القطاعات والتطبيقات

الذكاء الاصطناعي وبوابات الخير: كيف يُوجَّه العطاء إلى أهله؟

حين لا يملك المحسن سجلًّا بأسماء المحتاجين، قد تدلّه بيانات الهاتف. تجربة توغو تُظهر قدرة هذا الباب وحدودَه.

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

بطريق واقف على قطعة جليد طافية في بحر هادئ

كبسولة نانودقيقة واحدة

في عام 2020 أرادت حكومة توغو أن تصرف مساعدات نقدية طارئة في جائحة كورونا ولا سجلّ اجتماعيًّا لديها. فدرّب باحثون نموذجًا للتعلّم الآلي على بيانات مكالمات الهاتف ومسوح ميدانية لتقدير الفقر. وجاءت النتائج مقيّدة بصدق: في التوسع الريفي أخطأ النظام باستبعاد 53% من المستحقين، مقابل 59% إلى 78% للبدائل الممكنة آنذاك، لكنه كان أقل دقة من طرق افتراضية تعتمد على سجل شامل لا وجود له. وبيّن الباحثون خطر كشف الخصوصية. فالذكاء الاصطناعي يوسّع باب العطاء حين يغيب البديل، ولا يغني عن التحقق الميداني ولا عن الضوابط الشرعية في مصارف الصدقات.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

أطلقت حكومة توغو في الجائحة برنامجًا للتحويلات النقدية الطارئة اسمه «نوفيسي» (Novissi). والمشكلة التي واجهتها قديمة في كل عطاء: لا سجلّ اجتماعيًّا شاملًا يدلّ على من يستحق. فكيف يصل المال إلى أهله؟

الفكرة: ما تقوله الهواتف عن أصحابها

درّب باحثون نموذجًا للتعلّم الآلي على بيانات المكالمات منزوعة الأسماء من شركتي اتصالات، وعلى مسح وطني للأسر (2018 – 2019) ومسح هاتفي (2020)، ليقدّر أيّ الأسر أفقر من نمط استعمالها للهاتف. وقارنوا هذه الطريقة بالتحديد الجغرافي وبالتحديد بحسب المهنة وبغيرهما، في دراسة نشرتها «نيتشر» عام 2022 (آيكن Aiken وزملاؤه).

ما قالته الأرقام، له وعليه

كانت النتيجة نافعة، لكنها بعيدة عن الكمال:

  • في التوسع الريفي للبرنامج، بلغ الاستبعاد الخاطئ للمستحقين 53% بهذه الطريقة، مقابل 59% إلى 78% للبدائل الممكنة وقتها.
  • قلّلت الطريقة أخطاء الاستبعاد بين 4% و21% قياسًا بالتحديد الجغرافي.
  • لكنها زادتها بين 9% و35% قياسًا بطرق تفترض وجود سجل اجتماعي شامل، وهي مقارنة افتراضية لأن توغو لم تملك مثل هذا السجل.

أي أن أكثر من نصف المستحقين في التوسع الريفي ظلّ خارج المساعدة. وهذا لا يُسقط الفكرة؛ فهي أحسن ما أمكن حين لا سجل، لكنه يمنع أن نتوهم أن الخوارزمية تبلغ الكمال. ويبيّن لماذا يجب أن يسير التحقق الميداني وقنوات الاعتراض والاستئناف بجانبها.

الإنصاف والخصوصية

لم تظهر فروق منتظمة في الاستبعاد بحسب الجنس أو العِرق أو الدين أو العمر أو نوع الأسرة، لكن وُجدت فروق صغيرة في الدقة بين الفئات، ولم تحقق أي طريقة تكافؤًا تامًّا بينها. ونبّه الباحثون إلى أن مفاهيم الإنصاف نفسها قد تتعارض، وإلى أن بيانات الهاتف مجهولة الأسماء قد يمكن في بعض الحالات كشف أصحابها. ففي هذا العطاء أمانة مضاعفة، لأن أصحاب هذه البيانات من أضعف الناس وأحوجهم إلى الستر. وتلتقي هذه الهواجس مع ما انتهت إليه مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في المملكة (سدايا، الإصدار الثاني 2023): الخصوصية والأمن، والعدالة، والمنافع الاجتماعية والبيئية، والمساءلة. وتجد المبادئ العامة مفصّلةً في مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة».

بوابات أخرى للنفع

ليس الخير حوالات نقدية وحدها. ففي دراسة «نيتشر» عن الفيضانات (2024) ذكر باحثون أن نموذجهم يتنبأ بجريان الأنهار حتى سبعة أيام مقبلة ويعمل في أكثر من 80 دولة، وإتاحته مجانية بلا تسجيل، وأنه رفع جودة التوقع في أفريقيا إلى مستوى يقارب ما يحققه النظام الأوروبي المقارَن في أوروبا. وإنذار يصل قبل أيام قد يمنح الأسر والجهات المعنية وقتًا للاستعداد.

وفي ميدان الصدقات

لا يصح أن نجعل الخوارزمية مرجعًا في تحديد المستحقين شرعًا. فمصارف الزكاة أحكام شرعية تضبطها الجهات المختصة وأهل العلم، والآلة قد تساعد في الوصول إلى من لا يظهرون في السجلات، أو في تنظيم الطلبات وتتبع الإيصال، ثم يتحقق الموظف المختص ويحكم. والمؤسسة الخيرية التي تستعين بهذه الأدوات ينبغي أن تسأل أسئلة ثلاثة: ما نسبة من فاتتهم المساعدة؟ كيف نصل إليهم؟ وأي بيانات نحمي منهم؟

وهكذا يكون «الباب إلى الخير» مفتوحًا ببصيرة: يقرّب الذكاء الاصطناعي المسافة بين المحسن والمحتاج، ويبقى القرار والأمانة والدعاء بالقبول عند أصحابها، والله المستعان.

المراجع

  1. E. Aiken et al., Machine learning and phone data can improve targeting of humanitarian aid, Nature 603 (2022)
  2. G. Nearing et al., Global prediction of extreme floods in ungauged watersheds, Nature (2024)
  3. Al Tamimi & Company, AI Ethics Principles Version 2.0 (SDAIA), 23 October 2023