التقنيات والنماذج

الأرانب والذكاء الاصطناعي: حين يتكاثر الابتكار بلا ضابط

تتكاثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بسرعة تغري بتشبيهها بالأرانب. والتشبيه أصدق مما نريد: فالتكاثر وحده ليس نجاحًا.

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

شعار تقني بخلايا سداسية زرقاء متوهجة

كبسولة نانودقيقة واحدة

في عام 1859 أُطلق أربعة وعشرون أرنبًا قرب جيلونغ في أستراليا لأجل الصيد، فانتشرت في معظم نطاقها الحالي بحلول 1910. وقصتها تغري بتشبيه تكاثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بها، والأرقام تسند وجه الشبه: انخفضت كلفة تشغيل نموذجٍ بمستوى GPT-3.5 أكثر من 280 مرة بين نوفمبر 2022 وأكتوبر 2024، وأفادت 78% من المؤسسات باستعماله في 2024. لكنّ التشبيه يحمل تحذيره: فالتكاثر بلا ضوابط ليس نجاحًا بذاته، والسؤال النافع ليس كم تطبيقًا وُلد، بل أيّها يستحق البقاء، وبأي اختبار وأي حدود.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

أربعة وعشرون أرنبًا

أُطلق عام 1859 أربعة وعشرون أرنبًا قرب جيلونغ (Geelong) في ولاية فيكتوريا الأسترالية لأجل الصيد. بلغت الأرانب نيوساوث ويلز بحلول 1880، وجنوب أستراليا وكوينزلاند عام 1886، وشرقي غرب أستراليا نحو 1890، وانتشرت في معظم نطاقها الحالي بحلول 1910. وحين أُطلق فيروس الورم المخاطي عام 1950 خفّض أعدادها في البداية بنحو 95%، ثم زادت مقاومتها له. وجدت الأرانب بيئةً مفتوحة وغذاءً وفيرًا.

يغري هذا بتشبيه ما نراه في الذكاء الاصطناعي: تطبيقاتٌ تولد من أفكار، وأفكارٌ تتناسل من تطبيقات. فهل التشبيه صحيح؟ وماذا يخفي؟

ما الذي وفّر «الغذاء»؟

تسند الأرقام جانبًا من القصة. يذكر تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد (Stanford HAI) لعام 2025 أنّ كلفة استدلال نموذجٍ بمستوى GPT-3.5 «انخفضت أكثر من 280 مرة بين نوفمبر 2022 وأكتوبر 2024»، وأنّ كلفة العتاد تنخفض بنحو 30% سنويًّا وكفاءته في الطاقة تتحسن بنحو 40% سنويًّا. ويُظهر أنّ 78% من المؤسسات أفادت باستعمال الذكاء الاصطناعي في 2024، مقابل 55% قبلها بعام. وفي جانب التدريب، تقدّر «إبوك للذكاء الاصطناعي» (Epoch AI) أنّ حساب تدريب النماذج اللغوية الرائدة يتضاعف كل 5.2 أشهر تقريبًا منذ عام 2020.

وتضيف نسخة 2026 من التقرير أنّ استعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ 53% من السكان في ثلاث سنوات، وهو أسرع من الحاسوب الشخصي والإنترنت في المرحلة نفسها. وحين تهبط الكلفة وتتسع الجاهزية، تتوالد الأفكار لأنّ تجربتها صارت رخيصة.

حيث يخطئ التشبيه

الأرنب لا يقرر ولا يُساءل، أما التطبيق فصنعه إنسان وهو مسؤول عنه. وليس كل تكاثرٍ ازدهارًا: فكثرة التطبيقات لا تعني كثرة النافع منها. ويسجّل التقرير نفسه أنّ حوادث الذكاء الاصطناعي الموثّقة بلغت رقمًا قياسيًّا هو 362 حادثة في 2025. وهذا يذكّرنا بأنّ سرعة الانتشار تسبق عادةً سرعة بناء الضوابط، وقد شرحنا أسسها في مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة».

ويصحّ من التشبيه جانبٌ آخر: النظم البيئية تنتقي. فتزاحم الحلول يعني أنّ بعضها يفشل أو يندمج، وبعضها يبقى لأنه يلبّي حاجةً حقيقية. وهذا الانتقاء يتحسّن إذا شاركنا فيه نحن بمقاييس واضحة بدل أن نترك الضجيج يقرر.

ما الذي يُفعل؟

للقارئ الفرد وللمؤسسة أسئلةٌ بسيطة تسبق تبنّي أي تطبيق جديد:

  1. ما المشكلة المحددة التي يحلّها؟ وهل كنت سأحلّها بأداةٍ أبسط؟
  2. على أي بيانات اختُبر؟ وما معدل أخطائه في حالتي أنا؟
  3. من المسؤول إن أخطأ؟ وأين تذهب بياناتي؟ (انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».)
  4. ما خطتي إن توقف أو تغيّرت شروطه؟

وفي المقابل، لا ينبغي أن يدفعنا الحذر إلى الجمود. فخفض الكلفة فرصةٌ حقيقية للمؤسسات الصغيرة والجمعيات، شرط أن تبدأ بتجربة محدودة قابلة للقياس.

تحفّظات على الأرقام

هذه أرقام عن المتوسطات والاتجاهات، ولا تخبرنا عن جودة كل تطبيق. وانخفاض الكلفة في الاستدلال لا يعني انخفاض كلفة التدريب الذي يرتفع بنحو 3.5 أضعاف سنويًّا في النماذج الرائدة بحسب تقدير «إبوك». وما يخبئه الغد بيد الله، والتقدير الصادق أن نصف الاتجاه الحالي دون أن نمدّه خطًّا مستقيمًا إلى ما بعده.

تعلّمنا قصة الأرانب أنّ الكائن الذي يجد بيئةً مفتوحة ينتشر أسرع مما يتوقع أحد، وأنّ الحكمة في أن نسبق الانتشار بالسؤال: ماذا نريد من هذه القدرة، وما الحدود التي نضعها لها؟

المراجع

  1. Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2025 (Top Takeaways)
  2. Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2026 (صفحة التقرير)
  3. Epoch AI, Trends in Artificial Intelligence (لوحة الاتجاهات)
  4. Rabbit plagues in Australia (Wikipedia)