هل تفهم الآلة ما تقول؟ الذكاء الاصطناعي في مرآة الفلسفة
تكتب آلةٌ أبلغ العبارات في العزاء، فنسأل: أهي تعني ما تقول؟ سؤالٌ أقدم من النماذج اللغوية، وما زال الخلاف عليه قائمًا.

كبسولة نانودقيقة واحدة
حين تواسيك آلة بعبارة بليغة عن الموت، أتفهم ما تقول أم تُحسن ترتيب ما كتبه البشر؟ في 1950 اقترح آلان تورينغ (Alan Turing) أن نستبدل بسؤال «هل تفكر الآلة؟» لعبة محاكاة، وفي 1980 ردّ جون سيرل (John Searle) بتجربة «الغرفة الصينية» ليبيّن أن تشغيل الرموز وحده لا يصنع المعنى. ولم يُحسم الخلاف: فالوظيفيون يعرّفون الحالات الذهنية بأدوارها، ومنتقدوهم يتمسكون بالتجربة الباطنة. والموقف الأسلم أن نصف عمل النماذج بدقة، فلا نمنحها وعيًا بلا دليل ولا ننكر بلا برهان ما لم يُحسم.
المقال مطولًا طيّ المقال
اسأل نموذجًا لغويًّا عن معنى الفقد، فيجيبك بعبارة يرقّ لها القلب. هل فهم الفقد؟ أم عرف كيف يكتب الناس عنه؟ هذا السؤال لا يخصّ عصر النماذج وحده، فقد بدأ الجدل حوله قبل أن توجد.
من «هل تفكر؟» إلى «هل تُقنع؟»
في مجلة «مايند» (Mind) عام 1950 رأى تورينغ أن سؤال «هل تستطيع الآلات أن تفكر؟» غامض لا يُحسم بتعريف الكلمات. واقترح بدله «لعبة المحاكاة»: يحاور سائلٌ طرفين لا يراهما، ثم نرى هل تُخدعه آلة بقدر ما يخدعه إنسان. بهذا صار الذكاء أداءً يُلاحَظ، لا جوهرًا خفيًّا يُفتَّش عنه.
الغرفة الصينية
ردّ سيرل عام 1980 في مجلة «العلوم السلوكية والدماغية» بتجربة ذهنية: رجلٌ لا يعرف الصينية محبوس في غرفة، يتلقى رموزًا ويردّ برموز وفق كتاب قواعد، فيخرج جوابه سليمًا ويظنّه الخارج متحدثًا بالصينية، وهو لا يفهم حرفًا. خلاصته أن بناء الجمل وحده (النحو) لا يكفي لصنع المعنى (الدلالة). ومن أشهر الاعتراضات «ردّ النظام»: الرجل لا يفهم، لكن النظام كله، بكتبه وأوراقه، يفهم. وجواب سيرل أنه لو حفظ كل شيء في رأسه لما فهم أيضًا. ولم ينتهِ النقاش إلى إجماع.
وفي علوم اللغة الحاسوبية، حاججت إميلي بندر (Emily Bender) وألكسندر كولر (Alexander Koller) في 2020 بأن نظامًا يتدرّب على الصورة اللغوية وحدها لا يتعلّم المعنى من حيث المبدأ. وهي حجة محلّ نقاش، لكنها تحذّر من الخلط بين الطلاقة والفهم. (للتعرف على كيفية عمل هذه النماذج انظر مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟».)
نميل إلى التصديق
صنع جوزيف وايزنباوم (Joseph Weizenbaum) برنامج «إليزا» عام 1966 ليحاكي حوارًا علاجيًّا بسيطًا. تذكر الروايات أن مستخدميه باحوا له بأدق أسرارهم ونسبوا إليه فهمًا وتعاطفًا، حتى بعد أن عرفوا أنه برنامج بدائي. وسُمّي ذلك لاحقًا «أثر إليزا». فإذا كان برنامج بقواعد بسيطة قد أوهم الناس، فكيف بنموذج يكتب بطلاقة عالية؟ كلما زادت الفصاحة زاد إغراء الظن بأن وراءها قلبًا.
المشكلة الصعبة
تفرّق الفلسفة بين تفسير ما يفعله الدماغ، وهي «المشاكل السهلة» عند ديفيد تشالمرز (David Chalmers)، وتفسير سبب وجود «شيء ما يكون المرء عليه» حين يتألم أو يفرح، وهي «المشكلة الصعبة» (1995). وفي مقالته الشهيرة «كيف يكون المرء خفّاشًا؟» (1974) رأى توماس نيغل (Thomas Nagel) أن معرفة الحقائق الخارجية عن كائنٍ ما لا تعطينا تجربته من الداخل.
وفي المقابل ترى «الوظيفية» أن الحالة الذهنية تتحدد بدورها داخل النظام لا بمادته. فلو أدّى نظام ما دور العقل، فلا مانع من المبدأ من وصفه بالتفكير. ويعترض عليها خصومها بإمكان وجود أنظمة تؤدي الوظيفة بلا تجربة. فالجزم بأن الآلة لا يمكن أن تعي موقف فلسفي لا حقيقة علمية مثبتة، كما أن الجزم بأنها وعت دعوى بلا دليل. وما نعرفه أن النماذج الحالية تتنبأ بالكلمة التالية احتماليًّا من أنماط بياناتها، وهذا وصفٌ لما تفعل لا حكمٌ على كل ما قد يُبنى لاحقًا.
ما يُنتفع به من تراثنا
ناقش الكندي والرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد العقل والنفس وقواها، وفرّقوا بين العقل النظري والعملي، وجادل ابن سينا في «الرجل المعلّق» بأن النفس تدرك ذاتها بلا حاجة إلى الحواس. هذا تراث لم يُكتب للآلات، لكنه يعين على طرح السؤال بلسان ثقافتنا لا بمصطلحات مستوردة فحسب.
ثلاث وصايا عملية
أولها أن نسمّي الأشياء بأسمائها: «تولّد» و«تتنبأ» أدقّ من «تفهم» و«تشعر». وثانيها ألا نجعل الآلة مرجعًا في ما لا يُغني فيه إلا الإنسان، كالمواساة والفتوى والقرار الأخلاقي، فبلاغتها لا تساوي حكمةً عاشها صاحبها. وثالثها أن نعلّم الناشئة الفرق بين الطلاقة والحكمة، فالأولى تُحاكى والثانية تُكتسب بالتجربة. وهي أسئلة تدعونا إلى التواضع، فلا نؤلّه الآلة ولا ننكر ما لم يُحسم.
المراجع
- A. M. Turing, Computing Machinery and Intelligence, Mind 59(236), October 1950, pp. 433–460
- Stanford Encyclopedia of Philosophy, The Chinese Room Argument
- Stanford Encyclopedia of Philosophy, Consciousness
- History.com, The First Chatbot ELIZA and the Rise of AI (Joseph Weizenbaum, 1966)
- E. Bender & A. Koller, Climbing towards NLU: On Meaning, Form, and Understanding in the Age of Data, ACL (2020)
- Stanford Encyclopedia of Philosophy, Arabic and Islamic Psychology and Philosophy of Mind


