من يُسأل حين تخطئ الخوارزمية؟ الذكاء الاصطناعي ومعضلة المسؤولية
حادثٌ واحد قد يتوزّع سببُه بين مبرمج وشركة وسائق وجهة رقابية. فكيف يُنصَف المتضرر حين يتشتّت اللوم؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
حين تخطئ خوارزمية، تتوزّع المسؤولية على سلسلة طويلة من الأيدي: من يجمع البيانات ويبني النموذج وينشره ويشغّله. وتحقيق الحادث المميت لسيارة «أوبر» ذاتية القيادة في 2018 يبيّن ذلك، فقد حمّل المجلس الأمريكي لسلامة النقل (NTSB) مسؤولية الحادث لسائق الاختبار وثقافة السلامة في الشركة، وعدّ ضعف رقابة الجهة المحلية عاملًا مساهمًا. ولهذا تتجه التشريعات إلى الوقاية قبل الضرر، بتصنيف الأنظمة بحسب خطرها، وتوسيع المسؤولية عن المنتج لتشمل البرمجيات، وفرض الشفافية والرقابة البشرية. والمعيار أن يبقى المتضرر منصَفًا وإن تعقّد التقنية.
المقال مطولًا طيّ المقال
في مارس 2018 اصطدمت سيارة اختبار ذاتية القيادة تابعة لشركة «أوبر» (Uber) بامرأة تعبر الطريق في ولاية أريزونا، فتوفيت. فمن المسؤول؟ جواب المجلس الأمريكي لسلامة النقل (NTSB) لم يكن اسمًا واحدًا.
ماذا وجد المحققون؟
رصد النظام المرأة قبل الاصطدام بنحو 5.6 ثانية، لكنه «لم يصنّفها قط تصنيفًا صحيحًا بوصفها من المشاة ولم يتنبأ بمسارها»، وتصميمه لم يكن يسمح بالفرملة الطارئة، إذ كان يعتمد على تدخل السائق. وخلص المجلس إلى أن سبب الحادث الأرجح تقصير سائق الاختبار في مراقبة الطريق وانشغاله بهاتفه. وعدّ «ثقافة السلامة غير الكافية» في وحدة القيادة الذاتية في الشركة عاملًا مساهمًا، وكذلك ضعف رقابة إدارة النقل في الولاية على اختبار هذه المركبات، وذكر عوامل أخرى. هذا المثال يوضح الفكرة: لم تكن الخوارزمية وحدها، ولا إنسان وحده، بل شبكة من القرارات.
لماذا يصعب الحساب بالطريقة القديمة؟
اعتاد القانون التمييز بين مسؤولية تقوم على خطأ يُنسب إلى فاعل، ومسؤولية عن ضرر منتَج معيب أو شيء في حراسة صاحبه. أما النظم الذكية فتُبنى على بيانات تجمعها جهة، وتُدرَّب بيد جهة ثانية، وتُضبط وتُباع عبر ثالثة، ويستعملها رابع في سياق لم يتوقعه أحد. وحين يقع الضرر تُحيل كل جهة اللوم إلى غيرها، ويُرهَق المتضرر في إثبات سلسلة سببية تعجز عن تتبّعها قدراته. وتزيد المشكلة أن الخطأ الخوارزمي يتكرر على أعداد كبيرة بالقرار نفسه، فيكبر أثره عن خطأ قاضٍ أو موظف في حالة واحدة. (انظر مقال «التحيّز الخوارزمي» عن أمثلة تكرار الظلم.)
ماذا تفعل التشريعات؟
لا يكفي البحث عمّن نحاسبه بعد وقوع الضرر؛ فالأجدى أن نمنعه. ويسير الاتحاد الأوروبي بقانون الذكاء الاصطناعي على نهج قائم على الخطر: يحظر الممارسات غير المقبولة كالتصنيف الاجتماعي، ويفرض على الأنظمة عالية الخطر إدارة للمخاطر وحوكمة للبيانات وسجلات تتبّع وتصميمًا يتيح الرقابة البشرية. وبعد تعديلات «الحزمة الرقمية للذكاء الاصطناعي» (2026) أُرجئ تطبيق التزامات عالية الخطر في قوائم المرفق الثالث إلى 2 ديسمبر 2027، أي أن الصورة التنفيذية ما زالت تتشكل.
وعلى جانب التعويض، تقرّ توجيهة المسؤولية عن المنتجات (2024/2853) بأن البرمجيات منتَج، وتقيم مسؤولية صارمة، وتفترض العيب أو السببية، مع قبول الدفع بعكسها، حين يعجز المتضرر عن الإثبات لتعقيد تقني أو يمتنع المدّعى عليه عن الإفصاح، وتلزم الدول بإدخالها في قوانينها بحلول 9 ديسمبر 2026.
وفي المملكة
بدأ نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العمل في 14 سبتمبر 2023، مع مهلة امتثال امتدت إلى سبتمبر 2024، ويشترط شفافية إضافية وموافقة صريحة وتقييم أثر في المعالجة الآلية التي تتخذ قرارات. وأصدرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في سبتمبر 2023 مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي السبعة، ومنها العدالة والشفافية وقابلية التفسير والمساءلة والمسؤولية.
خمسة أسئلة قبل نشر نظام مؤثر
أولًا: من الإنسان المسؤول عن مراجعة القرار ويستطيع تعطيله؟ ثانيًا: هل يستطيع النظام تفسير قراره بلغة يفهمها المتضرر والقاضي؟ ثالثًا: هل تُحفظ سجلات تُمكّن من التتبع؟ رابعًا: هل جرى تدقيق مستقل قبل النشر وبعده؟ خامسًا: كيف يُعوَّض المتضرر سريعًا وإن لم يُحسم بعدُ تحديد المخطئ؟ وفي هذا الأخير يمكن أن تنظر الجهات المختصة في صيغ تأمين تعاوني أو صناديق ضمان، مع استشارة أهل الاختصاص في ضوابطها الشرعية.
ولا يعني هذا تعطيل الابتكار خوفًا من تبعاته، فالأخطاء تقع في كل عمل بشري وآلي. المهم أن يكون أمام كل نظام مؤثر أمين يُسأل وطريق للإنصاف، وأن نُحسن التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب.
المراجع
- National Transportation Safety Board, Collision Between Vehicle Controlled by Developmental Automated Driving System and Pedestrian, Tempe, Arizona, March 18, 2018 (HWY18MH010)
- Future of Life Institute, EU Artificial Intelligence Act: High-level summary
- Future of Privacy Forum, The AI Act Implementation Timeline: What Changes Under the AI Omnibus?
- Gibson Dunn, EU Product Liability Directive: Responding to Software, AI and Complex Supply Chains (Directive (EU) 2024/2853)
- Latham & Watkins, Saudi Arabia's data protection law enters into force (December 2023)
- Baker McKenzie, Saudi Arabia: SDAIA reveals AI Ethics Principles 2.0