القطاعات والتطبيقات

الذكاء الاصطناعي في الفصل: متى يعلّم ومتى يُضعف؟

طلابٌ تحسّن أداؤهم بالأداة ثم تراجعوا حين غابت. الفرق بين النتيجتين لم يكن في الذكاء، بل في تصميم الاستعمال.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

بطريق واقف على قطعة جليد طافية في بحر هادئ

كبسولة نانودقيقة واحدة

في تجربة ميدانية على قرابة ألف طالب ثانوي في الرياضيات، رفعت أداة محادثة عامة درجات التمرين بنحو 48%، ثم نزل أداء أصحابها 17% عن أقرانهم حين سُحبت الأداة في الاختبار. أما مدرّسٌ آلي صُمّم ليُلمّح ولا يعطي الحل فرفع أداء التمرين 127% وخفّف هذا التراجع كثيرًا. وفي تجربة عشوائية أخرى في جامعة هارفارد تفوّق مدرّسٌ آلي مبني على منهج تعليمي مدروس على درس صفّي نشط. فالمسألة ليست «أيجوز الذكاء الاصطناعي في الفصل؟» بل «كيف يُصمَّم؟»، والمعلم والتقويم والحدود هي التي تجعله عونًا لا عكّازًا.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

في تجربة ميدانية على قرابة ألف طالب في المرحلة الثانوية، أتاح الباحثون لفريقٍ منهم أداة محادثة عامة تعمل بنموذج GPT-4 أثناء حلّ تمارين الرياضيات. ارتفعت درجاتهم في التمرين بنحو 48%. ثم سُحبت الأداة وجاء الاختبار، فإذا بهم يسجّلون أقلّ بـ17% من طلابٍ لم يستعملوها قط (Bastani وآخرون، 2025).

وهم الإتقان

فسّر الباحثون النتيجة بأنّ الطلاب جعلوا الأداة عكّازًا: سلّموها التفكير أثناء التمرين فلم يبنوا ما يحملونه إلى الاختبار. غير أنّ التجربة ضمّت فريقًا ثانيًا استعمل «مدرّسًا» آليًّا بتعليمات تربوية تحمي التعلّم، أي يلمّح ويسأل ولا يسلّم الحلّ؛ فارتفع أداء التمرين عنده 127%، وخفّفت هذه الضوابط معظم التراجع في الاختبار. أي أنّ الأداة نفسها صنعت نتيجتين متعاكستين بحسب طريقة تصميمها. وقد جاء عنوان الدراسة صريحًا: الذكاء الاصطناعي «بلا ضوابط» قد يضرّ بالتعلّم.

الحلم القديم: معلّم لكل طالب

لهذا الوعد جذرٌ تاريخي. ففي عام 1984 عرض بنجامين بلوم (Benjamin Bloom) نتائج رأى فيها أنّ الطالب الذي يتلقّى تعليمًا فرديًّا مع تعلّم الإتقان يتفوّق بنحو انحرافين معياريين على طالب الصف التقليدي، حتى إنّ متوسط الطلاب المدرَّسين فرديًّا فاق نحو 98% من طلاب الصف الضابط. وقد عدّ بلوم ذلك التعليم الفردي أغلى من أن تتحمّله المجتمعات على نطاق واسع، وسمّى التحدي «مشكلة السيغما الثانية». غير أنّ هذه النتيجة الشهيرة تستند إلى أطروحتين جامعيتين، فلا ينبغي أن تُعامل رقمًا نهائيًّا. والمغزى أنّ حلم الذكاء الاصطناعي في التعليم قديمٌ: تقريب التعليم الفردي من كل طالب بكلفة معقولة.

