الذكاء الاصطناعي في المباني: أين الأثر الأكبر، وماذا نتعلم من الطين؟
المبنى الذي يُحسن استهلاك ما يُعطى أنفع كثيرًا من برجٍ جديد لامع. وعمارة الطين النجدية تذكّرنا بما سبقت به الخوارزميات.

كبسولة نانودقيقة واحدة
يستحوذ قطاع المباني والتشييد على نحو 34% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية وقرابة 32% من الطاقة، بحسب تقرير الأمم المتحدة للبيئة (مارس 2025). وتشير مراجعة منهجية لـ34 دراسة إلى أنّ التصميم التوليدي خفّض الاستهلاك في حالات مدروسة بما يصل إلى 23% في الأداء الطاقي، لكنها نتائج محاكاة تختلف عن واقع السكن. وفي محاكاة لبيوت نجدية تقليدية ارتفع استهلاك الطاقة نحو 33% في الرياض عند استبدال جدران اللبن بجدران حديثة. فالأداة نافعة حين تتعلم من الموروث المناخي، وتُوجَّه أيضًا إلى المباني القائمة لا إلى الجديد وحده.
المقال مطولًا طيّ المقال
حين يُسأل الناس عن أثر الذكاء الاصطناعي في العمارة يتخيلون أبراجًا بأشكال غريبة. والأثر الأكبر، فيما نرجّح، أهدأ من ذلك بكثير: مبانٍ قائمة تستهلك أقل، وقرارات تخطيط تُختبر قبل أن تُنفَّذ، وموروثٌ مناخي لا يُهدر. ولهذا الرأي أدلته وحدوده.
حجم المسألة
ذكر تقرير الأمم المتحدة للبيئة والتحالف العالمي للمباني والتشييد (مارس 2025) أنّ القطاع يسهم بنحو 34% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية ويستهلك قرابة 32% من الطاقة، وأنّ نحو نصف المباني التي ستقوم عام 2050 لم يُبْنَ بعدُ. ومعنى ذلك أنّ فرص التحسين موزعة بين ما نبنيه الآن وما بُني، وأنّ تحسين المبنى القائم ليس أقل شأنًا من تصميم المبنى الجديد. ويبقى السؤال الأسبق: ماذا نطلب من الأداة؟ كفاءة في الطاقة وحدها، أم كفاءة تحفظ للناس عدالة الوصول وللمكان هويته؟
ما تقوله الدراسات عن التصميم التوليدي
في التصميم التوليدي يحدّد المعماري أهدافه وقيوده فيقترح الحاسوب بدائل كثيرة ويصنفها. وراجعت دراسة منهجية 34 بحثًا في تطبيقه على كفاءة الطاقة في المباني، فوجدت أن الأدوات خفضت الاستهلاك مقارنةً بالنماذج الأولية أو التصميم التقليدي: بما يصل إلى 28% في الأداء الحراري و23.3% في الأداء الطاقي. وتلاحظ المراجعة أن المعرفة اللازمة معقدة، وأن الخوارزميات التطورية هي الأكثر استعمالًا.
وتنبغي قراءة هذه الأرقام بحذر: فهي نتائج حالات دُرست غالبًا بالمحاكاة، وأداء المبنى بعد أن يسكنه الناس قد يختلف عن أدائه على الورق. وتشير وكالة الطاقة الدولية بدورها إلى أن الإمكانات في المباني محدودة بسرعة الرقمنة. فلا تأخذ رقمًا واحدًا مقياسًا لكل مبنى.
ما يعلّمنا إياه الطين
أدرجت اليونسكو عام 2010 حيّ الطريف في الدرعية على قائمة التراث العالمي، ووصفت الطراز النجدي بأنه خاص بوسط الجزيرة العربية، مبنيٌّ بالطين (اللبن) في القصور الكبرى، ومناسبٌ لبيئته. وجاءت دراسة حديثة (2022) بمحاكاة لبيتين نجديين تقليديين في الرياض وحائل، معايَرة بقياسات ميدانية، لتضيف رقمًا: فاستبدال جدران اللبن بجدران حديثة رفع الاستهلاك نحو 33% في الرياض ونحو 9.5% في حائل، ورفع زيادة نسبة النوافذ إلى الجدران الاستهلاك نحو 9% في الرياض. وهي نتائج محاكاة لا قياس بعد السكن، ومحدودة بحالتين، لكنها تشير إلى أن الحكمة المناخية القديمة قابلة للقياس.
والفائدة العملية أن نُدخل هذا الموروث معاييرَ وبياناتٍ في الأدوات التوليدية. وهذا تحذير نظري منا لا نتيجة قيست: النماذج التي تتعلم من أرشيف المباني القائمة قد تميل إلى الشائع، فتُضعف خصوصية المكان إن لم نغذّها بمعرفتنا المحلية.
ما يُفعل
- وجّه الأداة إلى المباني القائمة: صيانة تنبؤية وضبط للتكييف والإضاءة وفق الاستعمال الفعلي.
- قارن الورق بالواقع: يُقاس أداء المبنى بعد السكن ويُغذّى به النموذج.
- اجعل العدالة والهوية معيارين مكتوبين: لا الكفاءة وحدها، وإلا خرجت مدنٌ ناجعة بلا روح.
- علّم المعماري أن يحاور الأداة نقدًا: لا أن يقبل مخرجاتها بلا تمحيص.
- اجعل بيانات المدينة خاضعة لحوكمة شفافة، فلا تتحول إلى أداة مراقبة (انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي»).
ومن لطائف الأمر أنّ سؤال المأوى الجيد لم يُحسم بعد، وكل ما فعلته الخوارزمية أنها أعادته إلينا بإلحاح: أي مدينة نريدها، وأي مدينة نترك لمن بعدنا؟ والجواب في أيدينا نحن، نأخذ بالأسباب ونتوكل على الله.
المراجع
- UNEP and GlobalABC, Global Status Report for Buildings and Construction 2024/2025 (March 2025) — press release on the report
- A Systematic Review of Applications of Generative Design Methods for Energy Efficiency in Buildings, Buildings (MDPI)
- A. Aldersoni et al., The Impact of Passive Strategies on the Overall Energy Performance of Traditional Houses in the Kingdom of Saudi Arabia, Buildings 12(11): 1837 (2022)
- UNESCO World Heritage Centre, At-Turaif District in ad-Dir'iyah (inscribed 2010)
- International Energy Agency, Energy and AI (2025) — AI for energy optimisation and innovation

