من يعلّم الآلة لغتنا وقيمنا؟ الذكاء الاصطناعي والهوية الثقافية
حين يجيب النموذج بعربية سليمة قد يكون يحمل زاوية نظر أخرى. ماذا تقول الأبحاث عن قيم النماذج، وكيف نحمي ما يخصّنا دون أن ننغلق؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
حين يجيب نموذج لغوي بالعربية فهو يستعمل لغتنا، لكنه قد يحمل زاوية نظر غيرنا. ففي أحدث مسح لـCommon Crawl بلغت الإنجليزية نحو 42.6% من الصفحات والعربية نحو 0.7%، وهذا ليس مزيج تدريب أي نموذج لكنه مؤشر على اختلال الحضور. ووجدت دراسة على 16 نموذجًا ميلًا إلى الكيانات الغربية حتى في النماذج العربية، ووجدت أخرى أن قيم نماذج OpenAI الخمسة المدروسة أقرب إلى بلدان ناطقة بالإنجليزية. والعلاج ليس الانغلاق، بل بيانات أصيلة، وتقييم محلي، ووعي نقدي لدى المستخدم.
المقال مطولًا طيّ المقال
نموذج يتكلم بلسانك ويألف ما يألفه غيرك
رصدت أبحاث الانحياز الثقافي في النماذج اللغوية نمطًا متكررًا: نموذج يُسأل في سياق عربي إسلامي فيستدعي مألوفًا من ثقافة أخرى. فالنموذج لا يتعلّم اللغة وحدها، بل يتعلّم معها ما يألفه كاتبوها.
أرقام الحضور
تنشر مؤسسة Common Crawl إحصاءً للغة الأساسية لصفحات الشبكة التي تجمعها. وفي أحدث مسح عند كتابة هذا المقال (CC-MAIN-2026-43) بلغت الإنجليزية نحو 42.6% من الصفحات، والعربية نحو 0.67%. وهذه ليست نسبة التدريب في نموذج بعينه، فالشركات تنتقي بياناتها وتوازنها، لكنها تذكّر بأن ما يُتاح بالعربية أقل بكثير مما يُتاح بالإنجليزية.
ما الذي قاسته الدراسات؟
- دراسة ناعوس وزملائه: قيّمت 16 نموذجًا في مهام عربية (توليد القصص، والتعرف على الكيانات، وتحليل المشاعر)، واستعانت بمجموعة «كامل» (CAMeL) التي تضم 628 مطالبة و20,368 كيانًا في ثمانية أنواع تقابل بين الثقافتين العربية والغربية. فوجدت ميلًا إلى الكيانات المرتبطة بالثقافة الغربية في النماذج المتعددة اللغات والعربية معًا، وحالات تنميط وانحياز. وخلصت إلى أن مصادر شائعة مثل ويكيبيديا قد لا تصلح وحدها لبناء نماذج واعية بالثقافة.
- دراسة تاو وزملائه: قارنت خمسة نماذج من OpenAI بمسوح قيمية وطنية، فوجدت قيمها أقرب إلى البلدان الناطقة بالإنجليزية وأوروبا البروتستانتية. وحين طُلب من النموذج أن يجيب من منظور بلد معين («التوجيه الثقافي»)، تحسّنت المواءمة في 71% إلى 81% من البلدان والأقاليم لدى نماذج عائلة GPT-4 الأحدث.
وهذه نتائج على نماذج بعينها في زمن بعينه، فلا تُعمَّم على كل نموذج ولا على كل سؤال، لكنها كافية لتنبيه المستخدم. وفيها فائدة عملية: أن تذكر للنموذج السياق الذي تريده، من بلدك وعرفك وما تراعيه، يقرّبه من مرادك، وإن لم يضمن ذلك أن يصيب في كل مرة. وما يمسّ الدين والأخلاق خاصةً لا يُؤخذ من نموذج دون مراجعة.
ما قالته اليونسكو
أقرّت اليونسكو في نوفمبر 2021 توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي اعتمدتها 193 دولة، جعلت من قيمها الأولى «ضمان التنوع والشمول»، وعدّت من فوائد الذكاء الاصطناعي المأمولة ابتكار وسائل لصون التنوع الثقافي. أما كيت كروفورد (Kate Crawford) فيتناول كتابها «أطلس الذكاء الاصطناعي» السلطة والسياسة والكلفة الكوكبية للذكاء الاصطناعي، وهي زاوية تذكّر بأن هذه الأنظمة صناعة لها أصحاب ومصالح، وليست مرآة محايدة.
ليس انغلاقًا
لا يعني هذا أن نرفض التقنية، فالحضارات تأخذ مما عند غيرها وتحفظ ما عندها في آن واحد. فالمطلوب أن نكون على طاولة صناعتها لا على مقعد استهلاكها فقط:
- بيانات أصيلة: رقمنة النصوص العربية الجيدة وتنظيمها بإشراف أهل اللغة.
- تقييم محلي: مقاييس تختبر الفهم الثقافي لا سلامة العبارة فقط.
- مراجعة الاختصاص: ما يمسّ الدين والقيم يراجعه أهل العلم قبل الاعتماد على مخرجات الآلة.
- توجيه واعٍ: كتابة الطلب بسياقه الثقافي والمحلي تحسّن النتيجة، لكنها لا تغني عن التحقق.
- وعي المستخدم: مخرجات الآلة رأي قابل للمساءلة لا حكم منزّه عن الخطأ.
وللمقارنة بين النماذج العربية وسيادة الإنتاج انظر مقال «الذكاء الاصطناعي العربي».
والمرء مؤتمن على لسانه وقيمه كما هو مؤتمن على ماله؛ فمن علّم الآلة لغته بأمانة، وراجع ما تقوله بعينٍ ناقدة، حفظ ما يخصّه وانتفع بما عند غيره.
المراجع
- Y. Tao et al., Cultural Bias and Cultural Alignment of Large Language Models, arXiv:2311.14096
- Common Crawl Statistics: Languages (primary-language shares of pages, crawl CC-MAIN-2026-43)
- UNESCO, Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence (adopted November 2021)
- K. Crawford, Atlas of AI: Power, Politics, and the Planetary Costs of Artificial Intelligence, Yale University Press
