القطاعات والتطبيقات

ما الذي أثبته الذكاء الاصطناعي لجودة حياتنا فعلًا؟

أربع حالات من الطب والتعليم والطرق والفيضانات، لكل منها رقمٌ موثّق وحدٌّ يجب ألا يُنسى.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

شابان يعملان على حاسوبين محمولين

كبسولة نانودقيقة واحدة

يُكثر الحديث عن أن الذكاء الاصطناعي يحسّن جودة الحياة، والأنفع أن نسأل: ما الدليل؟ تجيب أربع حالات موثّقة. ففي فحص الثدي بالأشعة، خفّض نظام بحثي الإنذارات الكاذبة بفارق مطلق 5.7% في أمريكا و1.2% في بريطانيا، في تجربة على سجلات سابقة. وفي فصل فيزياء بجامعة هارفارد، تعلّم الطلاب مع مدرّس آلي أكثر في وقت أقل. وفي بيتسبرغ يقدّر فريق مطوّر نظام الإشارات أنه اختصر زمن الرحلة 25%. وفي الفيضانات، يصدر نموذج توقعاتٍ لأكثر من 80 دولة. لكن كل نتيجة مقيدة بسياقها، وجودة الحياة تقتضي أن تُعمَّم بحذر وتُقاس بصدق.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

حين نسمع أن الذكاء الاصطناعي «يحسّن جودة الحياة»، نكاد نصدّق دون أن نسأل: ما الذي قِيس بالضبط، ومن قاسه؟ فيما يلي أربع حالات يمكن الرجوع إلى أصلها، وبجانب كل واحدة ما لا يصحّ أن يُنسب إليها.

الطب: عينٌ ثانية على صورة الثدي

في دراسة نشرتها «نيتشر» عام 2020، دُرّب نظام على صور الماموغرام ثم قورن بأداء الأطباء على بيانات من بريطانيا ومن الولايات المتحدة. خفّض النظام الإيجابيات الكاذبة بفارق مطلق قدره 5.7% في الولايات المتحدة و1.2% في بريطانيا، والسلبيات الكاذبة 9.4% و2.7% على الترتيب. وفي تجربة قراءة شارك فيها ستة أطباء أشعة، تفوّق النظام على متوسطهم بفارق مطلق قدره 11.5% في مقياس المساحة تحت المنحنى (AUC). وفي محاكاة لنظام القراءة المزدوجة البريطاني، حافظ على أداء لا يقل عن الأطباء مع تقليل عبء القارئ الثاني بنسبة 88%.

والحدّ الذي ينبغي ألا يُنسى: هذه نتائج على سجلات سابقة، وخلص المؤلفون أنفسهم إلى أنها تدعم إجراء تجارب سريرية لاحقة، لا أنها تُغني عنها. وسنعود إلى خطر الاتكال على الآلة في مقال «الذكاء الاصطناعي خادمٌ أمين بشرط».

التعليم: مدرّس آلي في درس فيزياء

أجرى باحثون في جامعة هارفارد تجربة عشوائية محكّمة في مقرر الفيزياء التمهيدي لطلاب علوم الحياة (خريف 2023). تعلّم كل طالب موضوعًا مرة مع مدرّس آلي مبني على GPT-4 وفق تصميم تعليمي بحثي، ومرة في حصة تعلّم نشط تقليدية. وفي الأسبوعين نفسيهما، بلغ الوسيط في الاختبار البعدي 4.5 للمجموعة التي تعلّمت مع المدرّس الآلي مقابل 3.5 للأخرى (من أصل 233 طالبًا مسجّلًا، حُلّل منهم 194)، وقضى نصفهم 49 دقيقة أو أقل مع المدرّس الآلي، مقابل ستين دقيقة تعلّم في الحصة. وأفاد الطلاب بمشاركة وتحفيز أعلى.

