغلق وأفضل نموذج مفتوح الأوزان في أحد المقاييس العامة من 8% إلى 1.7% بحلول فبراير 2025، وصار نموذج صغير يبلغ ما كان يحتاج عام 2022 إلى نموذج أكبر منه بنحو 142 ضعفًا. لكنّ انفتاح الأوزان وحده لا يوزّع القوة؛ فالحوسبة والمهارات وأطر الحوكمة شروط متممة، واللامركزية المنفلتة لها مخاطرها كما للتركّز مخاطره.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

قدّر معهد «إيبوك للذكاء الاصطناعي» (Epoch AI) أنّ تدريب نموذج «جي بي تي-4» (GPT-4) كلّف نحو 79 مليون دولار، وأنّ تدريب «لاما 3.1-405B» (Llama 3.1-405B) كلّف نحو 170 مليونًا، وأوردت هذه التقديرات الطبعةُ الأحدث من «مؤشر الذكاء الاصطناعي» الصادر عن جامعة ستانفورد. وهي تقديرات لا فواتير معلنة، لكنها تكفي لتبيّن أنّ بناء نموذج رائد ليس مشروع جامعةٍ ولا شركة ناشئة.

لماذا يميل الأمر إلى التركّز؟

يقوم النموذج اللغوي الكبير على ثلاثة موارد نادرة معًا: بيانات واسعة، وقدرة حاسوبية غالية، وكفاءات تعرف كيف تدرّب وتضبط. ويظهر أثر ذلك في الحوسبة السحابية التي يُبنى عليها أكثر هذا العمل؛ إذ بلغت حصة «أمازون» و«مايكروسوفت» و«غوغل» معًا 63% من السوق العالمية في الربع الثاني من 2026 بحسب «سينرجي» (Synergy Research Group): 28% و20% و15% على الترتيب.

ولا يعني هذا أنّ هذه الشركات مذنبة بحكم حجمها، بل أنّ السؤال عمّن يملك أدوات المعرفة لم يعد تقنيًّا فحسب. فمن يقدّم النموذج الذي يجيب ملايين الأسئلة كل يوم يؤثر في ما يظهر للناس وما يغيب عنهم، وهذا أمرٌ يستحق نظرًا يقظًا ولا يستدعي ذعرًا.

الوجه الآخر: نماذج مفتوحة وأصغر

تُظهر الصورة نفسها ما يخالف التشاؤم. فقد ضاقت الفجوة بين أفضل نموذج مغلق وأفضل نموذج مفتوح الأوزان على لوحة «ساحة المحادثة» (Chatbot Arena) من 8.0% إلى 1.7% بحلول فبراير 2025. وفي مسار آخر، كان أصغر نموذج يتجاوز 60% في اختبار «إم إم إل يو» (MMLU) عام 2022 هو «بالم» (PaLM) بـ540 مليار معامل، ثم بلغ «فاي-3-ميني» (Phi-3-mini) من «مايكروسوفت» الحدّ نفسه عام 2024 بـ3.8 مليارات معامل، أي بانخفاض يعادل 142 ضعفًا في عامين، وفق التقرير ذاته.

ولهذا أثرٌ عملي: نموذج صغير يعمل على جهاز محلي لا يحتاج إلى مركز بيانات بعيد، وباحثٌ في أي مدينة يستطيع أن يبني فوق نموذج مفتوح دون إذن شركة كبرى. وللتحفظ موضعه: لوحة واحدة ومقياس واحد لا يختصران جودة النماذج كلها، و«مفتوح الأوزان» لا يعني بالضرورة أنّ بيانات التدريب أو طريقته متاحة.

لماذا لا يكفي الانفتاح؟

لأنّ تحميل نموذج مفتوح ليس هو القدرة على تدريب نموذج جديد أو ضبطه أو تشغيله على نطاق واسع. تبقى الحوسبة والبيانات والمهارات حاجزًا حتى مع الأوزان المفتوحة. وفي تقديرنا أنّ الانفتاح يخفّض كلفة الدخول ولا يلغيها.

وتنبّه «مبادئ الذكاء الاصطناعي» لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، المعتمدة عام 2019 والمحدَّثة في مايو 2024، إلى هذا البعد حين تدعو الحكومات إلى تعزيز منظومة شاملة ممكِّنة للذكاء الاصطناعي وإلى بناء القدرات البشرية والاستعداد لتحوّلات سوق العمل. فالمسألة سياساتٌ وتعليم قبل أن تكون عتادًا.

وللامركزية حدٌّ

ليست اللامركزية خيرًا مطلقًا. فالنموذج الذي يستطيع كل أحد تعديله يستطيع من يريد الضرر أن يعدّله أيضًا، ولذلك يحسن أن تقترن إتاحة الأدوات بمعايير أمان وشفافية متفق عليها وبمساءلة واضحة. والغاية توزيعٌ مسؤول للقدرة، لا انفلات ولا احتكار.

ما الذي يُفعل؟

  • حوسبة مشتركة: أن تتاح القدرة الحاسوبية للباحثين والشركات الناشئة بأسعار عادلة. وفي المملكة أعلنت «هيوماين» (Humain) في أغسطس 2025 بدء إنشاء مركزَي بيانات في الرياض والدمام بسعة أولية 100 ميغاواط لكلٍّ منهما، وكان تشغيل أولى منشآتها متوقعًا في الربع الثاني من 2026.
  • مهارات وطنية: فالخوادم بلا كفاءات تدرّب وتضبط وتراجع تبقى استهلاكًا.
  • تنافس عادل: ألّا يُحتكر الوصول إلى البنى الكبرى بشروط تمييزية.
  • وعيٌ عام: كلما فهم عدد أكبر من الناس حدود هذه النماذج ومواضع خطئها، قلّ اعتمادهم الأعمى عليها.

ومن الأخذ بالأسباب أن نسأل مبكرًا: هل نريد أن نكون مستأجرين لعقول غيرنا، أم شركاء في بنائها؟ والجواب يتشكّل في قرارات الاستثمار والتعليم والتنظيم التي تُتّخذ اليوم.

المراجع

  1. Stanford HAI, The 2025 AI Index Report, Chapter 1: Research and Development (training-cost estimates by Epoch AI)
  2. Stanford HAI, The 2025 AI Index Report (top takeaways: open-weight vs closed-weight gap; small-model efficiency)
  3. Synergy Research Group, Q2 Cloud Market Passes $143 Billion; Highest Growth Rate in Eight Years (30 July 2026)
  4. OECD.AI, OECD AI Principles (adopted 2019; updated May 2024)
  5. Data Center Dynamics, Humain breaks ground on two data centers, with first facilities expected to go live in Q2 2026 (26 August 2025)