القطاعات والتطبيقات

حين تعرف الخوارزمية أين الحاجة: الذكاء الاصطناعي في العمل الاجتماعي

كثيرٌ من الإخفاق في المساعدة سببه سوء الاستهداف لا قلّة المال. ماذا أثبتت الدراسات عن الأقمار الصناعية والهواتف والتعليم، وأين تقف حدود الأدوات؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

طلاب يعملون على حواسيب محمولة في قاعة دراسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

في كثيرٍ من برامج المساعدة لا تكمن المشكلة في قلة المال وحده، بل في معرفة من يحتاجه وأين وبأي سرعة. وقد جرّبت دراسات محكّمة ربط صور الأقمار الصناعية وبيانات الهواتف بالتعلّم الآلي لتقدير الفقر، وتنبّؤ الأزمات الغذائية قبل أشهر، وتجريب التدريس الذكي في مدارس فقيرة الموارد. والنتائج واعدة لكنها مشروطة: ففي توغو ما زال الخطأ في إقصاء المستحقين مرتفعًا، والنماذج تهرم بسرعة، ومن لا يملك هاتفًا قد لا يظهر في البيانات أصلًا. فالأداة تعين على البصيرة ولا تغني عن الإنسان والأمانة.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

كثيرًا ما تُرسَل الإعانة إلى حيث وصل آخر خبر، لا إلى حيث تشتدّ الحاجة. هذا ما يشكو منه بعض العمل الخيري والتنموي: ليس المال وحده ناقصًا، وإنما المعرفة الدقيقة بمن يحتاج وأين ومتى. وهنا بالذات يُجرَّب الذكاء الاصطناعي، ولنَرَ ما أثبتته التجارب وما لم تُثبته.

رسم خريطة الفقر من السماء ومن الهاتف

حيث تغيب المسوح الأسرية الدقيقة، لجأ باحثون إلى مصادر غير مباشرة. ففي دراسة نشرتها مجلة «ساينس» (Science) عام 2016 جمع فريقٌ من جامعة ستانفورد (Stanford) بين صور الأقمار الصناعية النهارية وصور الأضواء الليلية وبيانات مسوحٍ قروية، ودرّب نموذجًا يتعرّف إلى الطرق والمدن والمزارع ليقدّر ثراء القرى في عدة دول أفريقية. وفي رواندا ربط جوشوا بلومنستوك (Joshua Blumenstock) وزملاؤه، في دراسة نُشرت في «ساينس» أيضًا في نوفمبر 2015، بين بيانات المكالمات والرسائل لدى شركة اتصالات وإجابات ألف مشترك عن أحوالهم المعيشية، فاستخرجوا أنماطًا ترتبط بالثراء والفقر. ووصف بلومنستوك عمله حينها بأنه «إثبات جدوى» لا أداة جاهزة.

من يستحق المساعدة؟ تجربة توغو

في توغو (Togo)، حين أرادت الحكومة صرف تحويلاتٍ نقدية طارئة في الجائحة بلا سجلٍّ موثوق للفقراء، تفوّق استهداف مبنيّ على بيانات الهواتف بالتعلّم الآلي على البدائل الممكنة في السيناريو الريفي (خطأ إقصاء نحو 53% مقابل 59% إلى 78%)، غير أنّ قرابة نصف المستحقين ظلّ خارج القائمة، وتتقادم النماذج سريعًا، ومن لا هاتف له قد لا يظهر في البيانات أصلًا. وتفصيل التجربة وحدودها في مقال «الذكاء الاصطناعي وبوابات الخير: كيف يُوجَّه العطاء إلى أهله؟».

ويرى المؤلفون الطريقةَ مكمّلةً سريعة في الأزمات أو حيث تغيب السجلات، لا بديلًا عن التقصّي التقليدي.

الإنذار قبل الجوع

في عام 2023 نشر بالاشانكار وسوبرامانيان وفريبرغر (Balashankar, Subramanian, Fraiberger) في «ساينس أدفانسز» (Science Advances) نموذجًا يتنبأ بدرجة انعدام الأمن الغذائي حتى 12 شهرًا مقدمًا، بالجمع بين مؤشراتٍ تقليدية (النزاعات والأسعار والأمطار) وما تستخرجه الخوارزمية من نحو 11.2 مليون خبر صحفي إنجليزي بين 1980 و2020 مرتبطة بـ37 دولة، اعتُمد منها 21 دولة لتوافر بياناتها كاملة. وبإضافة الأخبار نقص الخطأ نحو 45% قياسًا بالنموذج التقليدي في تنبؤ الأشهر الثلاثة القادمة. ومن حدوده أنه اعتمد على الأخبار بالإنجليزية، وأنّ دقته أعلى حيث التغطية الإعلامية أكبر، وهذا يعني أنّ المنسيّين إعلاميًّا قد يكونون أقلّ حظًّا من الإنذار.

معلّمٌ صبور لمن لا يجد معلّمًا

في تجربة تجريبية للبنك الدولي في ولاية إيدو (Edo) بنيجيريا، خلال ستة أسابيع من يونيو إلى يوليو 2024، استُخدم نموذج توليدي مرشدًا بعد الدوام المدرسي، وقدّر الباحثون الأثر بنحو 0.3 انحراف معياري، أي ما وصفوه بقرابة عامين من التعلّم المعتاد. وهذه نتائج أولية نُشرت في مدونة، قبل التقرير الكامل؛ وقد تعثّر الحضور بسبب الفيضانات وإضراب المعلمين، ولا تُعرف الآثار البعيدة ولا الآثار السلبية المحتملة. فلا ينبغي أن تُبنى عليها سياساتٌ كبرى بعد.

حدودٌ لا تُنسى

تجمع هذه التجارب خمسة دروسٍ لكل جهةٍ تعمل مع المحتاجين، جمعيةً كانت أو مؤسسة:

  • البيانات أمانة: بيانات الفقير ليست غنيمة، تُجمع بقدر الحاجة وتُصان.
  • من غاب عن البيانات غاب عن الخوارزمية: فلا بدّ من قنواتٍ تصل إلى من لا هاتف له ولا حساب.
  • النموذج يهرم: فلا بدّ من تحديثه ومراجعته دوريًّا.
  • القرار بشري: ترشّح الأداة وتُنبّه، أما الحرمان والعطاء فلا يُترك لخوارزمية لا يُعرف منطقها. ولتفصيل مبدأ المساءلة انظر مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة».
  • الإنصات إلى المجتمع: فمن يعرف الحاجة عن قرب يكشف ما لا تراه الأرقام.

ولعلّ أصدق ما في هذه الأدوات أنها لا تعفينا: متى رأينا الحاجة بوضوح لزمنا العمل، والله أعلم بالنيّات.

المراجع

  1. N. Jean et al., Combining satellite imagery and machine learning to predict poverty, Science (2016) — عرض جامعة ستانفورد (SIEPR)، 18 أغسطس 2016
  2. J. Blumenstock, G. Cadamuro, R. On, Predicting poverty and wealth from mobile phone metadata, Science (27 November 2015) — عرض جامعة واشنطن
  3. E. Aiken et al., Machine learning and phone data can improve targeting of humanitarian aid, Nature (2022)
  4. A. Balashankar, L. Subramanian, S. Fraiberger, Predicting food crises using news streams, Science Advances 9(9) (3 March 2023)
  5. World Bank, From Chalkboards to Chatbots: Transforming Learning in Nigeria, One Prompt at a Time (blog, 2025)