الاقتصاد والأعمال

المستشار الآلي: هل تحرسك الخوارزمية من نفسك؟

يقلّ عائد المستثمر الفردي عن عائد صندوقه، وتعزو مورنينغستار ذلك إلى توقيت قراراته. فهل تعالج الخوارزمية هذا العيب، أم تستبدل به عيوبًا أخرى؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

فنجان قهوة بالحليب على أكياس بن وملعقة خشبية

كبسولة نانودقيقة واحدة

في العقد المنتهي بنهاية 2025 كسب المستثمرون في الصناديق الأمريكية 8.7% سنويًّا، بينما حقّقت صناديقهم نفسها 9.9% بحسب مورنينغستار (Morningstar). وتعزو مورنينغستار الفرق إلى توقيت الشراء والبيع وحجمهما، وقد يكون للخوف والطمع نصيب فيه. ومن هنا تستمدّ المستشارات الآلية حجّتها: قواعد ثابتة تعيد موازنة المحفظة بلا انفعال. غير أن الآلة ليست محايدة؛ فقد حذّر مجلس الاستقرار المالي من أن تشابه النماذج قد يضخّم الصدمات، ومن غموض قراراتها. والخلاصة أنها أداة تعين على الانضباط، لا وصيّ يُسلَّم إليه القرار. وهذه معرفة لا توصية استثمارية.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

فجوة اسمها السلوك

تقيس مورنينغستار كل عام الفرق بين ما يحقّقه الصندوق وما يجنيه مستثمروه فعلًا. وفي تقريرها الأخير عن الصناديق الأمريكية، كسب المستثمرون 8.7% سنويًّا في العقد المنتهي بنهاية 2025، مقابل 9.9% لعائد الصناديق نفسها، أي فجوة قدرها 1.2 نقطة مئوية كل عام. وتعزو الدراسة الفجوة إلى توقيت عمليات الشراء والبيع وحجمها، وتنبّه إلى أنها لا تعني بالضرورة سلوكًا سيئًا، فالاستثمار المنتظم وإعادة الموازنة يولّدان فجوة كذلك. وكانت الفجوة أضيق في صناديق التوزيع المتنوع للأصول (7.8% مقابل 8.4%).

هذه أرقام السوق الأمريكية، فلا تُنقل حرفيًّا إلى غيرها. وللوكلاء الماليين الأحدث من المستشار الآلي انظر مقال «هل تأتمن خوارزميةً على مدخراتك؟ الوكلاء الماليون بين الوعد والحذر». لكنها تدلّ على أن توقيت صاحب المال يؤثر فيما يجنيه.

يرجَّح أن للنفس البشرية نصيبًا في ذلك. فقد قدّر دانيال كانمان (Daniel Kahneman) وعاموس تفرسكي (Amos Tversky) في ورقة عام 1992 أن القيمة الوسيطة لمعامل «النفور من الخسارة» بين المشاركين بلغت 2.25، أي أن الخسارة تؤلم نحو مرّتين وربع قدر ما يسرّ الربح المماثل. ونال كانمان جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2002 عن عمله مع تفرسكي، الذي كان قد توفي عام 1996.

وربط هذا الميل بفجوة العائد تفسير معقول لا دليل مباشر؛ فالدراسة المالية تقيس السلوك، ولا تقيس دوافعه.

ما الذي تَعِد به المستشارة الآلية؟

«المستشار الآلي» منصة تبني محفظة متنوعة وفق ملف المخاطرة الذي يحدّده المستخدم، ثم تعيد موازنتها بقواعد معلنة. وإعادة الموازنة الدورية تعني، بحكم تعريفها، أن تُباع الأصول التي ارتفعت وزنها وتُشترى التي تراجعت، أي ما تنفر منه الغريزة غالبًا. فهي تُغني صاحبها عن لحظة القرار حين يكون في أشدّ حالات الانفعال.

ولا يعني هذا ضمان عائد، فقد تخسر المحفظة مع السوق. الميزة هنا انضباطٌ في التنفيذ، لا نبوءة بالأسعار.

حين تتشابه الآلات

تحذّر الجهات التنظيمية من الوجه الآخر للانضباط. فقد ذكر مجلس الاستقرار المالي (FSB) عام 2017 أن اعتماد عدد كبير من المتعاملين على أدوات وبيانات متشابهة قد يولّد مخاطر مترابطة، وأن هذا السلوك القطيعي «قد يضخّم الصدمات المالية». وأشار إلى أن تركّز الاعتماد على مزوّدين قلائل قد يخلق نقاط فشل مشتركة، وأن غموض النماذج وصعوبة تدقيقها قد يصيران خطرًا على مستوى النظام كله.

ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية لفهمه: نموذج دُرّب على سنوات من صعود السوق قد يستخفّ بإمكان الهبوط، ويخطئ بهدوء وثقة، فلا يجد المستخدم في نبرته ما يدفعه إلى التوقّف.

ما قررته هيئة السوق المالية السعودية

أعلنت هيئة السوق المالية في 5 مارس 2026 موافقة مجلسها على مسودة قواعد لخدمات الاستشارة الآلية، بعد تجارب أجرتها شركات مرخّصة في بيئة الاختبار التنظيمية. وتنصّ المسودة على أن تُقدَّم الخدمة عبر جهات مرخّصة فقط، وأن تُبلَّغ الهيئة مسبقًا باستراتيجيات بناء المحافظ وتحديثاتها، وأن تُختبر الخوارزميات دوريًّا قبل وصول العملاء إليها بعشرة أيام على الأقل، وأن يُفصَح عن دور الخوارزميات والمخاطر المرتبطة بها. ويصف عنوان الخبر الأمر بالاعتماد وتصفه تفاصيله بالمسودة، فيحسن الرجوع إلى نص الهيئة النهائي.

هذه الضوابط المقترحة تقابل المخاوف السابقة: الترخيص يوضح المسؤولية، والإفصاح يخفّف الغموض، والاختبار يحدّ من الخطأ الصامت.

أربعة أسئلة قبل أن تثق

  • من يرخّص هذه المنصة؟ لا تسلّم مالك لجهة لا تعرف من يراقبها.
  • ماذا تفعل حين يهبط السوق هبوطًا حادًّا؟ اسأل عن منطق التوصية قبل أن تحتاج إليه.
  • ما الكلفة الكاملة؟ تتجاوز الرسوم المعلنة إلى ما تجمعه المنصة من بياناتك وكيف تستعملها.
  • هل المنتجات المقترحة تراعي الضوابط الشرعية؟ وهل راجعتَ مختصًّا مرخَّصًا؟ فما هنا معرفة وإطارٌ للفهم، لا توصية شراء.

والأخذ بالأسباب في المال من الأمانة: أن تفهم الأداة قبل أن تستعين بها، وأن تبقى القرارات الكبرى، كمقدار المخاطرة المقبول وأهداف العمر، في يدك أنت.

المراجع

  1. Morningstar, Mind the Gap 2026: A Report on Investor Returns in the US (10 years ended 31 December 2025)
  2. A. Tversky & D. Kahneman, Advances in Prospect Theory: Cumulative Representation of Uncertainty, Journal of Risk and Uncertainty 5(4) (1992)
  3. The Prize in Economic Sciences 2002: Press release, Nobel Prize
  4. Financial Stability Board, Artificial Intelligence and Machine Learning in Financial Services: Market Developments and Financial Stability Implications (1 November 2017)
  5. Argaam, CMA approves regulation of robo-advisory services (March 2026)