هل تحفظ الآلة فصاحتنا؟ الذكاء الاصطناعي واللغة العربية
تُحسن النماذج كتابة العربية صحيحةً، فهل يكفي هذا؟ بين لغةٍ سليمة ولغةٍ بليغة مسافةٌ لا تقيسها الاختبارات.

كبسولة نانودقيقة واحدة
تكتب النماذج اللغوية العربية اليوم بقدر معقول من الصحة، لكنّ مؤشرات عدة تدل على أن حضور لغتنا فيها أضعف من حضور غيرها. فالعربية لغة محتوى لنحو 0.6% من المواقع المعروفة اللغة مقابل 49.5% للإنجليزية، وقد بيّنت دراسة أن تقطيع النص إلى وحدات يجعل كلفة بعض اللغات تصل إلى 15 ضعفًا. وفي المقابل ظهرت نماذج عربية-إنجليزية مثل «جيس» (Jais) و«علّام» (ALLaM) بُنيت لتتعلم العربية من داخلها. وأصعب ما في الأمر أن البلاغة ذائقة لا تُختزل في مقاييس الصحة، فتبقى حراسة الجمال في يد أهل اللغة.
المقال مطولًا طيّ المقال
اطلب من نموذج لغوي مقالًا بالعربية، فيأتيك سليم الإعراب خاليًا من أخطاء الهمزات. أيكفي هذا؟ الفرق بين كلام صحيح وكلام بليغ هو الفرق بين خريطة ومدينة. وفي هذا الفرق يتحدد ما إذا كانت الآلة ستحفظ فصاحتنا أم تذيبها في قالب لغة أخرى.
حضور ضئيل في الشبكة
تقدّر شركة «دبليو 3 تِك» (W3Techs) في استطلاع بتاريخ 22 أكتوبر 2026 أن الإنجليزية لغة محتوى لنحو 49.5% من المواقع المعروفة اللغة، والعربية لنحو 0.6%. وهذا رقم عن المواقع لا عن بيانات تدريب النماذج، فلا يُقاس عليه مباشرة، لكنه يشير إلى اتجاه عام. وتوصل باحثو دراسة منشورة في 2020 إلى فجوة واضحة بين اللغات في الموارد المتاحة، وشككوا في دعوى أن النماذج «محايدة لغويًّا». (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي العربي» لمسألة السيادة والبيانات.)
الكلمة العربية في الميزان
تتعلم النماذج بتقطيع النص إلى وحدات صغيرة تسمى الرموز (tokens). وإذا كان المقطِّع مصمَّمًا على لغات أخرى، تحتاج النصوص المتكافئة في المعنى إلى أعداد مختلفة من الرموز. وقد قاس بيتروف وزملاؤه (2023) ذلك، فوجدوا فروقًا تصل إلى 15 ضعفًا في بعض اللغات حتى مع المقطِّعات متعددة اللغات. وتترتب على ذلك ثلاث نتائج: كلفة أعلى لأن التسعير يرتبط بالرموز، وزمن أطول، وسياق يتّسع لكلمات أقل. ولا تخصّ الدراسة العربية وحدها، فلا ينبغي أن ننسب إليها رقمًا للعربية بعينها، لكن يُرجَّح أن اللغات ذات الاشتقاق الغني والتصريف الكثيف تتأثر أكثر، ويستحق ذلك قياسًا خاصًّا بالعربية.
نماذج تُبنى من الداخل
لا يعني هذا أن الأمر قدر محتوم. فقد أُعلن عن «جيس» (2023)، وهو نموذج من 13 مليار معامل دُرّب على العربية والإنجليزية معًا، مع أن بيانات الإنجليزية فيه أقل كثيرًا مما تستعمله النماذج الإنجليزية المماثلة. ونشر فريق بحثي ورقة «علّام» (2024)، وتقول إنها وسّعت مفردات النموذج وجمعت بين العربية والإنجليزية في التدريب واستخدمت بيانات مترجمة موازية، وبلغت نتائج متقدمة في مقاييس عربية مثل «إم إم إل يو العربي» (MMLU Arabic). وهذه نتائج يذكرها مؤلفوها، وتحتاج إلى تقييم مستقل وإلى مقاييس جديدة تواكب الاستعمال الفعلي.
الصحة ليست البلاغة
تقيس معظم الاختبارات ما يُعدّ: إجابة صحيحة، وجملة سليمة. أما العربية فلغة بيان وإيحاء وكناية وتورية، وتكمن جماليتها في انزياح محسوب عن المألوف، والنموذج يميل بطبيعته الإحصائية إلى المألوف الأرجح. فيُحتمل أن يتقن الصحة ويقصّر في البلاغة، وهذا استنتاج منطقي لا نتيجة قياس تجريبي. وخطره أن يألف الناشئ لغة مسطّحة فيحسبها الأصل.
ماذا نفعل؟
أولًا: نبني مدوّنات عربية عالية الجودة من عيون التراث والكتابة المعاصرة الرصينة، مع احترام حقوق المؤلفين. وثانيًا: ندعم النماذج المصممة لخصائص العربية، ونطلب مقاييس تختبر الأسلوب لا الصحة وحدها. وثالثًا: نستعمل الأدوات في التشكيل والتدقيق ورقمنة المخطوطات، وهي استعمالات نافعة إن أُحسنت مراجعتها. ورابعًا: نربّي في الطالب عادة القراءة الأصيلة وعدم قبول كل مخرج آلي مسلَّمة، فالآلة تقلّد ما نقدّمه ولا تغني عن تربية الذائقة.
الآلة لا تهزم العربية، لكن إهمال أهلها قد يفعل. فهي تتعلم مما نقدّمه لها، وما تعيده إلينا مرآةٌ لما نكتب. والأسلم أن نزرع ما نحب أن نحصد: فصاحة تقرأ وتُكتب، ونسأل الله أن يحفظ لسان القرآن ويعيننا على خدمته.
المراجع
- W3Techs, Usage statistics of content languages for websites (accessed 22 October 2026)
- A. Petrov, E. La Malfa, P. Torr, A. Bibi, Language Model Tokenizers Introduce Unfairness Between Languages, NeurIPS (2023); arXiv:2305.15425
- P. Joshi et al., The State and Fate of Linguistic Diversity and Inclusion in the NLP World, ACL (2020)
- N. Sengupta et al., Jais and Jais-chat: Arabic-Centric Foundation and Instruction-Tuned Open Generative Large Language Models, arXiv:2308.16149 (2023)
- ALLaM: Large Language Models for Arabic and English, arXiv:2407.15390 (2024)

