رأس المال البشري: ما الذي يزداد قيمةً حين تتاح الآلة للجميع؟
إن اشترت كل مؤسسة المحرّك نفسه، فأين يقع الفارق؟ تقول الأدلة إن الأداة تقرّب الناس في إنتاج المسودة، وتترك الحكم للإنسان.

كبسولة نانودقيقة واحدة
حين تتاح الأداة للجميع بالكلفة نفسها، ينتقل الفارق إلى الإنسان. ففي تجربة على 444 مهنيًّا جامعيًّا قلّص استعمال ChatGPT زمن مهمة الكتابة نحو 37% ورفع جودتها، وكان أكبر المستفيدين أضعفهم أداءً في المهمة الأولى. وإذا تساوى الجميع في إنتاج المسودة، صار الأثمن ما قبلها وما بعدها: اختيار المسألة والحكم على الناتج. وهذا أصلٌ يُبنى بالتعليم والتدريب، لا بشراء الأدوات. وتحذّر دراسة مسحية من أن الثقة الزائدة بالأداة ارتبطت بتفكير نقدي أقل، فنُبقي التمرين حيًّا. وقد أظهر الصراف الآلي أن الأتمتة تمسّ المهامّ قبل المسمّيات: لم ينخفض عدد الصرّافين، وتغيّر ما يفعلونه.
المقال مطولًا طيّ المقال
بدأ تركيب أجهزة الصراف الآلي عام 1969، وبلغ عددها نحو 100 ألف بحلول 1990. وتوقّع كثيرون أن تطوي صفحة الصرّاف البشري. غير أنّ بيانات الاقتصادي جيمس بيسن (James Bessen) تُظهر أنّ عدد الصرّافين لم يهبط مع انتشارها، بل بقي مستقرًّا تقريبًا. ويُساق لذلك سببان: صار فتح الفرع أرخص لأنه يحتاج صرّافين أقل، فتكاثرت الفروع، وانتقل عمل الصرّاف من عدّ النقد إلى خدمة العميل وعرض خدمات مصرفية أوسع.
لا يعني هذا أن كل مهنة ستنجو، ولا أن التاريخ يعيد نفسه بالصورة ذاتها. لكنه يذكّرنا بأن السؤال الأدق ليس «هل تبقى وظيفتي؟» بل «أيّ مهامّ فيها ستنتقل إلى الأداة، وماذا يبقى لي؟».
ماذا تقول التجارب؟
في تجربة عشوائية على 444 من المهنيين الجامعيين، أُتيح ChatGPT لنصفهم. قلّ الوقت اللازم لمهمة كتابية قصيرة بنحو 37%، وارتفعت درجات الجودة بنحو 0.4 انحراف معياري. والأهم لموضوعنا أن الأضعف أداءً في المهمة الأولى كانوا أكثر المستفيدين، فهبط الارتباط بين درجتي المهمتين الأولى والثانية من 0.49 لدى المجموعة الضابطة إلى 0.25 لدى مستعملي الأداة. أي أن الأداة قرّبت بين الناس في إنتاج المسودة.
ويقيّد الباحثون أنفسهم هذه النتيجة: المهام قصيرة ومعزولة، وقد لا تنطبق على وظائف تحتاج سياقًا خاصًّا بالمؤسسة. لكن الفكرة قائمة: حين تصير المسودة الجيدة متاحة للجميع بجهد قليل، لا تعود المسودة هي الفارق.
أين ينتقل الفارق؟
تقترح قراءتنا للأدلة أن ينتقل إلى طرفي المسودة. قبلها: أيّ مسألة تستحق الحل، وما السياق الذي يحيط بها. وبعدها: هل الناتج صحيح، وهل يناسب هذا العميل أو هذا المريض أو هذه المؤسسة. وما يمكن تدوينه في كتاب أو قاعدة تنسخه الأداة بكلفة زهيدة، أما الحدس الذي صقلته سنوات التجربة فأصعب في النقل. وهذا استنتاج مبني على الأدلة لا نتيجة مقيسة بذاتها، ويستحق أن يُختبر في كل مهنة على حدة.
حين تغري الثقة
جمع مسح شمل 319 من العاملين في المعرفة (Lee وآخرون، 2025) 936 مثالًا لاستعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل. ووجد أن ارتفاع الثقة بالأداة يقترن بتفكير نقدي أقل، بينما يقترن ارتفاع ثقة المرء بنفسه في المهمة بتفكير نقدي أكثر. والبيانات ذاتية التقرير، والعلاقة ارتباط لا سببية. غير أنها تكفي للتنبيه: من ترك الأداة تفكّر عنه دائمًا قد يعسر عليه أن يعرف متى تخطئ.
قراءة سعودية
أطلقت المملكة عام 2021 برنامج تنمية القدرات البشرية، وهو أحد برامج رؤية المملكة 2030. ومن أهدافه مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتنمية المهارات في مراحل الحياة كلها، من الطفولة المبكرة إلى التعلّم المستمر. وهذا اتجاه يوافق ما تقترحه الأدلة، ويوافق كذلك الفكرة التي عدّتها لجنة نوبل من أبرز ما قدّمه غاري بيكر (Gary Becker)، الفائز بجائزة الاقتصاد عام 1992: أن ما يُنفق على المعرفة والمهارة يُعامَل بوصفه رأس مال لا نفقة تشغيل.
ما الذي يُفعل؟
- اجعل التعلّم عادة متجددة، فالمهارة التي تدرّبت عليها قبل سنوات ليست رصيدًا ثابتًا.
- جرّب الأداة في عملك، وسجّل لنفسك متى أصابت ومتى أخطأت بثقة.
- فكّر في المسألة بنفسك قبل أن تسألها، واحفظ لعقلك تمرينًا لا تنوب فيه عنك.
والأخذ بهذه الأسباب لا ينافي التوكّل على الله، بل هو من تمامه.
المراجع
- Nobel Prize in Economic Sciences 1992, Press release: Gary S. Becker (The Royal Swedish Academy of Sciences)
- Timothy Taylor, ATMs and a Rising Number of Bank Tellers? (Conversable Economist, 2015), summarising J. Bessen
- S. Noy & W. Zhang, Experimental Evidence on the Productivity Effects of Generative Artificial Intelligence (MIT working paper; published in Science, 2023)
- H.-P. Lee et al., The Impact of Generative AI on Critical Thinking: Self-Reported Reductions in Cognitive Effort and Confidence Effects From a Survey of Knowledge Workers, CHI 2025 (Microsoft Research)
- Vision 2030, Human Capability Development Program


