التقنيات والنماذج

الذكاء الاصطناعي على الحافة: عقلٌ يعمل حيث تُولد البيانات

الضوء نفسه يستغرق وقتًا في رحلته إلى السحابة والعودة. فماذا لو سافر الذكاء إلى الجهاز بدل أن تسافر البيانات إلى الذكاء؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

شعار تقني بخلايا سداسية زرقاء متوهجة

كبسولة نانودقيقة واحدة

الذكاء الاصطناعي على الحافة هو تشغيل النموذج على الجهاز نفسه أو قرب مصدر البيانات، كالهاتف والكاميرا والمستشعر، بدل إرسالها إلى مركز بيانات بعيد. ودوافعه ثلاثة: سرعة استجابة لا تحتملها رحلة الشبكة، وخصوصية أقوى لأن البيانات لا تغادر الجهاز، وعمل مستمر عند ضعف الاتصال. وقد صار ممكنًا بفضل ضغط النماذج، فقد خُفّض حجم شبكتين معروفتين من 240 إلى 6.9 ميغابايت ومن 552 إلى 11.3 دون خسارة دقتهما المعلنة. لكنه لا يلغي السحابة، فالصيغة المرجّحة تكامل بينهما، وله حدوده في الدقة والإدارة والأمن.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

سيارة تسير بسرعة 100 كيلومتر في الساعة تقطع نحو 2.8 متر في عُشر الثانية. وفي الألياف الضوئية ينتقل الضوء بنحو 200 ألف كيلومتر في الثانية، أي قرابة 5 ميكروثوانٍ لكل كيلومتر، فتكلّف الرحلة ذهابًا وإيابًا نحو 10 ميلي ثوانٍ لكل ألف كيلومتر قبل أن يُحتسب أي انتظار أو معالجة. هذه الحسبة تلخّص سبب اهتمام المهندسين بنقل الذكاء إلى حيث تُولد البيانات.

ما «الحافة»؟

الحافة هي الطرف الأقصى للشبكة: الهاتف في يدك، والكاميرا على ناصية الشارع، والمستشعر في المصنع، والساعة في معصمك. ويعرّف Zhou وزملاؤه في مسحهم (2019) «ذكاء الحافة» بأنه نقل الذكاء الاصطناعي إلى هذه الأطراف، لأن مليارات الأجهزة المحمولة وأجهزة إنترنت الأشياء تولّد بياناتها هناك. فبدل أن تُرسل البيانات في رحلة إلى مركز بيانات ثم يعود القرار، يجري الاستدلال على الجهاز أو قريبًا منه. وبهذا تتوزع المعالجة بدل أن تتركز.

كيف صغُر العملاق؟

لم يكن التشغيل على جهاز صغير ممكنًا حين كانت الشبكات العميقة نهمة للذاكرة والطاقة. وكان من أبرز ما غيّر المشهد ضغط النماذج. فقد جمعت ورقة «الضغط العميق» (Han وMao وDally، 2015) بين التقليم والتكميم والترميز، فخفضت حجم شبكة AlexNet من 240 إلى 6.9 ميغابايت (35 ضعفًا) وشبكة VGG-16 من 552 إلى 11.3 ميغابايت (49 ضعفًا) دون خسارة في الدقة بحسب الباحثين، مع تحسّن في السرعة وكفاءة الطاقة. وهذه نتائج على شبكتين محدّدتين من ذلك الزمن، فلا تُعمَّم على كل نموذج، ولا سيما النماذج اللغوية الكبيرة اليوم التي شرحناها في مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟».

والفكرة التي تستحق الانتباه أنّ الأكبر ليس دائمًا الأنسب: فنموذج صغير مُحكم لمهمة بعينها قد يؤدي المطلوب في موضعه دون حاجة إلى عملاق يُستدعى من بعيد.

ثلاثة دوافع

السرعة. حين تُقاس الاستجابة بأجزاء من الثانية يصبح الطريق إلى السحابة عائقًا لا يمحوه تحسين الشبكات، لأن الضوء يضع حدًّا أعلى لما يمكن بلوغه. وهذا يهمّ تطبيقات كالقيادة الذاتية والروبوتات الصناعية حيث يعني التأخير مخاطرة.

