حين يفترق الأجر عن الإنتاج: ماذا تقول الأدلة عن الأتمتة؟
بُنيت الضرائب والتقاعد على فكرة أنّ الدخل يأتي من العمل. فماذا لو انتقل جزءٌ من الإنتاج إلى الآلة؟ الأدلة أهدأ من العناوين، وأحوج إلى التدبير.

كبسولة نانودقيقة واحدة
قامت منظومات الضرائب والتقاعد والتأمين على افتراض أنّ الدخل يأتي من العمل. فإذا انتقل جزءٌ من الإنتاج إلى رأس المال والخوارزميات اهتزّ هذا الافتراض. والأدلة أكثر تحفظًا من العناوين: يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تُستحدث نحو 170 مليون وظيفة وتُلغى نحو 92 مليونًا بين 2025 و2030، ويرى صندوق النقد الدولي أنّ نحو 40% من الوظائف في العالم معرَّضة للذكاء الاصطناعي، ويرجّح تفاقم التفاوت في أغلب السيناريوهات. فالخطر الأكبر ليس عدد الوظائف وحده، بل كيف تُوزَّع ثمار الإنتاج وكيف يُعدّ الناس للانتقال.
المقال مطولًا طيّ المقال
نشأنا على قاعدةٍ بسيطة: من يعمل يأكل. وعليها قامت الضرائب والتقاعد والتأمين، وبها قُدِّر نصيب المرء من الثروة. فما الذي يحدث لهذه القاعدة إذا صار جزءٌ أكبر من الإنتاج يخرج من الآلات والخوارزميات؟ سؤالٌ جادّ، لكنّ جوابه أدقّ من العناوين.
ما الذي حدث فعلًا؟
الأتمتة ليست وعدًا مؤجَّلًا، فقد أثّرت في الأجور منذ عقود. تعزو دراسة لأسيموغلو وريستريبو (Acemoglu & Restrepo) بين 50% و70% من التغيّر في هيكل الأجور الأمريكي، بين 1980 و2016، إلى تراجع الأجور النسبية لفئات تتخصّص في المهام الروتينية في الصناعات التي أُتمتت بسرعة. والدراسة عن الأتمتة عمومًا لا عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعن الولايات المتحدة، فلا تُنقل أرقامها إلى غيرها بلا حذر. غير أنها تقول إنّ الأتمتة قد تُغيّر من يربح ومن يخسر حتى لو لم تُلغِ الوظائف.
ماذا تقدّر التوقعات؟
يتوقع تقرير «The Future of Jobs Report 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي، وقد استطلع أكثر من ألف صاحب عمل، أن يطال التغيّر الهيكلي نحو 22% من الوظائف الحالية بين 2025 و2030: نحو 170 مليون وظيفة مستحدثة، ونحو 92 مليونًا ملغاة، بصافي نمو يقارب 78 مليونًا. ويُتوقع أن يتغيّر أو يتقادم نحو 39% من المهارات الحالية للعامل. ومن اللافت أنّ 40% من أصحاب العمل يتوقعون تقليص القوى العاملة حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتة المهام، فيما يخطّط 85% لتقديم الأولوية لتدريب العاملين.
وتبقى هذه تقديرات استطلاع، لا نتائج مقررة. وقد تفاوتت التقديرات السابقة تفاوتًا واسعًا؛ وفي مقال «الذكاء الاصطناعي بعد عقد: ثلاثة مسارات» عرضٌ لهذا التباين بين المناهج.
وعلى مستوى التعرّض، يقدّر صندوق النقد الدولي أنّ نحو 40% من الوظائف في العالم معرَّضة للذكاء الاصطناعي، ونحو 60% في الاقتصادات المتقدمة، ونحو 26% في الدول منخفضة الدخل. والتعرّض لا يعني الزوال: فنصف الوظائف المعرَّضة في الاقتصادات المتقدمة قد ترتفع إنتاجيتها بالتكامل مع الأداة، والنصف الآخر قد يفقد مهامّه الجوهرية. ويرجّح الصندوق أن يزيد الذكاء الاصطناعي التفاوتَ الكلي في أغلب السيناريوهات، لأنّ أصحاب الدخول الأعلى قد ينالون حصةً أكبر من المكاسب.
