تاريخ الذكاء الاصطناعي: موجات من الحماسة وشتاءان من الخيبة
ليس تاريخ الذكاء الاصطناعي خطًّا صاعدًا، بل وعودٌ كبيرة تعقبها خيبةٌ وتمويلٌ يشحّ، ثم عودةٌ بأدواتٍ أقوى.

كبسولة نانودقيقة واحدة
يُروى تاريخ الذكاء الاصطناعي عادةً خطًّا صاعدًا، والأدقّ أنه موجات: حماسٌ يعلو بوعودٍ كبيرة، ثم خيبةٌ وتمويلٌ يتراجع، ثم عودةٌ بأدواتٍ أقوى. بدأ الحقل بمقترح دارتموث عام 1955 وورشته صيف 1956، وعرف شتاءين طويلين: أولهما في سبعينيات القرن الماضي بعد تقرير لايتهيل البريطاني، وثانيهما بعد انهيار سوق أجهزة «ليسب» عام 1987. وجاءت النقلة الحديثة حين اجتمعت البيانات الضخمة والمعالجات الرسومية والشبكات العميقة منذ 2012. أما توقعات الباحثين لبلوغ ذكاءٍ بمستوى الإنسان فتتباعد تباعدًا كبيرًا، فنقرأ التاريخ درسًا في التواضع لا مدخلًا إلى الجزم.
المقال مطولًا طيّ المقال
وعدٌ في ورقة
في 31 أغسطس 1955 كتب أربعة باحثين، هم جون مكارثي (John McCarthy) ومارفن مينسكي (Marvin Minsky) ونثنيال روتشستر (Nathaniel Rochester) وكلود شانون (Claude Shannon)، مقترحًا لدراسة صيفية في كلية دارتموث، وفي عنوانه ظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي». انطلق المقترح من فرضية أنّ كل جانب من جوانب التعلّم، أو أيّ سمةٍ أخرى للذكاء، يمكن وصفه بدقةٍ كافية لتحاكيه آلة. وطلب شهرين وعشرة باحثين، وانعقدت الورشة صيف 1956. هكذا بدأ حقلٌ كامل بتخمينٍ جريء وميزانية صغيرة.
ربيعان وشتاءان
سادت بعد ذلك ثقةٌ بأنّ ترجمة الآلة والحوار الطبيعي قريبان. لكن لجنة استشارية أمريكية (ALPAC) خلصت عام 1966 إلى أنّ الترجمة الآلية أغلى وأبطأ وأقلّ دقةً من ترجمة البشر، وأنهى المجلس القومي للبحوث دعمه بعد إنفاق نحو 20 مليون دولار. وفي عام 1973 صدر في بريطانيا تقرير السير جيمس لايتهيل (James Lighthill) عن أبحاث المجال، فتبعه تقليصٌ شديد لها لم يبقَ منها إلا في جامعاتٍ قليلة حتى عاد التمويل عام 1983 عبر مشروع «ألفي» (Alvey). وفي عام 1974 ألغت وكالة «داربا» (DARPA) عقدًا سنويًّا قيمته ثلاثة ملايين دولار لبرنامج فهم الكلام في جامعة كارنيغي ميلون.
يسمّي المؤرخون هذا النمط «شتاء الذكاء الاصطناعي»، ويؤرّخون الشتاء الأول بنحو 1974–1980. وتفسيره المعتاد أنّ الوعود سبقت ما تسمح به الحواسيب وحجم البيانات في ذلك الزمن، فجاء الحساب قاسيًا.
عادت الحماسة في الثمانينيات مع «النظم الخبيرة»، وهي برامج تحشد قواعد الخبراء في صورة شروطٍ ونتائج، ومع مشروع «الجيل الخامس» الياباني الذي خصّصت له وزارة التجارة الدولية والصناعة اليابانية (MITI) نحو 850 مليون دولار عام 1981. غير أنّ أهدافه لم تتحقق بحلول 1991، وانتهى المشروع في 1 يونيو 1992. وفي عام 1987 انهار سوق أجهزة «ليسب» المتخصصة، وكانت صناعةً تُقدَّر بنصف مليار دولار، لأنّ محطات العمل العامة الأرخص صارت تشغّل اللغة نفسها. ويؤرّخ المصدر الشتاء الثاني بنحو 1987–2000، ويختلف المؤرخون في حدود الشتاءين.