الخصوصية. حين تُحلَّل بيانات الجهاز على الجهاز نفسه فلا حاجة إلى إرسالها، فتكون الحماية بنية التصميم لا وعدًا تعاقديًّا. وقد أظهرت أبحاث التعلّم الاتحادي أنّ الأجهزة يمكن أن تتعلّم محليًّا وتشارك التحديثات فقط: ففي ورقة McMahan وزملائه (2016) خُفّض عدد جولات الاتصال بين 10 و100 ضعف مقارنة بالتدريب المتزامن التقليدي، وفي تطبيق على لوحة مفاتيح الهاتف (Hard وآخرون، 2018) نجح تدريب نموذج التنبؤ بالكلمة التالية على الأجهزة دون إرسال النصوص إلى الخوادم، وقد سجّل أداءً أفضل في الاستدعاء من التدريب المركزي في تجربتهم. ويبقى أنّ هذا يسهّل بناء الخصوصية ولا يضمنها وحده.

الاستقلال عن الاتصال. حقلٌ نائي ومنصة في عرض البحر ومنجمٌ تحت الأرض أماكن لا تضمن شبكة دائمة. والجهاز الذي يحمل عقله معه لا يتوقف إذا انقطع الخيط، ويوفّر نطاقًا تردديًّا بإرسال الخلاصة دون الخام.

حدود لا تُنسى

الحافة ليست علاجًا شاملًا. فالنموذج المضغوط قد يتنازل عن بعض الدقة، وفي كل حالة ينبغي أن تُقاس الخسارة. وإدارة آلاف الأجهزة وتحديث نماذجها شأنٌ لوجستي معقّد. وكلما انتشرت الأجهزة اتسع سطح الهجوم، فجهاز يحمل نموذجًا قد يقع في يد من يعبث به. ولذلك لا تُقدَّم الحافة منافسًا للسحابة؛ فالمرجّح أن يتعاونا: تتولى الحافة القرارات الفورية الحسّاسة للزمن، وتتولى السحابة التدريب الثقيل وتجميع الدروس وتحديث النماذج.

وفي بلادنا

يضع نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة شروطًا لنقل البيانات الشخصية خارجها، منها أن يكون لغرضٍ مسموح وأن يتحقق مستوى كافٍ من الحماية لدى المستورد وأن يُلتزم بتقليل البيانات (بحسب شرح مكتب King & Spalding للائحة النقل الصادرة في أغسطس 2024). ومعالجة البيانات محليًّا على الجهاز تقلّل الحاجة إلى مثل هذا النقل أصلًا، دون أن تعفي الجهة من التزاماتها الأخرى. وكل جهة تفكر في نشر الذكاء على الحافة تحسن أن تسأل: ماذا نحتاج فعلًا أن نجمع؟ وهل نكتفي بالخلاصة؟

والاختيار هنا ليس بين تقنيتين، بل بين تصميمين: تصميم يجمع كل شيء ثم يؤمّنه، وتصميم لا يجمع إلا ما يلزم. وهذا الأخير أقرب إلى ما نعدّه من الأمانة في حفظ ما استُؤمنّا عليه.

المراجع

  1. Wikipedia, Latency (engineering): propagation delay in optical fibre
  2. Z. Zhou, X. Chen, E. Li, L. Zeng, K. Luo, J. Zhang, Edge Intelligence: Paving the Last Mile of Artificial Intelligence with Edge Computing, arXiv:1905.10083 (2019)
  3. S. Han, H. Mao, W. J. Dally, Deep Compression: Compressing Deep Neural Networks with Pruning, Trained Quantization and Huffman Coding, arXiv:1510.00149 (2015; v5 2016)
  4. H. B. McMahan et al., Communication-Efficient Learning of Deep Networks from Decentralized Data, arXiv:1602.05629 (2016)
  5. A. Hard et al., Federated Learning for Mobile Keyboard Prediction, arXiv:1811.03604 (2018)
  6. King & Spalding, International Personal Data Transfers under Saudi Arabia's Data Protection Law