الذكاء الاصطناعي والقانون: مساعدٌ في المكتب لا قاضٍ في المحكمة
محامٍ قدّم لمحكمة أمريكية ست قضايا لا وجود لها، لأن أداةً اخترعتها. وراء الواقعة سؤال أوسع: ما الذي تُحسنه الخوارزمية في القانون، وما الذي يبقى للإنسان؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
تُسرّع أدوات الذكاء الاصطناعي البحث القانوني ومراجعة المستندات، لكنها تخطئ بثقة. ففي 2023 غرّمت محكمة أمريكية محاميين خمسة آلاف دولار لأنهما قدّما قضايا اختلقتها أداة محادثة. وفي دراسة لجامعة ستانفورد (2024) أخطأت أدوات بحث قانوني متخصصة في أكثر من 17% من الاستفسارات، وفي أكثر من 34% عند أداة أخرى. أما التنبؤ بالأحكام، فحقّق نموذج بحثي نحو 79% في قضايا المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهذا لا يعني أنه يقضي. فالصواب أن تُستعمل الأداة مساعدًا يُراجَع عمله، وأن يبقى الحكم والمسؤولية للإنسان.
المقال مطولًا طيّ المقال
في يونيو 2023 قضى قاضٍ في نيويورك بتغريم محاميين وشركتهما خمسة آلاف دولار، لأنهما قدّما في مذكرة قضائية ست آراء قضائية لا وجود لها، أنتجها «شات جي بي تي» (ChatGPT). ولم تكن الغرامة بسبب الخطأ وحده، بل لأنهما أصرّا على صحة ما قدّماه حين سُئلا عنه، فرأى القاضي في ذلك سوء نية، وألزمهما أيضًا بمراسلة كل قاضٍ نُسب إليه رأي مختلق، ثم رُدّت الدعوى لتقادمها (ABA Journal، 2023). هذه الواقعة تختصر حدود الأداة: بارعة في الصياغة، وعاجزة عن إدراك أنها تخطئ.
البحث القانوني: أسرع، لكن ليس أصدق
لا يقتصر الخطر على الأدوات العامة. فقد بنى باحثو جامعة ستانفورد مجموعة تضم أكثر من 200 استفسار قانوني مفتوح، واختبروا بها أدوات بحث قانوني متخصصة تُسوَّق على أنها محكمة بمراجع موثقة. أخطأت أداتان منها في أكثر من 17% من الاستفسارات، وأخطأت ثالثة في أكثر من 34% (مايو 2024). وشمل الخطأ نوعين: جواب غير صحيح، وجواب يستشهد بمصدر لا يسند ما قيل. وهي دراسة سابقة للنشر المحكّم، ولا تعني أن كل مهمة قانونية ستخطئ بهذه النسبة. وقد أقرّ فريقها بأن هذه الأدوات تخفّض الأخطاء قياسًا بالنماذج العامة، ولم يقصد النيل من شركة بعينها. لكنها تكفي لتبرير قاعدة واحدة: لا يُعتمد مرجع قبل فتحه وقراءته.
هل تتنبأ الخوارزمية بالأحكام؟
درّب باحثون في 2016 نموذجًا على 584 قضية من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، موزعة بالتساوي بين قضايا ثبتت فيها المخالفة وقضايا لم تثبت، فبلغ متوسط دقته نحو 79%. وكان الأفضل أداءً قراءة وقائع القضية، لا حججها القانونية. ويحذّر المؤلفون أنفسهم من تفسير النتيجة: نصوص الوقائع كتبتها المحكمة نفسها، وقد تحمل أحكامًا ضمنية، والعينة قضايا بلغت مرحلة الموضوع، فلا تُعمَّم على المحاكم الأدنى. فالنموذج يعرف الأنماط في الأحكام الصادرة، ولا يقدّر العدل في قضية جديدة.
في المملكة
تقول دراسة لمكتب «التميمي وشركاه» (أبريل 2024) إن منصة «ناجز» التابعة لوزارة العدل توفر أكثر من 160 خدمة إلكترونية، وإن مشروع التقاضي الإلكتروني يتيح تبادل المذكرات وجلسات المرافعة عن بُعد والأحكام الإلكترونية. وتصف استعمال الذكاء الاصطناعي في القضاء بأنه مجال استثمار مخطط له ضمن رؤية المملكة 2030، ولا تذكر أرقامًا لاستعماله الفعلي. وتعدّد من المخاطر: الانحياز عند نقص البيانات، وتسرّب أسرار الأطراف، وتأثر حق التقاضي العادل واستقلال القاضي، وتدعو إلى الشفافية وتعليل النتائج.
ما الذي يبقى للإنسان؟
القضاء في الشريعة أمانة ثقيلة ومسؤولية شخصية، يسأل عنها القاضي نفسه. والأداة، مهما حسنت، لا تتحمل مسؤولية ولا تسمع شاكيًا ولا تقدّر ظرفًا إنسانيًّا؛ وعدالة الحكم لا تُقاس بمطابقته لأنماط سابقة، بل بإنصافه لصاحب الحق في قضيته. أما الخطوات العملية للمحامي والمنظمة التي تستعين بها:
- تحقق من كل نظام وسابقة ورقم مادة في مصدرها الرسمي قبل أن تقدّمه.
- لا تُدخل في أداة عامة أسماء موكلين ولا تفاصيل قضايا سرّية.
- اجعل الأداة مسودة أولى، وأبقِ المراجعة والتوقيع للمختص.
- دوّن أين استعنت بها، ليتحمل كل طرف مسؤولية ما يقدّمه.
وللتوسع في أسباب الخطأ الواثق، انظر مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟». وللتحيّز في البيانات، مقال «التحيّز الخوارزمي».
المراجع
- ABA Journal, Lawyers who 'doubled down' and defended ChatGPT's fake cases must pay $5K, judge says (26 June 2023)
- Stanford HAI, AI on Trial: Legal Models Hallucinate in 1 out of 6 (or More) Benchmarking Queries (23 May 2024)
- N. Aletras, D. Tsarapatsanis, D. Preoţiuc-Pietro & V. Lampos, Predicting judicial decisions of the European Court of Human Rights: a Natural Language Processing perspective, PeerJ Computer Science 2:e93 (2016)
- Al Tamimi & Company, Saudi Arabia's AI & digital transformation: Opportunities and challenges in dispute resolution (April 2024)

