الروبوتات الشبيهة بالبشر: بين العرض الأنيق والعمل الشاق
الوعود كثيرة والأرقام الصلبة قليلة. نظرةٌ هادئة إلى ما تُنجزه هذه الآلات اليوم، وما يعوقها، وما يعنيه ذلك لسوق العمل.

كبسولة نانودقيقة واحدة
الروبوت الشبيه بالإنسان آلةٌ تعمل في عالمٍ صُمّم لأجسادنا: سلالمه ومقابضه وممرّاته. ومنذ 2023 صار بالإمكان تدريب النماذج على بيانات الويب وحركات الروبوت معًا، لكنّ الأرقام ما زالت متواضعة: قدّر معهد ميريكس (MERICS) إنتاج الصين عام 2025 بنحو 12,800 روبوتٍ شبيه بالإنسان، مقابل 556 ألفًا من الروبوتات الصناعية، وقال مؤسس إحدى الشركات إنّ روبوتاتها بنصف كفاءة البشر. والمرجَّح أن تدخل المصانع والمستودعات أولًا، وأن تُعيد توزيع المهام لا أن تُلغي المهن دفعةً واحدة. فالسؤال النافع: ما المهمة المحدّدة التي تُحسن الآلة أداءها بكلفةٍ معقولة؟
المقال مطولًا طيّ المقال
نقل روبوتٌ يمشي على قدمين أكثر من 100 ألف صندوقٍ في منشأةٍ لوجستية تابعة لشركة «جي إكس أو» (GXO)، بحسب إعلانٍ لشركة «أجيليتي روبوتكس» (Agility Robotics) في نوفمبر 2025. الرقم حقيقي، لكنّه من إعلان الشركة المصنِّعة نفسها، ولا يخبرنا كم كلّف التشغيل ولا كم احتاج من إشراف. وهذا هو السؤال الصادق عن هذه الآلات: ماذا تُنجز فعلًا، وبأيّ كلفة؟
لماذا الهيئة البشرية؟
عالمنا مبنيٌّ على مقاس أجسادنا: سلالم ومقابض وممرّات ورفوف. ومن هنا الفكرة: آلةٌ بذراعين وساقين تدخل أماكن لم تُصمَّم للآلات دون تعديلها. لكنّ الاتحاد الدولي للروبوتات (IFR) يقيّد الحماسة في ورقته عن الموضوع، فيقول إنّ هذه الروبوتات لن تنافس الروبوتات الصناعية التقليدية في السرعة والدقة والموثوقية. وهو يلاحظ أيضًا أنّ الاهتمام الجماهيري تغذّيه الخيالات العلمية ومقاطع التواصل الاجتماعي، وقد يُبالغ في تقدير قرب الموعد.
ما الذي تغيّر؟
عُرفت منذ الثمانينيات مفارقةٌ ارتبطت باسم هانز مورافيك (Hans Moravec) وكتابه «أطفال العقل» (Mind Children، 1988): التفكير المجرّد طبقةٌ رقيقة فوق مهاراتٍ حسّية حركية أقدم بكثير، فيبدو لنا الإدراك والحركة سهلين وهما من أعسر ما تواجهه الآلة.
والجديد في السنوات الأخيرة طريقة التدريب. ففي يوليو 2023 نشر فريقٌ من 54 باحثًا ورقة «آر تي-2» (RT-2)، درّبوا فيها نموذجًا يجمع الرؤية واللغة على بيانات من الويب وعلى مسارات حركة الروبوت معًا، وكتبوا الأفعال في صورة رموزٍ نصية. ويذكر المؤلفون أنّ الروبوت صار يتعامل مع أشياء جديدة ويتّبع أوامر لم ترد في بيانات تدريبه، بعد نحو 6 آلاف تجربة. هذه نتائج أبلغ بها أصحابها من المختبر، ولا تعني بالضرورة نجاحًا في مصنعٍ يعمل ثلاث ورديات.
ما تقوله الأرقام اليوم
- قدّر تقرير «ميريكس» (أبريل 2026) إنتاج الصين عام 2025 بنحو 12,800 روبوتٍ شبيه بالإنسان، تُستخدم في مراكز التدريب والمختبرات والخدمات اللوجستية والتصنيع، في مقابل 556 ألفًا من الروبوتات الصناعية في العام نفسه.
- ينقل التقرير عن مؤسس شركة «يوبتك» (UBTech)، التي تجرّب سلسلة «ووكر» في مصانع السيارات الكهربائية، أنّ هذه الروبوتات في المصانع الصينية بنصف كفاءة البشر، ويصف ضعفها في التجميع الدقيق وإدخال القطع الصغيرة.
- يقدّر التقرير سعر الروبوت بين 300 و500 ألف يوان، ويرى أنه يلزم أن ينخفض إلى النصف على الأقل ليكون مجديًا تجاريًا.
- يذكر الاتحاد الدولي أنّ شحنة البطارية الواحدة لا تكفي بعدُ يوم عمل كاملًا، وأنّ العمل على معيارٍ دولي لسلامة الروبوتات ذات الساقين بدأ لتوّه؛ فالروبوت الواقف يحافظ على توازنه باستمرار، وسقوطه أو انقطاع الطاقة عنه خطر.
وماذا عن الوظائف؟
لا أرقام تخصّ الروبوتات الشبيهة بالإنسان وحدها. وأقرب مرجعٍ تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، وهو يقدّر أن يُستحدث نحو 170 مليون دور وأن يزول نحو 92 مليونًا بحلول 2030، بصافي 78 مليونًا، وأن يحتاج نحو 59 من كل 100 عامل إلى تدريبٍ أو إعادة تأهيل. وهذه تقديراتٌ لسوق العمل بأثر قوى كثيرة، منها الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة، وليست حكمًا على الروبوتات وحدها. ويُرجَّح أن تتبدّل المهام داخل الوظيفة قبل أن تختفي الوظيفة.
ما الذي يُفعل؟
ابدأ من المهمة لا من الآلة: ما الذي يُتعب العاملين أو يعرّضهم للخطر أو يتكرّر بلا قيمة؟ ثم قِس الكلفة الكلية، لا ثمن الجهاز وحده، وأشرك العاملين في التجربة، وحدّد من يتحمّل المسؤولية إذا أخطأت الآلة. وإعداد الناس لا يقلّ أهمية عن اختيار الجهاز. والتوكّل على الله لا يُغني عن الأخذ بالأسباب: نجرّب بحذر، ونقيس، ونُعدّ الناس قبل الآلات.
المراجع
- Moravec's paradox, Wikipedia (summarising H. Moravec, Mind Children, 1988)
- A. Brohan, B. Zitkovich et al., RT-2: Vision-Language-Action Models Transfer Web Knowledge to Robotic Control, arXiv:2307.15818 (2023)
- International Federation of Robotics, Humanoid Robots: Vision and Reality, position infographic (2025)
- MERICS, Embodied AI: China's ambitious path to transform its robotics industry (30 April 2026)
- Agility Robotics, Digit moves over 100,000 totes at GXO (20 November 2025)
- World Economic Forum, Future of Jobs Report 2025: 78 Million New Job Opportunities by 2030 (press release, January 2025)

