الذكاء الفائق: لماذا قد يكون «متى؟» أضعف الأسئلة؟
استطلاعان للباحثين بفارق عام واحد حرّكا موعد الذكاء بمستوى البشر اثنتي عشرة سنة. ما الذي يُفعل حين تتأرجح التواريخ؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
الذكاء الفائق عقلٌ افتراضي يتجاوز أفضل العقول البشرية في كل ميدان تقريبًا، وقد جعله الفيلسوف نِك بوستروم (Nick Bostrom) موضوع كتابٍ عام 2014. وأظهر الجدل حوله أنّ المواعيد تتأرجح: فاستطلاع للباحثين نُشر عام 2022 قدّر منتصف الاحتمال لذكاءٍ بمستوى البشر عند 2059، وآخر عام 2023 قدّره عند 2047، مع اختلاف الصياغة والعيّنة. وحين يتحرّك التقدير بهذا القدر فالأجدى أن نسأل عمّا نفعله الآن: نعالج الأضرار القائمة، ونقدّم السلامة على القدرة، ونتواضع أمام الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
المقال مطولًا طيّ المقال
اللافت في نقاش الذكاء الفائق أنّ اليقين فيه أوفر من الدليل. فنحن نتحدث عنه كأنه موعدٌ على تقويم، والحقيقة أن أحدًا لا يملك هذا التقويم.
ما المقصود بالذكاء الفائق؟
ليس آلةً أسرع منا في الحساب، فتلك عندنا منذ عقود. الذكاء الفائق في الأدبيات عقلٌ افتراضي يتفوّق على العقول البشرية في عموم الميادين. وأشهر معالجة نظرية له كتاب بوستروم (دار أكسفورد، 3 سبتمبر 2014)، وهو يتساءل: ماذا لو فاقت الآلات الإنسان في الذكاء العام؟ وتذهب الدار الناشرة في وصفه إلى أنه قد يصير «خارج السيطرة»، وأنّ مصير البشر سيتوقف عليه كما يتوقف مصير الغوريلات اليوم على البشر. وقيمة الكتاب في نظري، وهو تقدير لا نصّ، أنه ألحّ على أن يسبق السؤالُ الأخلاقي والأمني السؤالَ الهندسي، سواء وقع السيناريو أم لم يقع.
مواعيد تتحرّك
قدّر استطلاع «أي آي إمباكتس» لعام 2022 أنّ منتصف الاحتمال لبلوغ «ذكاء آلي بمستوى عالٍ» يقع عند 2059، أي بعد 37 سنة. ثم شمل استطلاع آخر عام 2023، في ورقة منشورة عام 2024، 2,778 باحثًا ممن نشروا في كبرى منابر الذكاء الاصطناعي، وقدّر منتصف الاحتمال لأن تتفوّق الآلات على البشر في كل مهمة عند 2047 مع احتمال 10% بحلول 2027، وللأتمتة الكاملة لكل المهن عند 2116.
الاستطلاعان يختلفان في الصياغة والعيّنة، فلا ينبغي التسوية بينهما حرفيًّا. لكنّ اتجاه الفرق وحجمه، وهو اثنتا عشرة سنة في عام، يكفي لنتواضع في الحكم. وقد أعطى بين 38% و51% من المشاركين احتمالًا لا يقل عن 10% لنتائج تبلغ في سوئها انقراض البشر، واختلفوا في ما إذا كان التقدّم الأسرع أفضل للبشرية أم الأبطأ. فالإجماع الوحيد هو أنه لا إجماع.
بيانٌ من جملة واحدة
في مايو 2023 نشر مركز أمان الذكاء الاصطناعي (CAIS) جملةً وقّعها باحثون وقادة شركات، منهم جيفري هينتون (Geoffrey Hinton) ويوشوا بنجيو (Yoshua Bengio) وديميس هسابيس (Demis Hassabis) وسام ألتمان (Sam Altman) وداريو أمودي (Dario Amodei): «التخفيف من خطر الانقراض بسبب الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أولوية عالمية إلى جانب مخاطر المجتمعات الكبرى الأخرى كالأوبئة والحرب النووية». والملاحظ أنّ الجملة لا تعطي احتمالًا ولا تاريخًا؛ إنها دعوة لترتيب الأولويات، لا تنبؤ.
الخطر القريب لا ينتظر الموعد
يقول «تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي» (الإصدار الثاني، 3 فبراير 2026)، الذي قاده بنجيو وكتبه أكثر من مئة خبير بدعم أكثر من ثلاثين دولة ومنظمة، إنّ «ثغرات كبيرة لا تزال قائمة» في الضمانات الدفاعية، وأنّ المهاجمين المتطورين كثيرًا ما يتجاوزون الدفاعات الحالية، وأنّ فاعلية كثير من الضمانات في الواقع غير مؤكَّدة. وهذه شواغل حاضرة لا تتوقف على ظهور عقلٍ فائق.
وفي الوقت نفسه يسجّل مؤشر ستانفورد 2025 أنّ النماذج تقفز في اختبارات كثيرة، وتتعثر في أخرى مثل PlanBench، وتخفق أحيانًا في مهام منطقية لها جواب صحيح قابل للتحقق. وهذا يذكّرنا بأنّ التفوق لا يجري على سلّم واحد؛ فعبارة «تجاوز الإنسان» تحتاج دائمًا إلى سؤال: في أي مهمة، وبأي مقياس؟
ما العمل؟
- اسأل عن الأضرار القائمة، كالتحيّز والمراقبة وسوء الاستخدام، ولا تدع البعيد يصرفك عن القريب.
- استقبل المواعيد بوصفها تقديرات منسوبة، وتحفّظ على كل جزم بموعد.
- قدّم السلامة والحوكمة الآن بدل انتظار الحادثة؛ فالتدارك بعد الوقوع أغلى.
- ابنِ وعيًا عامًّا يميّز البحث الرصين من عناوين الإثارة.
لا يعلم الغيب إلا الله، ومطلوبٌ منا الأخذ بالأسباب: أن نفهم ما بين أيدينا، وأن نبني ضوابطه قبل أن تشتد الحاجة إليها. وأقرب المعاني إلى الصواب أنّ المسؤولية تسبق القدرة.
المراجع
- N. Bostrom, Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies, Oxford University Press (2014)
- K. Grace et al., Thousands of AI Authors on the Future of AI, arXiv:2401.02843 (2024)
- AI Impacts, 2022 Expert Survey on Progress in AI
- Center for AI Safety, Statement on AI Risk (May 2023)
- International AI Safety Report (second edition, 3 February 2026)
- Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2025


