فهم الذكاء الاصطناعي

ذكاءٌ ضيّق وذكاءٌ عام: لماذا يخدعنا المقياس؟

آلةٌ تهزم بطل العالم في الشطرنج ولا تفعل غيره، ونماذج تتفوّق في امتحانات ثم تتعثّر في مسائل أيسر. كيف نقرأ موقعنا بلا انبهار ولا تهوين؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد روبوتية تُوقّع وثيقة قرب ميزان العدالة ومطرقة القاضي

كبسولة نانودقيقة واحدة

الذكاء الاصطناعي الضيّق يتقن مهمةً محدّدة، أما العام فهو القدرة على نقل ما تعلّمه إلى ميادين جديدة كما يفعل الإنسان. وقد هزم «ديب بلو» بطل العالم في الشطرنج عام 1997، وتتقدّم نماذج اليوم في اختبارات كانت عصيّة، ثم تتعثّر في اختبارات تخطيط وتفكير منطقي. فالنجاح في الامتحان لا يثبت المرونة، وقد تبيّن أنّ بعض الأرقام المعلنة كانت مبالغًا فيها. والفائدة العملية أن نتقن اليوم مهامّ محدّدة مفيدة ونقيسها على بياناتنا، بدل أن ننتظر موعدًا لذكاءٍ عام لا يعرفه أحد.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

في مايو 1997 فازت آلة من «آي بي إم» على بطل العالم غاري كاسباروف (Garry Kasparov) في مباراة إعادة من ست جولات بنتيجة 3.5 مقابل 2.5، وكانت أول منظومة تهزم بطلًا عالميًّا في الشطرنج بزمن البطولات المعتاد. آلةٌ بُنيت للعبة واحدة. فهل هذا هو الذكاء الذي نقصده حين نتحدث عن «الذكاء الاصطناعي»؟

ما الفرق بين الضيّق والعام؟

الذكاء الضيّق يتقن مهمةً أو صنفًا من المهام: ترجمة، تصنيف صور، لعب. والذكاء العام قدرة على تعلّم مهمات جديدة ونقل الخبرة من ميدان إلى آخر، كما يفعل الطفل حين يكبر.

والحلم بالعام قديم في الحقل. ففي مقترح ورشة دارتموث (31 أغسطس 1955) افترض أصحابه أنّ «كل جانب من جوانب التعلّم أو أي سمة أخرى للذكاء يمكن، من حيث المبدأ، وصفه بدقة تكفي لأن تحاكيه آلة»، وطلبوا دراسة تستغرق شهرين وعشرة باحثين في صيف 1956. ولم يُحسم الأمر في ذلك الصيف ولا بعده بعقود.

ثلاثة أسباب تجعل المقياس خادعًا

الأول: الامتحان ليس العالم. أعلنت «أوبن إيه آي» أنّ GPT-4 بلغ المئين التسعين في اختبار المحاماة الأمريكي الموحّد. فأعاد إريك مارتينيز (Eric Martínez) التقدير ونشره عام 2024، فوجد أنّ الأداء نحو المئين 69 بين جميع المتقدمين في دورة يوليو 2022، ونحو المئين 48 بين من يتقدمون لأول مرة. ويبيّن الفرق أنّ اختيار فئة المقارنة قد يغيّر الصورة، وأنّ الرقم اللافت قد يكون ثمرة قياس لا قدرة.

الثاني: السرعة في التقدّم لا تعني العمومية. يسجّل مؤشر الذكاء الاصطناعي لجامعة ستانفورد (طبعة 2025) قفزات في عامٍ واحد: نحو 18.8 نقطة على مقياس MMMU، و48.9 على GPQA، وارتفعت نسبة المسائل البرمجية المحلولة على SWE-bench من 4.4% إلى 71.7%. ويقول التقرير نفسه إنّ النماذج لا تزال تتعثر في اختبارات تفكير أعقد مثل PlanBench، وتخفق كثيرًا في مهام منطقية يوجد لها جواب صحيح قابل للتحقق.

الثالث: المهارة غير الذكاء. يرى فرانسوا شوليه (François Chollet) أنّ قياس الأداء في مهمات معيّنة لا يكفي، لأنّ المهارة تعكس المعرفة السابقة وبيانات التدريب بقدر ما تعكس قدرة النظام على التعميم، ويقترح تعريف الذكاء بأنه «كفاءة اكتساب المهارة»، وصمّم لذلك اختبار ARC.

دروس من التاريخ

بعد مقترح دارتموث تعاقبت بشارات تلتها خيبات. ففي عام 1973 كتب جيمس لايتهيل (James Lighthill) تقريرًا لمجلس البحوث العلمية البريطاني قال فيه إنّ «في أي جزء من الحقل لم تُنتج الاكتشافات حتى الآن الأثر الكبير الذي وُعد به»، وتراجع التمويل في فترة تُؤرَّخ بين 1974 و1980 وتُعرف بـ«شتاء الذكاء الاصطناعي الأول». وليس في هذا تنبؤٌ بتكرار الشتاء، وإنما عبرةٌ في الفجوة بين الوعد والنتيجة.

أين نقف إذن؟

لا اتفاق بين الباحثين. فالنماذج اللغوية أوسع بكثير من «ديب بلو»، وهي تؤدي مهماتٍ متنوعة بلا إعادة تدريب، لكنّ الأدلة السابقة تُظهر تعثّرها في التخطيط والمنطق. فهي أقرب إلى ضيقٍ شديد الاتساع منها إلى ذكاءٍ عام مكتمل، ويظلّ هذا توصيفًا لا حكمًا نهائيًّا. وللتوسع انظر مقالَي «ثلاثة أوهام عن الذكاء الاصطناعي» و«كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟».

ما العمل؟

  • اختر مهمةً محدّدة لها مقياس واضح، ثم قس الأداء على بياناتك وحالاتك لا على نتيجة منشورة.
  • ابقِ مراجعًا بشريًّا حيث تكلّف الأخطاء كثيرًا.
  • انتبه لجودة البيانات العربية؛ فالأداة بقدر ما تغذّت به.
  • حين يعدك أحدهم بتاريخ لذكاءٍ عام، فاسأله عن تعريفه ومقياسه.

القيمة الحقيقية اليوم في إتقان الضيّق النافع: في الطب والتعليم والخدمات. ونأخذ بالأسباب ونعمل بما بين أيدينا، ونكل علم الغيب إلى الله.

المراجع

  1. J. McCarthy, M. Minsky, N. Rochester, C. Shannon, A Proposal for the Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence (31 August 1955)
  2. Computer History Museum, Deep Blue team after the 1997 Deep Blue vs. Kasparov re-match (collection record)
  3. F. Chollet, On the Measure of Intelligence, arXiv:1911.01547 (2019)
  4. E. Martínez, Re-evaluating GPT-4's bar exam performance, Artificial Intelligence and Law (2024)
  5. Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2025
  6. Holloway, Making Things Think: The First AI Winter (1974–1980)