العمارة والذكاء الاصطناعي: خوارزمية تقترح وإنسان يحكم
الأداة التي تصمّم المبنى الموفّر للطاقة تستهلك هي نفسها طاقةً. هذه المفارقة تفتح السؤال الأهم: ما الذي نطلبه من الآلة؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
التصميم التوليدي في العمارة يعني أن يحدّد المصمّم الأهداف والقيود، فتولّد الخوارزمية بدائل كثيرة وتنتقي أصلحها، فتتحول مهمته من الرسم إلى الحوار مع الأداة. وفائدة ذلك حقيقية، لكنّ الوعد يحتاج إلى حذر: فالمباني المنجزة كثيرًا ما تخالف توقعات الطاقة المحسوبة لها، والخوارزمية تحسّن ما طُلب منها فقط، ومراكز البيانات التي تشغّل النماذج تستهلك كهرباء متزايدة. وتقدّم العمارة النجدية التقليدية في المملكة درسًا في ملاءمة المناخ يجدر أن تتعلمه الخوارزميات. فالأمثل أن تقترح الآلة ويحكم المعماري، وأن يدخل المناخ المحلي والقيم في معادلة الهدف.
المقال مطولًا طيّ المقال
استهلكت مراكز البيانات في عام 2024 قرابة 1.5% من استهلاك العالم للكهرباء بتقدير وكالة الطاقة الدولية (تقرير «الطاقة والذكاء الاصطناعي»، 2025)، وتجد أرقامها وسيناريو 2030 في مقال «سباق الذكاء الاصطناعي: من يملك الرقائق والطاقة والقواعد؟». وفي هذه الأرقام مفارقة تخصّ العمارة: فالأدوات التي تعد بمبنى أقل استهلاكًا للطاقة تقوم على حواسيب تستهلكها بقدر كبير.
من محاكاة الشكل إلى محاكاة العملية
عرفت العمارة طويلًا الاستلهام من الطبيعة بنسخ الصورة: قبّة تشبه صدفة، وواجهة تحاكي قشرة شجر. أما التصميم التوليدي فيختلف: يحدّد المصمّم الأهداف والقيود، كالتكلفة والإضاءة والحرارة، ثم تولّد الخوارزمية بدائل كثيرة وتختبرها وتنتقي الأصلح على نحو قريب من الانتقاء الطبيعي. وقد وصف محرّرا عدد خاص في دورية AI EDAM (Stouffs وRafiq، 2015) هذا الأسلوب بأنه حوارٌ بين المصمّمين والحواسيب، غايته استكشاف الاحتمالات وتغيير طريقة تفكير المصمّم، لا استخراج حلٍّ أمثل وحيد.
وبذلك يتغيّر موضع القرار. فالمعماري لم يعد يرسم الحل ثم يختبره، بل يصوغ السؤال ويحكم على الأجوبة. وهنا مكمن الخطر أيضًا: فالخوارزمية تحسّن ما طُلب منها فقط. إن طلبنا أقل كلفة وأعلى كفاءة حرارية فستفعل، وقد تتخطى قيمًا يصعب تحويلها إلى دالة رياضية كالألفة المكانية والذاكرة الجمعية. ويبقى البيت تجربة عيش لا مسألة تحسين.
الكفاءة على الورق وفي الواقع
يتداول الخطاب التسويقي أنّ التصميم الذكي يعني مباني أقل استهلاكًا. لكنّ دراسات الأداء ترصد فجوةً معروفة: ففي ورقة قُدّمت في مؤتمر CIBSE ASHRAE بدبلن (de Wilde وJones، 2014) تظهر قياسات المباني المنجزة «فجواتٍ كبيرة» بين الطاقة المتوقعة والفعلية، وتعزوها إلى سلوك السكان والطقس وأخطاء التنفيذ وإعدادات التحكم ونقص في النمذجة. فأفضل تصميم محسوب لا يضمن أداءً مماثلًا بعد التسليم.
