القطاعات والتطبيقات

الذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي: هل يرى الجوع قبل أن يقع؟

هناك 673 مليون جائع وملايين الأطنان تُهدر. بين الأرقامين مسافة في التوزيع والتوقيت، تحاول الخوارزميات أن تقيسها.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

طلاب يعملون على حواسيب محمولة في قاعة دراسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

عانى نحو 673 مليون إنسان (8.2% من سكان العالم) من الجوع عام 2024 بحسب تقرير الأمم المتحدة «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025»، فيما أُهدر 1.05 مليار طن من الغذاء عام 2022 بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة. فالمسألة في الوصول إلى الغذاء وتوزيعه وتوقيته، لا في الإنتاج وحده. ويضيف الذكاء الاصطناعي قدرة على التنبؤ المبكر: ففي ورقة عمل للبنك الدولي (2020) خفّض نموذج تعلّم آلي الخطأ الموزون في توقّع أزمات الغذاء على مستوى المقاطعات من نحو 26% إلى نحو 11% عند أفق أربعة أشهر، لكنها ورقة بقيود معلنة. والإنذار لا يُشبع أحدًا ما لم تتبعه استجابة عادلة في الوقت المناسب.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

عام 2022 أُهدر في العالم 1.05 مليار طن من الغذاء (بما فيه أجزاء غير صالحة للأكل)، منها 60% في البيوت و28% في خدمات الطعام و12% في التجزئة، بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وفي العام نفسه كان نحو 8.7% من سكان العالم يعانون الجوع بحسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2025. الرقمان لعام واحد تقريبًا، فلا يفسّرهما نقص مطلق في الطعام، بل طريق يمرّ به الغذاء من الحقل إلى المائدة وتضيع فيه أطنان وأرواح.

الجوع مسألة وصول

قدّر تقرير الأمم المتحدة «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025» أنّ نحو 673 مليون إنسان (8.2%) عانوا الجوع عام 2024، ضمن نطاق تقدير بين 638 و720 مليونًا. هذه النسبة أقل من 8.5% عام 2023، لكن الجوع ارتفع في معظم مناطق إفريقيا وغرب آسيا، وفي إفريقيا يتجاوز 20% من السكان (نحو 307 ملايين). وتتوقع الجهات التي أعدّت التقرير أن يبقى نحو 512 مليونًا في 2030 يعانون نقصًا مزمنًا في التغذية، وهذا تقدير لا حكم مبرم.

وقد رأى الاقتصادي أمارتيا سن (Amartya Sen) في كتابه «الفقر والمجاعات» (1981) أن المجاعات تنشأ غالبًا من فقدان فئات من الناس قدرتها على الحصول على الغذاء، بالعمل أو الشراء أو التبادل، حتى حين يتوافر في مجموعه. ومثاله مجاعة البنغال عام 1943، إذ لم ينقص المعروض فيها كثيرًا عن سنوات لا مجاعة فيها، فيما ارتفعت الأسعار أسرع من الأجور. وقد نازع باحثون لاحقون في قراءته لأرقام المعروض، فالمسألة محل نقاش وإن ظل أثر فكرته كبيرًا.

ما الذي تفعله الخوارزمية؟

تتمثل قوة التعلّم الآلي هنا في التنبؤ المبكر. ففي ورقة عمل للبنك الدولي (سبتمبر 2020) استُخدم نموذج «الغابة العشوائية» (Random Forest) لتوقّع أزمات الغذاء شهريًّا على مستوى المقاطعات، اعتمادًا على الأمطار ومؤشرات الغطاء النباتي والنزاعات وتضخم أسعار الغذاء، ومقارنتها بتصنيفات الأمن الغذائي المرحلية (المستوى الثالث فأعلى) المعتمدة في 1,162 مقاطعة في 21 دولة نامية بين 2009 و2020. وكانت التوقعات الرسمية القريبة تخطئ في نحو 74% من الأزمات الفعلية فلا تنذر بها، وانخفض خطأ النموذج الموزون من نحو 26% إلى نحو 11% عند أفق أربعة وثمانية أشهر.

ويلزم أن نقرأ الرقم بحدوده كما ذكرها أصحابه: ورقة عمل يصفها أصحابها بأنها قيد التطوير، وفجوات في البيانات، وتحقق يعتمد على تقسيم عشوائي لبيانات مترابطة زمنيًّا ومكانيًّا، واختبار زمني قصير وقع في فترة أزمات شديدة، وأخطاء كبيرة في بعض البلدان كالصومال والكونغو الديمقراطية. وأوزان الخطأ نفسها قرار سياسي، لأن السؤال: أيهما أسوأ، إنذار كاذب أم أزمة فاتتنا؟

حيث يضيع الغذاء

تقدّر منظمة الأغذية والزراعة أنّ نحو 13.3% من الإنتاج العالمي يُفقد بين الحصاد وما قبل التجزئة (نحو 1.31 مليار طن)، ويُهدر بعده ما يقدّره برنامج البيئة بنحو الخُمس مما يتاح للمستهلكين. وقد يُرجى من تحسين التنبؤ بالطلب والنقل والتخزين أن يقلل هذا الضياع، لكننا لم نقف على قياس موثّق يمكن أن نسند إليه رقمًا لما تجنيه الخوارزميات هنا، فلا نذكره. والأوضح أن 60% من الهدر يقع في البيوت، وهذا باب للتدبير والاقتصاد وحفظ النعمة لا تقتحمه خوارزمية.

حدود النموذج

نموذج دُرّب على بيانات أقاليم أخرى قد يخطئ في قراءة تربتنا وأمطارنا وعاداتنا، وهذا مبدأ عام في التعلّم الآلي لا نتيجة قياس هنا. والفئات التي لا تُرصد بياناتها لا تظهر أزماتها في النموذج، فيصير تمثيلها في البيانات مسألة عدالة. ويُرجَّح كذلك أن يضعف النموذج حين يتبدل المناخ عمّا تعلّمه من الماضي، ويبقى حدس الفلاح وخبرة العاملين في الميدان شريكًا لا يُستغنى عنه.

ما يُفعل

  1. اجعل الإنذار المبكر مقرونًا باستجابة مبكرة؛ فالتنبؤ بلا فعل لا يُشبع جائعًا.
  2. استثمر في جمع بيانات موثوقة محلية قبل شراء الخوارزميات.
  3. اجعل خفض الهدر في البيوت والمطاعم والأسواق أولوية موازية لزيادة الإنتاج.
  4. أبقِ للإنسان القرار الأخير، واطلب من كل نموذج بيان حدود دقته.

الرزق بيد الله، وعلينا السعي والأخذ بالأسباب وإنصاف الناس في القسمة. فإن صار الجوع قابلًا للتنبؤ، لم يبق عذرٌ للتقصير في دفعه.

المراجع

  1. FAO, IFAD, UNICEF, WFP, WHO, The State of Food Security and Nutrition in the World 2025 (press release, 28 July 2025)
  2. UNEP, Food Waste Index Report 2024 (press release, 27 March 2024)
  3. FAO, Global food losses (statistics highlights page, 2025)
  4. B. P. J. Andrée, A. Chamorro, A. Kraay, P. Spencer, D. Wang, Predicting Food Crises, World Bank Policy Research Working Paper 9412 (September 2020)
  5. A. Sen, Poverty and Famines: An Essay on Entitlement and Deprivation, Oxford University Press (Clarendon Press, 1981)