والتحفظات التي ذكرها المؤلفون: مقرر واحد في جامعة واحدة، ومادة تمهيدية للفهم والتطبيق لا للتفكير المركّب، ونتيجة تتوقف على تصميم بعينه (موجّهات كتبها خبراء وخطوات حل مكتوبة سلفًا). ولم يُقَس أثره في الاحتفاظ بالمعلومة على المدى الطويل. فالتجربة تُثبت أن تصميمًا بعينه نفع في سياق بعينه، لا أن أي روبوت محادثة يعلّم خيرًا من المعلم.

الطرق: إشارات تتكيّف مع الزحام

طوّرت جامعة كارنيغي ميلون نظام «سيرتراك» (Surtrac) الذي يضبط الإشارات المرورية بحسب الحركة الفعلية لا بدورات ثابتة. وبدأت تجربته عام 2012 في 12 تقاطعًا مزدحمًا في بيتسبرغ. ووفق تقرير نُشر في يوليو 2017، يقدّر الفريق القائم على النظام أنه خفّض زمن الرحلة 25%، وعدد مرات الكبح 30%، وزمن الوقوف أمام الإشارة أكثر من 40%، وأن كلفة التركيب نحو 20 ألف دولار للتقاطع.

وحدّ هذه الحالة أن الأرقام «تقديرات الفريق» كما نصّ التقرير، ولم يصف منهج القياس. فهي مؤشر جيد يستحق التحقق المستقل لا حقيقة محسومة.

الفيضانات: إنذار قبل أيام

نشر باحثون من Google في «نيتشر» عام 2024 نموذجًا يتوقع جريان الأنهار يوميًّا حتى سبعة أيام مقبلة، دُرّب واختُبر على 5,680 محطة قياس حول العالم، ويمكنه العمل في أحواض بلا محطات رصد. وتفوّق أداؤه على نظام «غلوفاس» (GloFAS) الأوروبي في نحو 49% إلى 70% من المحطات بحسب حجم الحدث، وساواه أو فاقه في نحو 65% إلى 76%. وكانت موثوقية توقعاته لخمسة أيام مثل موثوقية توقعات «غلوفاس» الآنية على الأقل للفيضانات المتكررة سنويًّا. وذكرت الورقة أنه يعمل فعليًّا في أكثر من 80 دولة، وإتاحته مجانية دون تسجيل، ويرفع جودة التوقع في أفريقيا إلى مستوى يقارب ما يحققه «غلوفاس» في أوروبا.

والتحفظ هنا أن مؤلفيه ذكروا أن المقارنة ليست لصالح نموذجهم تمامًا: فنظام «غلوفاس» عُوير على بعض المحطات والفترات المستعملة في التقييم، بينما اختُبر النموذج خارج عيّنته كليًّا. أي أن المقارنة تميل لصالح المنافس، وهذا مما يزيد الثقة بنتيجته.

ما يجمع الحالات

تشترك الحالات الأربع في أمور ثلاثة. فالنفع فيها محدّد المجال: نظام لمهمة، لا ذكاء عام. وهو قابل للقياس، بقدر ما تسمح به المنهجية. وهو يوسّع قدرة الإنسان ولا يُقصيه: الطبيب والمعلّم والمهندس والمسؤول عن الطوارئ يبقون أصحاب القرار.

ومن الإنصاف أن نشكر النعمة حين تثبت، وأن نأخذ بأسباب التحقق قبل أن نعمّم. فأن نقول «ثبت هذا في ذاك السياق» أصدق وأنفع من أن نقول «الذكاء الاصطناعي يحسّن حياتنا»، لأن الصيغة الأولى تدلّنا على ما نختبره بعد ذلك في بيئتنا.

المراجع

  1. S. M. McKinney et al., International evaluation of an AI system for breast cancer screening, Nature (2020)
  2. G. Kestin et al., AI tutoring outperforms in-class active learning: an RCT introducing a novel research-based design in an authentic educational setting, Scientific Reports 15:17458 (2025)
  3. Smart Cities Dive, This AI traffic system in Pittsburgh has reduced travel time by 25% (20 July 2017)
  4. G. Nearing et al., Global prediction of extreme floods in ungauged watersheds, Nature (2024)