ما الذي تغيّر؟
في مايو 1997 فاز «ديب بلو» (Deep Blue) من «آي بي إم» على بطل العالم غاري كاسباروف (Garry Kasparov) بنتيجة 3.5 مقابل 2.5، بعد أن خسر أمامه الحاسوب نفسه في العام السابق 4–2. وقد اعتمد على قوة حوسبة خام، فقيّم نحو 200 مليون وضع شطرنجي في الثانية. إنجازٌ باهر في ميدانٍ ضيّق، لا انتقالٌ إلى ذكاء عام.
أما التحول الأعمق فجاء في 2012. ففي مسابقة «إيماج نت» (ImageNet) بلغ خطأ شبكة «أليكس نت» (AlexNet) في أفضل خمس فئات 15.3%، وتفوّقت بأكثر من 10.8 نقطة مئوية على أقرب المنافسين، وتدرّبت على بطاقتين رسوميتين في نحو خمسة أيام أو ستة. اجتمعت إذن ثلاثة عناصر: بيانات مصنّفة كثيرة، وعتاد رخيص نسبيًّا، وشبكات عميقة. وبعد خمس سنوات أظهرت دراسة في دورية «نيتشر» (Nature) أنّ شبكة عميقة دُرّبت على 129,450 صورة سريرية صنّفت سرطان الجلد بأداءٍ يوازي أداء 21 طبيب جلدية في الاختبار. وتنبّه الباحثون أنفسهم إلى أنّ التحقق في الممارسة السريرية الفعلية ما زال لازمًا، وأنّ بعض تصنيفات الصور لم يؤكدها الفحص المجهري للعيّنة. ثم أتت النماذج اللغوية الكبيرة التي شرحناها في مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟».
والغد؟
تُغري التواريخ المستديرة بالتنبؤ، وأقرب ما لدينا استطلاعٌ أجري في أكتوبر 2023 على 2,778 باحثًا نشروا في مؤتمرات رائدة. كان التقدير المجمَّع لهم أنّ احتمال بلوغ «ذكاء آلي عالي المستوى» يساوي 50% بحلول عام 2047، وأنّ الأتمتة الكاملة للعمل تبلغ هذا الاحتمال عام 2116. وتتبدل الأرقام بتبدّل صياغة السؤال: ففي صيغة السنوات الثابتة جاء الموعد بعيدًا بنحو الضعف عنه في صيغة الاحتمالات الثابتة. ويقرّ مؤلفو الدراسة بأنهم لا يعرفون سبب الفجوة الكبيرة بين التقديرين. فهذه تقديرات لا وعود، وعلم الغيب عند الله وحده.
ثلاثة دروس عملية
- حين تسمع وعدًا بتحوّلٍ وشيك، اسأل عن الدليل: على أي بيانات اختُبر النظام، وبأي مقياس؟
- فرّق بين أداءٍ متفوق في مهمة ضيقة وقدرة عامة مرنة.
- لا تبنِ قرارًا مؤسسيًّا على تاريخٍ مقدَّر، بل على ما يثبت اليوم، مع الاستعداد لتعديل المسار.
وقد علّمتنا الشتاءات أنّ الصبر مع الأخذ بالأسباب أنفع من الانبهار ومن الإنكار معًا، وأنّ العلم يتقدّم حين نُحسن قياس ما نعرف ونعترف بما لا نعرف.
المراجع
- J. McCarthy, M. Minsky, N. Rochester, C. Shannon, A Proposal for the Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence (31 August 1955)
- AI winter (Wikipedia): تقرير لايتهيل 1973 وتقرير ALPAC 1966 وانهيار أجهزة ليسب 1987 ومشروع الجيل الخامس
- IBM, Deep Blue (IBM History)
- AlexNet (Wikipedia): نتيجة مسابقة ImageNet 2012
- A. Esteva et al., Dermatologist-level classification of skin cancer with deep neural networks, Nature 542 (2017)
- K. Grace et al., Thousands of AI Authors on the Future of AI, AI Impacts (2024), استطلاع أكتوبر 2023


