الأخلاقيات والحوكمة

الذكاء الاصطناعي خادمٌ أمين بشرط: أين ينفع وأين يخدع؟

حين ينجح الذكاء الاصطناعي نُحسن الظن به، وهنا بالضبط يبدأ الخطر. دليلان على نفعه ودليل على مصيدة الاتكال، وما يجعل الخادم أمينًا.

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد روبوتية تُوقّع وثيقة قرب ميزان العدالة ومطرقة القاضي

كبسولة نانودقيقة واحدة

وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «خادم أمين» يقتضي شرطين: أن ينفع حقًّا، وأن يبقى تحت نظر الإنسان. أما النفع فمثبت في ميادين محددة؛ إذ مُنحت جائزة نوبل للكيمياء عام 2024 جزئيًّا عن نموذج «ألفافولد 2» لتوقع بنية البروتينات. لكن مع النجاح يأتي خطر الاتكال: ففي تجربة على 27 طبيب أشعة، هبطت دقة المتمرّسين منهم من 82% إلى 45.5% حين كان اقتراح الآلة خاطئًا، ودون 20% لدى قليلي الخبرة. فالأمانة ليست صفة في الآلة وحدها، بل ترتيب يضمن مراجعة بشرية مستقلة ومحاسبة واضحة، وهو قريب مما تدعو إليه مبادئ سدايا في المملكة في الشفافية والمساءلة.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

اختبر باحثون في ألمانيا وهولندا سبعةً وعشرين طبيب أشعة على خمسين صورة ماموغرام، وعرضوا على الأطباء اقتراحات من نظام ذكاء اصطناعي، بعضها صحيح وبعضها خاطئ. فماذا كانت النتيجة حين أخطأ الاقتراح؟ هذا السؤال يلخّص معنى «الخادم الأمين».

حيث ثبت النفع

لا ينكر عاقل أن لهذه التقنية ثمرات. ففي أكتوبر 2024 مُنحت جائزة نوبل للكيمياء مناصفةً بين ديفيد بيكر (David Baker) عن تصميم البروتينات حاسوبيًّا، وديميس هسابيس (Demis Hassabis) وجون جمبر (John Jumper) عن توقع بنية البروتينات. واستعمل الأخيران نموذج «ألفافولد 2» (AlphaFold2) في مسألة عمرها نحو خمسين عامًا. وذكرت الجزيرة أنه حسب بنية البروتينات البشرية كلها وتوقع بنية ما يقارب 200 مليون بروتين اكتشفها الباحثون، وأن أكثر من مليوني شخص في 190 دولة استعملوه.

وفي الطب ذكرنا في مقال «ما الذي أثبته الذكاء الاصطناعي لجودة حياتنا فعلًا؟» دراسة «نيتشر» عن فحص الثدي: نظام قلّل الإنذارات الكاذبة والفائتة على سجلات سابقة، وخلص مؤلفوها إلى أنها تدعم تجارب سريرية لاحقة. هذه ثمار حقيقية في مهام محددة.

حين يصير الاتكال خطرًا

لكن النفع يقود إلى حالة نفسية قديمة: أن نصدّق الآلة لأنها كثيرًا ما أصابت. ويسميها الباحثون «انحياز الأتمتة» (automation bias). وقد قاسها فريق بقيادة توماس دراتش (Thomas Dratsch) من مستشفى جامعة كولونيا، ونشر نتيجته في مجلة «Radiology» عام 2023: قرأ 27 طبيب أشعة خمسين ماموغرامًا مع اقتراحات تصنيف من نظام ذكي. وحين كان الاقتراح خاطئًا، هبطت دقة الأطباء قليلي الخبرة إلى أقل من 20%، وهبطت دقة المتمرّسين (أكثر من 15 سنة خبرة في المتوسط) من 82% إلى 45.5%.

وقيد مهم: هذا اختبار معملي بعدد محدود من الأطباء والصور، لا حصيلة ممارسة سريرية. غير أن الدرس يتخطى الأشعة: الخبرة وحدها لا تحمي من الانسياق خلف جواب يبدو واثقًا. وهو أشد خطرًا حين تكون الآلة صائبة في أغلب الأحيان، لأن العين تكفّ عن المراجعة.

ما الذي يجعل الخادم أمينًا؟

الأمانة هنا ليست خلقًا تُنسبه إلى الآلة، وإنما هي ترتيبات تضعها المؤسسة. ومما يُقترح في ضوء هذه الأدلة (وهو استنتاجنا لا نصّ الدراسة):

  • رأيٌ بشري مستقل أولًا. يقرأ الطبيب أو المدقق الحالة ويدوّن تقديره قبل أن يرى اقتراح الآلة.
  • بيان حدود النظام. أن يُعرَف أين يخطئ وكم يخطئ، لا أن يُقدَّم جوابه كأنه حكم.
  • تدقيق دوري لأداء النظام في بيئته الفعلية، لا في بيئة تجريبه.
  • مساءلة واضحة: من يوقّع على القرار؟ الجواب دائمًا إنسان أو جهة، لا خوارزمية.

وتتصل بهذه المعاني مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي أصدرتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في إصدارها الثاني عام 2023، وهي سبعة: العدالة، والخصوصية والأمن، والإنسانية، والمنافع الاجتماعية والبيئية، والموثوقية والسلامة، والشفافية وقابلية التفسير، والمساءلة والمسؤولية. وتصنّف الأنظمة بحسب درجة المخاطرة: فما كان قليل المخاطر لا يلزم بالامتثال وإن أوصي به، وما كان محدود المخاطر أو عالِيها يلزم بالامتثال مع ضوابط إضافية، وما كان غير مقبول المخاطر يُمنع. وتفصيل هذه المبادئ العامة في مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة».

ثقة واعية

لا يعني هذا أن نتردد في الاستعانة بالآلة، فمن ترك الأسباب النافعة فقد قصّر. وإنما نستعين بها كما يستعين المرء بخادم ثقة: نشكر له إتقانه، ونسأله عن حدوده، ونعرف أن التبعة علينا. فالأمانة في الآلة مصدرها صنّاعها وأهلها، وفي الإنسان مصدرها الله ثم الضمير، ونرجو العاقبة الحسنة لمن جمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل.

المراجع

  1. Al Jazeera, Three scientists win Nobel Prize in Chemistry for work on proteins (9 October 2024)
  2. RSNA, AI bias may impair accuracy of mammogram readings — on T. Dratsch et al., Automation Bias in Mammography, Radiology (2 May 2023)
  3. S. M. McKinney et al., International evaluation of an AI system for breast cancer screening, Nature (2020)
  4. Al Tamimi & Company, AI Ethics Principles Version 2.0 (SDAIA), 23 October 2023