الاقتصاد والأعمال

دبلوماسية الذكاء الاصطناعي: من يكتب القواعد يشارك في صنع اللعبة

السباق ليس بين قطبين فقط. فالمعايير والشراكات والتخصّص الذكي أبوابٌ تدخل منها الدول المتوسطة إلى طاولة القرار.

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد تحمل مصباحًا مضيئًا تحيط به رموز الفكرة والهدف والإنجاز

كبسولة نانودقيقة واحدة

في 2024 خرج من مؤسساتٍ أمريكية 40 نموذجًا بارزًا للذكاء الاصطناعي، ومن الصين 15، ومن أوروبا 3، بحسب مؤشر ستانفورد 2025، لكنّ الفجوة في الأداء بين النماذج الأمريكية والصينية ضاقت ضيقًا شديدًا على عدد من الاختبارات. والقوة هنا ليست في النموذج وحده، بل في الحوسبة والمعايير والشراكات. وقد يمتد أثر التنظيم خارج حدوده، كما وصفته الباحثة أنو برادفورد (Anu Bradford) في «أثر بروكسل»، وتتّسع منصّات التعاون كقمة نيودلهي 2026. أما الدول المتوسطة فتنفعها زاويةٌ تتقنها، كاللغة العربية، وشراكاتٌ متنوّعة، ومقعدٌ على طاولة المعايير.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

خرج من مؤسساتٍ أمريكية 40 نموذجًا بارزًا للذكاء الاصطناعي عام 2024، ومن الصين 15، ومن أوروبا مجتمعةً 3، بحسب مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد (2025). لكنّ المؤشر نفسه يذكر أنّ فجوة الأداء ضاقت في عامٍ واحد: كان تقدّم النماذج الأمريكية على الصينية في اختبار «إم إم إل يو» (MMLU) 17.5 نقطة في نهاية 2023، فصار 0.3 نقطة في نهاية 2024. هذا ما يجعل الحديث عن «دبلوماسية الذكاء الاصطناعي» مفهومًا: حين تتقارب القدرات تشتدّ المنافسة على ما سواها.

قوةٌ صلبة، وناعمة، وثالثة؟

عرّف جوزيف ناي (Joseph Nye)، أستاذ جامعة هارفارد الذي توفي عام 2025، القوة الناعمة بأنها القدرة على جعل الآخرين يريدون ما تريد، بالجاذبية لا بالقوة أو المال. والذكاء الاصطناعي يجمع من الصنفين: عتادٌ ورقائق وحوسبة يمكن حجبها أو منحها، ومعاييرُ ولغةٌ وقيمٌ تنتقل مع كل نموذج يُستخدم. ويمكن أن نسمّي هذا المزيج «قوة التقنية»، وهو وصفٌ تفسيري منّا لا مصطلحٌ مستقر.

المعيار قوة

بيّنت أنو برادفورد (Anu Bradford) عام 2012 فيما سمّته «أثر بروكسل» أنّ الاتحاد الأوروبي ينشر أثره عبر مؤسساته القانونية ومعاييره دون حاجةٍ إلى مؤسساتٍ دولية ولا إلى تعاون الدول الأخرى، فتتأثر بها أطرٌ قانونية في أسواقَ كثيرة. وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يصنّف الأنظمة في أربعة مستويات خطر. هل يتكرّر هذا الأثر في الذكاء الاصطناعي؟ سؤالٌ مفتوح، ويُرجَّح أن يتوقف على حجم السوق وعلى ما تقرّره بلدانٌ أخرى.

وتتعدد المنصّات. فقد أنشأت الأمم المتحدة في أغسطس 2025 هيئةً علمية من 40 عضوًا ومنتدًى سنويًّا للحوار حول حوكمة الذكاء الاصطناعي. وفي فبراير 2026 أيّدت 88 دولةً ومنظمة «إعلان نيودلهي» في قمة الأثر بالهند، وهو إعلانٌ غير ملزم، ومن موقّعيه الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك تذكر التغطية أنّ الوفد الأمريكي حذّر من رقابةٍ عالمية مركزية على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنّ الخلافات حول الحوكمة العالمية باقية. فالتعاون والتنافس يسيران معًا.

والدول المتوسطة؟

لا يشترط الوجود المؤثر أن تتفوّق الدولة في كل شيء. يكفي أن تختار موضعًا تتقنه في سلسلة القيمة، وأن تنوّع شركاءها حتى لا ترتهن لمصدرٍ واحد. وفي السعودية تقدّم شركة «هيوماين» (HUMAIN) مثالًا على هذا الاتجاه: شركةٌ أطلقها صندوق الاستثمارات العامة في مايو 2025 لبناء حلقات المنظومة من مراكز البيانات والسحابة إلى النماذج والتطبيقات. وتذكر صفحة الصندوق أنها تطوّر «علّام» (ALLaM)، وهو نموذجٌ لغوي عربي بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وأنّ من شركائها إنفيديا (NVIDIA) ومايكروسوفت وAMD وكوالكوم وأمازون ويب سيرفيسز وغوغل كلاود. هذا وصفٌ من جهةٍ مالكة، ولا نملك حتى الآن تقويمًا مستقلًّا لنتائجه. غير أنّ اختيار اللغة العربية ميدانًا للتخصص، مع تنويع الشركاء، يوافق ما يُنصح به للدول المتوسطة عمومًا. وللتوسّع في النموذج العربي انظر مقال «الذكاء الاصطناعي العربي».

ماذا نقترح على صانعي القرار؟

  • بناء الكفاءات قبل الأجهزة؛ فالأدوات تُشترى، أما المعرفة التي تُشغّلها فتُبنى.
  • حجز مقعدٍ في هيئات المعايير والمنتديات الدولية، فالقواعد تُصاغ حيث يجتمع الناس.
  • تنويع الشركاء بين الشرق والغرب بما يحفظ هامش القرار.
  • الاستثمار في ميزة نوعية، كاللغة العربية والمحتوى الإسلامي والعربي الأصيل، بدل مزاحمة الجميع على كل جبهة.

والغاية في النهاية ليست النفوذ لذاته، بل أن يخدم الذكاء الاصطناعي الناس، وأن تحفظ الأمة موقعها شريكةً لا تابعة، وأن يبقى العمل قائمًا على الأمانة وخدمة المصلحة العامة.

المراجع

  1. Stanford HAI, AI Index Report 2025
  2. Harvard Kennedy School, Joseph Nye obituary (7 May 2025)
  3. A. Bradford, The Brussels Effect, Northwestern University Law Review 107(1) (2012)
  4. United Nations General Assembly, Resolution A/RES/79/325 (26 August 2025)
  5. Deccan Chronicle, India AI Impact Summit: 88 countries endorse New Delhi Declaration on AI (February 2026)
  6. Public Investment Fund, HUMAIN (portfolio page)