هل تتكلم الآلة العربية أم تقلّدها؟
كلمة عربية بلا تشكيل قد تحتمل اثني عشر تحليلًا صرفيًّا. فما الذي تغيّر مع النماذج العربية الجديدة، وما الذي لا يزال ناقصًا؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
العربية عسيرة على الحاسوب لسببين: لغة غنية الاشتقاق يُقدَّر أن الكلمة فيها تحتمل نحو 12 تحليلًا صرفيًّا حين تُكتب بلا تشكيل، وحضور ضعيف على الشبكة، فهي نحو 0.7% من صفحات أحدث مسح لـCommon Crawl مقابل نحو 43% للإنجليزية. وردّت المنطقة بنماذج عربية الهوية مثل «جيس» الإماراتي و«علّام» السعودي و«فالكون العربي». غير أن أغلب ما يُعلَن عن تفوّقها يصدر عن مطوّريها، والمعيار الأصدق هو الفهم الثقافي والدقة في اللهجات لا الطلاقة وحدها.
المقال مطولًا طيّ المقال
ثراء يربك الحاسوب
تُشتق العربية من جذور تتفرّع منها عشرات الصيغ، وتُكتب في الغالب بلا حركات. فإذا جُرّدت الكلمة من التشكيل بقيت قراءاتها الصرفية الممكنة كثيرة. وتورد ورقة بحثية في معالجة التشكيل والتحليل الصرفي تقديرًا مأخوذًا عن نزار حبش (Nizar Habash، 2010) أن للكلمة العربية نحو 12 تحليلًا في المتوسط، وهو رقم تقديري لا قياس مباشر أجرته الورقة نفسها.
ويضيف إلى ذلك أن «العربية» طيف من الفصحى المكتوبة واللهجات المنطوقة. فالنموذج الذي أتقن لغة الصحافة قد لا يجيد لغة البيت والسوق، لأن اللهجات تُنطق أكثر مما تُكتب، فيقلّ ما يُتاح منها للتدريب.
فجوة البيانات
تنشر مؤسسة Common Crawl، التي تجمع الشبكة بانتظام، إحصاءً للغة الأساسية لصفحاتها. وفي أحدث مسح عند كتابة هذا المقال (CC-MAIN-2026-43) بلغت الإنجليزية نحو 42.6% من الصفحات والعربية نحو 0.67%. وليست هذه النسب مزيج التدريب في أي نموذج بعينه، لكنها تدلّ على الاختلال في حضور اللغتين على الشبكة، وعلى أن النموذج لا يتعلّم ما لا يراه.
ما الذي بنته المنطقة؟
بدأت الاستجابة بنماذج صُمّمت حول العربية لا بترجمتها:
- جيس (Jais): نموذج من 13 مليار معامل، دُرّب على مزيج من العربية والإنجليزية، ويقول مطوّروه في ورقتهم (2023) إنه أفضل من النماذج المفتوحة العربية والمتعددة اللغات المتاحة حينها في المعرفة والاستدلال بالعربية.
- علّام (ALLaM): تصف ورقته (2024) توسيع المفردات والتدريب على العربية والإنجليزية معًا، ويذكر مؤلفوه أن ذلك أضاف العربية دون «نسيان كارثي» للإنجليزية. وفي أغسطس 2025 أطلقت «هيوماين» (HUMAIN) تطبيق محادثة في المملكة يعمل بنموذج ALLaM 34B، وقالت إن مراجعين مختصين شاركوا في مواءمته مع القيم الإسلامية والخصوصيات الإقليمية. وهذا كلام الشركة، ولا يتضمن المصدر تقييمًا مستقلًّا له.
- فالكون العربي (Falcon Arabic): أعلن معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي عام 2025 نموذجًا دُرّب على نصوص عربية أصلية تشمل الفصحى واللهجات، ووصفه بأنه من أفضل النماذج العربية، ولا يورد المصدر مقاييس تفصيلية تسنده.
كل ذلك خطوات حقيقية تُحسب لأصحابها، وقد نقلت المنطقة السؤال من «هل تُحسن النماذج العربية؟» إلى «كم تُحسنها؟». لكن الحكم على الأفضلية يحتاج إلى اختبارات مستقلة بمقاييس عربية، لا إلى بيانات صحفية.
الطلاقة ليست فهمًا
قد تنتج الآلة جملة سليمة نحويًّا وهي تخطئ في الكناية أو السياق الثقافي. وقد وثّقت دراسات ميلًا إلى المرجعيات الغربية حتى في النماذج العربية والمتعددة اللغات، وتفصيله في مقال «التحيّز الخوارزمي». فإتقان الصياغة لا يضمن أمانة الدلالة، ومن الحكمة ألا يُسلَّم النموذج حكمًا دينيًّا أو ثقافيًّا دون مراجعة أهل الاختصاص.
أما اللهجات فتبقى سؤالًا مفتوحًا: الإعلانات تتحدث عن دعمها، كما في إعلان «فالكون العربي» وفي إدخال الصوت بلهجات متعددة في تطبيق «هيوماين»، لكن قياس الدقة فيها بمعايير مستقلة يحتاج إلى بيانات منطوقة موثّقة. وإلى أن تتوافر هذه المعايير، فالأسلم أن يجرّب القارئ النموذج بلهجته وبأسئلة يعرف جوابها، ثم يحكم.
ما يلزم
- بيانات جيدة قبل أن تكون كثيرة: نصوص مدقّقة الإملاء غنية المحتوى.
- عناية بالتشكيل والصرف: فهما أساس الفهم العميق لا تفصيل ثانوي.
- توثيق اللهجات: جمع بيانات منطوقة بإذن أصحابها.
- مقاييس تقييم عربية: تختبر الفهم الثقافي والدلالي لا سلامة العبارة فقط.
وتبقى مسألة السيادة والقدرة على الإنتاج أوسع من اللغة، وقد عالجها مقال «الذكاء الاصطناعي العربي». أما هنا فيكفي أن نقول: النموذج الذي يتكلم العربية بدأ يصل، والذي يفهمها كما يفهمها أهلها ما زال يُبنى.
المراجع
- Joint Diacritization, Lemmatization, Normalization, and Fine-Grained Morphological Tagging, arXiv:1910.02267 (يورد تقدير نحو 12 تحليلًا للكلمة، نقلًا عن Habash 2010)
- Common Crawl Statistics: Languages (primary-language shares of pages, crawl CC-MAIN-2026-43)
- N. Sengupta et al., Jais and Jais-chat: Arabic-Centric Foundation and Instruction-Tuned Open Generative Large Language Models, arXiv:2308.16149 (2023)
- M. S. Bari et al., ALLaM: Large Language Models for Arabic and English, arXiv:2407.15390 (2024)
- Middle East AI News, HUMAIN Chat goes live powered by ALLaM 34B LLM (August 2025)
- The National, Abu Dhabi unveils Falcon Arabic language model (21 May 2025)


