الذكاء الاصطناعي وأدوات التفكير: شريكٌ في العصف لا بديلٌ عنه
أدوات الإبداع المعروفة أقدم من النماذج اللغوية بعقود. فماذا يضيف إليها الذكاء الاصطناعي، وماذا يأخذ منها إن أسأنا استعماله؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
العصف الذهني والقبعات الست وتريز وسكامبر أدوات صُمّمت قبل النماذج اللغوية بعقود لتنظيم توليد الأفكار. والسؤال اليوم: هل يحسّنها الذكاء الاصطناعي؟ تُظهر الأدلة وجهين. ففي مراجعة كلاسيكية، تفوّق الأفراد العاملون منفردين على المجموعات في عدد الأفكار في 18 من 22 دراسة، وأرجع الباحثون ذلك أساسًا إلى انتظار الدور في الكلام. وفي تجربة حديثة، حسّنت أفكار النموذج اللغوي حكايات الكتّاب الأقل إبداعًا، لكنها جعلت الحكايات أكثر تشابهًا. الخلاصة العملية: اكتب أفكارك أولًا ثم استشر النموذج، وجعله محاورًا ناقدًا لا مصدرًا وحيدًا، وأبقِ الحكم على الفكرة للإنسان.
المقال مطولًا طيّ المقال
جمع الباحثان دييل وشتروبه (Diehl وStroebe) عام 1987 ما سبقهما من دراسات عن العصف الذهني، فوجدا أن المجموعات التي تتبادل الأفكار وجهًا لوجه تنتج عادةً أفكارًا أقل مما ينتجه الأفراد أنفسهم حين يعملون منفردين. وكان ذلك في 18 دراسة من أصل 22. هذه المفارقة تنفع في فهم موضع الذكاء الاصطناعي من أدوات التفكير.
أربع أدوات معروفة الأصل
العصف الذهني. شاع المصطلح في الخمسينيات بكتاب «Applied Imagination» (1953) لرجل الإعلانات ألكس أوزبورن (Alex Osborn)، وقواعده أربع: أكثِر من الأفكار، وأجِّل النقد، ورحّب بالأفكار الغريبة، واجمع الأفكار وحسّنها.
القبعات الست. كتاب «Six Thinking Hats» (1985) لإدوارد دي بونو (Edward de Bono): يتقمّص المفكر ستة أدوار بالتتابع لا معًا. الأبيض للحقائق، والأحمر للمشاعر، والأسود للنقد، والأصفر للإيجابي، والأخضر للجديد، والأزرق لإدارة الجلسة.
تريز (TRIZ). نظرية حل المسائل الاختراعية التي بدأها السوفييتي غنريخ ألتشولر (Genrich Altshuller) عام 1946 حين كان يعمل في قسم فحص الاختراعات في أسطول بحر قزوين التابع للبحرية السوفييتية. استخلص مع زملائه أنماطًا متكررة من مئات الآلاف من الاختراعات، وخرج بأربعين مبدأ اختراعيًّا.
سكامبر (SCAMPER). أعدّه بوب إيبرلي (Bob Eberle) عام 1971 اعتمادًا على قائمة أسئلة أوزبورن: استبدِل، اجمع، كيِّف، عدِّل أو كبِّر أو صغِّر، استعمله لغرض آخر، احذف، اعكس أو أعد الترتيب.
لا سحر في هذه الأدوات. هي أسئلة منظمة تمنع العقل من الوقوف عند أول فكرة.
ما قالته التجربة عن العصف
لماذا تخسر المجموعات؟ اختبر دييل وشتروبه ثلاثة أسباب: التواكل (أن يعتمد الفرد على غيره)، والخوف من التقييم، و«الانسداد الإنتاجي» (production blocking) أي أن واحدًا فقط يتكلم في الوقت الواحد. وخلصا إلى أن الانسداد الإنتاجي فسّر معظم الخسارة. ففي تجربة مفتاحية، أنتج من اضطروا إلى انتظار دورهم أقل من نصف ما أنتجه من تكلموا بحرية.
فالعبرة العملية قبل أي نموذج لغوي: دَعِ الجميع يكتبون أفكارهم منفردين، ثم اجمعوها.
وماذا يضيف النموذج اللغوي؟
يشبه النموذج مشاركًا لا ينتظر دوره، ولا يخجل، ولا يملّ. وقد قاس الباحثان دوشي وهاوزر (Doshi وHauser) أثر ذلك في تجربة نشرتها «ساينس أدفانسز» (Science Advances) عام 2024: كتب مشاركون حكايات قصيرة، وتلقّى بعضهم أفكارًا من نموذج لغوي. فقُيّمت حكايات من تلقّوا الأفكار بأنها أكثر إبداعًا وأجود كتابة وأمتع، وكان الأثر أكبر عند الكتّاب الأقل إبداعًا. لكن هذه الحكايات كانت أشبه ببعضها من حكايات من كتبوا بلا مساعدة. ووصف المؤلفان ذلك بمعضلة اجتماعية: الفرد يربح، والتنوع العام يتقلص.
اقتراحات عملية
هذه خلاصة استنتاجية من الدراستين وليست نتيجة تجربة مباشرة:
- اكتب أولًا، ثم اسأل. سجّل أفكارك قبل أن ترى أفكار النموذج حتى لا تُضيّق عليك أفقك.
- اجعله القبعة السوداء. اطلب منه أن يعدّد ما قد يفشل في فكرتك أو أن يعارضها، وهذا أنفع عادةً من طلب المديح.
- أدِر الأسئلة لا الأجوبة. اطلب منه أسئلة سكامبر عن مشروعك، ثم أجب أنت عنها.
- لا تقبل أول جواب. كرِّر الطلب بزوايا مختلفة، فتشابه الأجوبة هو الخطر الذي رصدته التجربة.
وبعد التوليد يبقى سؤال لا يُفوَّض: أهذه الفكرة نافعة؟ ومتفقة مع القيم؟ وهل تحمل ضررًا خفيًّا؟ ذلك حكم يتحمله الإنسان ويُسأل عنه، والآلة لا تُسأل. وفي ذلك توكّل صحيح: نأخذ بالأسباب كلها، ونسأل الله التوفيق.
المراجع
- M. Diehl & W. Stroebe, Productivity Loss in Brainstorming Groups: Toward the Solution of a Riddle, Journal of Personality and Social Psychology 53(3), 497–509 (1987)
- A. R. Doshi & O. P. Hauser, Generative AI enhances individual creativity but reduces the collective diversity of novel content, Science Advances 10, eadn5290 (2024)
- Brainstorming (Alex Osborn, Applied Imagination, 1953), Wikipedia
- Six Thinking Hats (Edward de Bono, 1985), Wikipedia
- TRIZ (Genrich Altshuller), Wikipedia
- SCAMPER (Bob Eberle, 1971), Wikipedia