وقد يُرجى أن تضيّق الأنظمة المرتبطة بحسّاسات المبنى هذه الفجوة بتعلّمها من سلوك السكان وضبط التهوية والإضاءة. وهو رجاءٌ لم نقف له على دليل حاسم، وله ثمنٌ معروف: مبنى يراقب ساكنيه يجمع عنهم بيانات حميمة، وهذا باب خصوصية ينبغي أن يُحسم عند التصميم لا أن يُترك للإعدادات الافتراضية، وقد فصّلنا مبادئه في مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».
كلفة الأداة نفسها
لا تكتمل محاسبة الاستدامة إن حسبنا المبنى وأهملنا الأداة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية فإن الخوادم المسرَّعة، وهي الغالبة في أحمال الذكاء الاصطناعي، تمثل قرابة نصف الزيادة الصافية في استهلاك مراكز البيانات حتى 2030، وينمو استهلاكها نحو 30% سنويًّا في سيناريو الوكالة. وهذا لا يعني ترك الأداة، بل أن تُحسب كلفتها ضمن الدالة التي نريد تحسينها: من استخراج المادة إلى التشغيل ثم الهدم، ومن تدريب النموذج إلى تشغيله.
درس من النجد
لا نبدأ في المملكة من فراغ. فقد أُدرج حي الطريف في الدرعية على قائمة التراث العالمي عام 2010 بوصفه مثالًا بارزًا على الطراز النجدي، وهو طرازٌ مادّته الأساسية الطين المجفف (اللبن) ويتسم بزخرفة هندسية. ويشير مقال لشركة الاستشارات الهندسية كونديل (Cundall) إلى أنّ الجدران الطينية ذات كتلة حرارية عالية تمتص حرارة النهار وتطلقها ليلًا، وأنّ سماكة الجدران وتظليل الفتحات واندماج الكتل تخفّف أحمال التبريد، وهو وصف نوعيّ لا رقميّ.
والدرس لا يقتصر على الحنين. فلو درّبنا خوارزمية على مبانٍ من مناخات معتدلة ممطرة، فيُرجَّح أن تقترح حلولًا غريبة عن مناخنا الحار الشحيح الماء، ما لم نُدخل في هدفها بيانات البيئة المحلية وقيمها. وخير ما نقدّمه للآلة أن تتعلّم من حكمة أجدادنا في الاستجابة للمكان، لا أن نستورد أهدافها جاهزة.
كيف نستعملها بحكمة؟
هذه اقتراحات تحريرية تستند إلى ما سبق:
- الآلة تقترح والإنسان يحكم: فلا يُقبل تصميمٌ لمجرد أن الخوارزمية رجّحته، بل يُطلب تفسير منطقه (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير: حين يصمت القرار»).
- ضع الاستدامة في الهدف منذ اليوم الأول، بحساب دورة حياة المبنى وكلفة أدوات التصميم.
- قِس بعد الإشغال، فالأداء الفعلي هو الحَكَم لا النموذج.
- دوّن القيم في المعادلة: المناخ المحلي، والخصوصية الأسرية، وأنماط الاجتماع، وتقاليد البناء.
- أعد تأهيل المعماري ليحسن صياغة الأسئلة، فجودة المخرج تتبع جودة السؤال.
وأعمق ما في المسألة أنّ الخوارزمية مرآة لوضوح أهدافنا أو غموضها. وإذا أحسنّا ما نطلبه منها وما نأبى أن نتنازل عنه لها، جاءت العمارة التي نرجوها: تكرّم ساكنها وتراعي الأرض والمكان.
المراجع
- International Energy Agency, Energy and AI: Energy demand from AI (2025)
- R. Stouffs & Y. Rafiq, Generative and evolutionary design exploration (guest editorial), AI EDAM 29(4), Cambridge University Press (2015)
- P. de Wilde & R. V. Jones, The building energy performance gap: Up close and personal, CIBSE ASHRAE Technical Symposium, Dublin (2014)
- UNESCO World Heritage Centre, At-Turaif District in ad-Dir'iyah (inscribed 2010)
- Cundall, Engineering heritage for a sustainable future (Najdi architecture and passive cooling)