حين يُحسن التصميم

في خريف 2023 أجرى فريق من جامعة هارفارد تجربة عشوائية متقاطعة على 194 طالبًا في مقرّر فيزياء تمهيدي، تعلّم فيها كل طالب درسًا بمدرّس آلي في البيت ودرسًا آخر بالتعلّم النشط في القاعة. وكان المدرّس الآلي مبنيًّا على مبادئ تعليمية مدروسة ومزوّدًا بحلولٍ مكتوبة مسبقًا خطوةً بخطوة. فجاء الكسب التعلّمي الوسيط في الفريق الآلي أكثر من ضعف نظيره في الصف (Kestin وآخرون، 2025).

وينبغي قراءة النتيجة بتحفّظ، كما نبّه أصحابها أنفسهم: فهي من مقرّر واحد في جامعة واحدة، في محتوى تمهيدي، وصمّم المدرّسَ الآلي فريقُ الدراسة بعد أشهر من العمل، واختبارات الطلاب لم تؤثر في درجاتهم. وقد قالوا إنهم لا يفترضون أن يتفوّق التدريس الآلي المنظَّم على التعلّم النشط في كل سياق. والدرس: التصميم التربوي الدقيق هو الذي صنع الفرق، لا مجرّد وجود نموذج لغوي.

ماذا يبقى للمعلم؟

يبقى له ما لا تحسنه الأداة. وتؤكد وثيقة اليونسكو الإرشادية (2023) على نهجٍ يضع الإنسان في المركز ويراعي عمر المتعلّم، وتقترح تحديد حدٍّ أدنى لسنّ الحوار المنفرد مع هذه المنصات. فالمعلم هو من يقرأ وجه الطالب المحبَط ويعرف متى يترك له الصعوبة لأن الفهم يولد منها، ومتى يمدّ إليه يده. وليس كل عناء ضارًّا؛ فالتمرّن على حلّ المسألة بنفسه هو ما تُضعفه الأداة حين تنوب عن الطالب. وقد ناقشنا في مقال «نهاية عصر التلقين؟» كيف يتغيّر دور المدرسة عمومًا، ونركّز هنا على سؤال الاستعمال الصفّي.

ما يُفعل في الفصل

  • أدوات تُلمّح ولا تحلّ: اختر أو اضبط الأداة لتسأل الطالب وتوجّهه قبل أن تكشف الجواب.
  • تقويم يقيس الطريق: حين تكتب الأداة المقالة في ثوانٍ يفقد اختبار الحفظ معناه؛ فاطلب من الطالب عرض خطوات تفكيره وشرح قراره شفهيًّا.
  • تدريب المعلمين على استعمال الأداة وضبطها قبل تعميمها على الطلاب.
  • صون بيانات القاصرين: فالطفل ليس مادة خام لجمع البيانات، وتفصيل الخصوصية في مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».
  • التأكد من الأثر بالقياس: جرّب في صفٍّ واحد ثم قِس أداء الطلاب بلا أداة، قبل أن تتوسّع.

الأداة قد تجعل الطالب أقدر على التفكير، وقد تنوب عنه فيه. والاختيار بين الأمرين في أيدينا نحن: في كيف نصمّم، وماذا نقيس، ومتى نترك للطالب شرف المحاولة. وبالأخذ بالأسباب والتوكّل على الله نرجو أن يكون ما نبنيه للأبناء عونًا لعقولهم لا بديلًا عنها.

المراجع

  1. H. Bastani et al., Generative AI Without Guardrails Can Harm Learning: Evidence from High School Mathematics, PNAS (2025); SSRN 4895486 (2024)
  2. G. Kestin, K. Miller, A. Klales, T. Milbourne, G. Ponti, AI tutoring outperforms in-class active learning: an RCT introducing a novel research-based design in an authentic educational setting, Scientific Reports 15, 17458 (2025)
  3. Bloom's 2 sigma problem (summary of B. S. Bloom, The 2 Sigma Problem, Educational Researcher, 1984), Wikipedia
  4. F. Miao & W. Holmes, Guidance for Generative AI in Education and Research, UNESCO (7 September 2023)