ضرائب تميل إلى الآلة
تنتبه الدراسات إلى أنّ الأنظمة الضريبية ليست محايدة. فقد خلص أسيموغلو ومانيرا وريستريبو (Acemoglu, Manera, Restrepo) في ورقة عام 2020 إلى أنّ النظام الضريبي الأمريكي منحازٌ ضد العمل ولصالح رأس المال، وأنه شجّع مستوياتٍ مفرطة من الأتمتة. وقدّروا أنّ إصلاحاتٍ معتدلة قد ترفع التشغيل بين 1.14% و1.96%. وهذا بحثٌ في النظام الأمريكي تحديدًا، لكنه ينبّه إلى أنّ الحوافز الضريبية قد تُغري بالاستغناء عن الإنسان قبل أن يكون ذلك أنفع.
هل يكفي أن نعطي الناس مالًا؟
يتردّد اقتراح الدخل الأساسي بوصفه علاجًا. وأقوى تجربة ميدانية حتى الآن، بقيادة إيفا فيفالت (Eva Vivalt) وزملائها، منحت ألف شخصٍ من ذوي الدخل المنخفض في ولايتين أمريكيتين ألف دولار شهريًّا لثلاث سنوات، وقارنتهم بألفي شخصٍ نالوا 50 دولارًا شهريًّا. فانخفضت المشاركة في سوق العمل 4.2 نقطة مئوية، وقلّت ساعات العمل بنحو ساعة إلى ساعتين أسبوعيًّا، وزاد وقت الراحة أكثر ما زاد، ولم يُلحظ تحسّنٌ في جودة الوظائف.
لا تُبطل هذه النتيجة فكرة التكافل، لكنها تذكّر بأنّ المال وحده لا يصنع مهارةً ولا يفتح بابَ عملٍ أفضل. وهي تجربةٌ في سياقٍ بعينه، ولا تقيس أثر المال حين ينضمّ إلى تدريبٍ وفرص. ولتراثنا في التكافل، كالزكاة والوقف، مكانٌ في هذا النقاش جديرٌ بدراسةٍ مستقلة. وعن معنى العمل وقيمته حين تتقن الآلة المهام انظر مقال «الوظيفة شيء والعمل شيء آخر: ماذا يبقى حين تتقن الآلة المهام؟».
ما الذي يُفعل الآن؟
- قياس التعرّض محليًّا: أيّ المهام في قطاعنا تتأثر؟ فالأرقام العالمية لا تغني عن الصورة المحلية.
- تدريبٌ يتصل بالوظيفة: استثمارٌ في المهارات التي تكمّل الأداة، لا في شهاداتٍ منفصلة.
- مراجعة الحوافز: أن لا تكون سياساتنا تكافئ الاستغناء عن الإنسان حيث يلزم وجوده.
- شبكات أمان تُحفظ بها الكرامة: وتبقي باب العمل مفتوحًا.
ومن توكّل على الله مع الأخذ بالأسباب لم يحتج إلى جزمٍ بما لا يعلمه إلا هو، ويكفيه أن يتأهب بعلمٍ وحذر.
المراجع
- World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (7 January 2025)
- K. Georgieva, AI Will Transform the Global Economy. Let's Make Sure It Benefits Humanity, IMF Blog (14 January 2024)
- D. Acemoglu & P. Restrepo, Tasks, Automation, and the Rise in US Wage Inequality, NBER Working Paper 28920 (2021); Econometrica (2022)
- D. Acemoglu, A. Manera, P. Restrepo, Does the US Tax Code Favor Automation?, NBER Working Paper 27052 (2020)
- E. Vivalt et al., The Employment Effects of a Guaranteed Income: Experimental Evidence from Two US States, NBER Working Paper 32719 (2024)


