حين تتأخر الأوامر عشرين دقيقة: كيف يقود الذكاء الاصطناعي مركباتنا في الفضاء
المسافة لا تترك للمهندس فرصة التدخل، فتُمنح المركبة قدرًا من القرار. وبين الاعتماد على الآلة والاستسلام لها خيطٌ دقيق.

كبسولة نانودقيقة واحدة
بين الأرض والمريخ قد تستغرق الإشارة نحو 22 دقيقة في الاتجاه الواحد، فلا تُقاد المركبة بجهاز تحكم عن بُعد. لذلك تحمل المركبات برمجيات تختار مسارها، وبعضها ينتقي بنفسه الصخور التي يُطلق عليها الليزر، كما فعل نظام «أيجس» (AEGIS) على مركبة «كيوريوسيتي» (Curiosity). وعلى الأرض ساعدت شبكة عصبية في كشف كوكب ثامن حول النجم «كبلر-90» (Kepler-90). غير أن هذه الأنظمة ترى ما صُمّمت لتراه، فتبقى صياغة السؤال العلمي ومراجعة ما تهمله من مسؤولية الإنسان.
المقال مطولًا طيّ المقال
كيف تقود مركبةً تبعد عنك ملايين الكيلومترات إذا كان كل أمرٍ تُرسله يصلها متأخرًا؟ تقدّر دراسة لوكالة ناسا (2022) أن أقصى تأخير في الاتجاه الواحد بين الأرض والمريخ نحو 22 دقيقة. وفي أثناء الاقتران الشمسي، حين تقف الشمس بين الكوكبين، ينقطع الاتصال أو يضطرب أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع في كل مهمة. والجواب العملي أنك لا تقودها، بل تمنحها قدرًا من القرار.
مركبة تختار طريقها وهدفها
كانت مركبة «كيوريوسيتي» تُطلق جهاز الليزر (ChemCam) على زاوية مضبوطة سلفًا، وكان الشعاع يصيب التربة في نصف الحالات تقريبًا بدل الصخر، بحسب مختبر الدفع النفّاث التابع لناسا (JPL). ثم دخل نظام «أيجس» الخدمة في مايو 2016: يفحص صور الكاميرا بحثًا عن الصخور، ويرتّبها بحسب اللون والشكل والحجم، ثم يوجّه الجهاز إلى أنسبها. وخلال أكثر من عام وجّه الليزر 54 مرة، وساعد في رصد كميات أعلى من الكلور والسيليكا في صخور قريبة.
وفي القيادة، تقول ناسا إن نظام الملاحة الذاتية في «برسيفيرانس» (Perseverance) يرسم خريطة الأرض أمامه ويختار الطريق، وتبلغ سرعته القصوى نحو 120 مترًا في الساعة مقابل نحو 20 مترًا لـ«كيوريوسيتي». أما السائقون البشر فبقوا في مواقعهم، لأن الغاية زيادة استقلال المركبة حيث يمكن، لا إلغاء الإنسان.
مناظير تُغربل السماء
على الأرض تواجه التلسكوبات طوفانًا من القياسات الخافتة. في 2017 درّب الباحثان شالو (Christopher Shallue) وفاندربرغ (Andrew Vanderburg) شبكة عصبية على إشارات من مهمة «كبلر» (Kepler)، فصنّفت الإشارات المرجّحة كواكب فوق الإيجابيات الكاذبة في 98.8% من حالات مجموعة الاختبار. ثم طُبّقت على أنظمة معروفة متعددة الكواكب، فأمكن إثبات كوكب ثامن حول «كبلر-90» إحصائيًّا، وبذلك صار عدد كواكبه المعروفة مساويًا لعدد كواكب مجموعتنا الشمسية.
والرقم 98.8% نتيجة اختبار على بيانات مصنّفة سلفًا، لا ضمانة لأن يصيب النموذج في كل رصد جديد. ولهذا تبقى مراجعة الفلكيين جزءًا من الاكتشاف. وتذكر ناسا اليوم أكثر من 6000 كوكب مؤكَّد خارج مجموعتنا الشمسية، وفي ذلك دليل على ما تصنعه الجهود البشرية حين تُسندها أدوات الحساب.
سماء مزدحمة
تتبّع الشبكات الأرضية نحو 40 ألف جسم في المدار، منها نحو 11 ألفًا أقمار عاملة، بحسب تقرير وكالة الفضاء الأوروبية (2025). ويُقدَّر عدد الشظايا التي يزيد حجمها على سنتيمتر واحد بأكثر من 1.2 مليون. ويذكر التقرير أن الحالات التي تستدعي مناورات تفادي الاصطدام تزداد سنة بعد أخرى. وفي سماء كهذه يزداد الطلب على حساب المخاطر بسرعة، لكنّ التقرير لا يحدد دور الذكاء الاصطناعي فيه، فلا نحمّله ما لم يُنسب إليه.
ما لا تراه الآلة
يدلّ عمل «أيجس» على أمرٍ مهم: فضول الآلة هنا معايير كتبها بشر، لون الصخرة وحجمها وشكلها، ويستطيع العلماء تعديلها. وما يُبنى على المألوف يُرجَّح أن يلتقط المألوف، وقد يعدّ الشاذّ ضجيجًا. وتاريخ العلم يبيّن أن بعض الاكتشافات بدأ شذوذًا بدا خطأً، فمن الحكمة أن يراجع الفريق بين حين وآخر ما أهملته الخوارزمية.
وللقارئ أن يتأمل ما يفوّضه: الحساب والغربلة والصبر الطويل أعمال تجيدها الآلة، أما السؤال: لماذا ننظر هنا؟ وماذا يعني ما رأينا؟ فمن أمانة الباحث. ومن شكر نعمة العلم أن نحسن استعمال أدواته، فنأخذ بالأسباب ونُبقي في الحلقة عقلًا يدهش ويسأل ويُراجع.
المراجع
- NASA NTRS, Communication Delays, Disruptions, and Blackouts for Crewed Mars Missions (ASCEND 2022)
- NASA JPL, Laser-Targeting AI Yields More Mars Science (21 June 2017)
- Space.com, NASA's Perseverance rover is taking its own wheel for Mars drives
- C. J. Shallue & A. Vanderburg, Identifying Exoplanets with Deep Learning: A Five Planet Resonant Chain around Kepler-80 and an Eighth Planet around Kepler-90, The Astronomical Journal (2018); arXiv:1712.05044
- NASA Science, Exoplanets
- ESA, Space Environment Report 2025


