حين تدخل غرفتك ليلاً فتُضيء المصابيح من تلقائها، وينخفض المكيّف درجةً لأنّ ساعتك الذكية أبلغت المنزل أنّ نبضك هدأ وأنّك تستعدّ للنوم، فمن الذي اتّخذ القرار؟ لم تلمس مفتاحاً ولم تنطق أمراً، ومع ذلك تحرّكت الأشياء من حولك كأنّها تقرأ نواياك. المنزل الذي كان جداراً صامتاً يأوينا صار اليوم كائناً يقظاً يراقب ويستنتج ويبادر، حتى بتنا نعيش وسط شبكةٍ من العيون والآذان لا نراها، تجمع عنّا في الساعة الواحدة ما لم يكن أحدٌ ليجمعه عنّا في عمرٍ كامل. فهل نحن مَن نسكن البيت، أم البيت مَن صار يسكننا؟
لقد التقى تياران كانا يجريان منفصلين زمناً طويلاً، فأنجبا واقعاً لم يكن في الحسبان. أمّا الأول فهو إنترنت الأشياء، ذلك النسيج من الأجهزة المتّصلة التي زُرعت في كلّ ركنٍ من حياتنا، من الثلّاجة إلى السيّارة إلى عدّاد الكهرباء، تستشعر العالم وتنقل ما تستشعره عبر الشبكة. وأمّا الثاني فهو الذكاء الاصطناعي الذي يحوّل ذلك الفيض الهائل من القراءات الخام إلى فهمٍ وقرار. وحدها الأجهزة المتّصلة كانت تكتفي بأن تُبلّغ؛ فالمستشعر يقول إنّ الحرارة بلغت كذا، والكاميرا تقول إنّ حركةً وقعت، لكنّها لا تعرف معنى ما تراه. غير أنّ اقترانها بالعقل الحاسوبي منحها بصيرةً لم تكن تملكها؛ فصار المنزل لا يسجّل الحركة فحسب، بل يميّز بين خطوة ساكنه وخطوة الغريب، وبين بكاء الطفل وعواء الريح. ويرى الكاتب أنّ المفصل الحقيقي في هذه الثورة ليس في كثرة الأجهزة، بل في انتقال الذكاء من المراكز البعيدة إلى أطراف الشبكة، حيث صار الجهاز الصغير نفسه قادراً على التفكير في موضعه دون أن يستأذن خادماً قصيّاً. فالعبرة لم تعد بعدد المستشعرات المنثورة في الجدران، وإنّما بمقدار الفهم الذي صار كلّ مستشعرٍ قادراً على توليده بنفسه قبل أن ينقل خلاصته.
وقد رصد المنتدى الاقتصادي العالمي هذا التحوّل بوصفه أحد أعمدة ما سمّاه الثورة الصناعية الرابعة، حين يذوب الحدّ الفاصل بين العالم المادي والعالم الرقمي، فتصير الأشياء الصمّاء أطرافاً حسّاسةً لذكاءٍ موزّع. وتشير تقديرات المنتدى إلى أنّ عدد الأجهزة المتّصلة في العالم تجاوز عشرات المليارات، أي أضعاف عدد البشر مرّاتٍ عديدة، وأنّ كلّ واحدٍ منها بات نقطة استشعارٍ تُغذّي شبكةً أوسع. غير أنّ القيمة لم تعد في الجهاز ذاته، بل في القدرة على تأويل ما يرسله؛ فالبيانات بلا تحليلٍ ضوضاء، والتحليل بلا بياناتٍ عجز، ومن تزاوجهما وُلدت البيئات الذكية. وقد عبّرت دراساتٌ في جامعة أوكسفورد عن هذا المعنى حين بيّنت أنّ الميزة التنافسية في الاقتصاد الرقمي تنزاح تدريجاً من امتلاك الأجهزة إلى امتلاك القدرة على استخلاص المعنى من سيلها المتدفّق، فالذي يجمع ولا يفهم كمن يكنز كنزاً لا يعرف بابه.
وفي قلب هذا التزاوج تكمن نقلةٌ تقنيةٌ يغفل عنها كثيرون، وهي ما يُعرف بالحوسبة الطرفية. فبدل أن تُرسل الكاميرا كلّ لقطةٍ تلتقطها إلى مركز بياناتٍ بعيدٍ ينظر فيها ثم يردّ بالقرار، صار جزءٌ متزايدٌ من المعالجة يجري في الجهاز نفسه أو قربه مباشرةً. وقد بيّنت أبحاثٌ في معهد ماساتشوستس للتقنية أنّ تقريب الحوسبة من مصدر البيانات يقلّص زمن الاستجابة ويصون الخصوصية في آنٍ واحد، إذ لا تغادر المعلومات الحسّاسة جدران المنزل إلا لِماماً. وهنا يرى الكاتب أنّ المعركة الكبرى للذكاء الاصطناعي في العقد المقبل لن تُحسم في مراكز البيانات العملاقة وحدها، بل في تلك الرقائق الصغيرة المزروعة في جدراننا وثيابنا وسيّاراتنا، حيث يتعلّم الجهاز أن يقرّر بنفسه في جزءٍ من الثانية، دون أن ينتظر إذناً يأتي من وراء البحار. فالذكاء حين ينزل إلى الأطراف يصير أسرع وأكثر صوناً للسرّ، لكنّه في الوقت ذاته يصير أعصى على المراقبة والمساءلة، إذ يتّخذ قراراته في صمتٍ لا يطّلع عليه أحد.
غير أنّ الصورة ليست وردية كما تُسوَّق. فكلّ مستشعرٍ نضيفه إلى بيوتنا هو في جوهره عينٌ جديدة، وكلّ عينٍ تنقل ما تراه إلى جهةٍ ما. وقد حذّرت دراساتٌ في جامعة ستانفورد من أنّ البيوت الذكية تنتج سجلّاً سلوكياً بالغ الدقّة عن ساكنيها، يكشف متى يستيقظون ومتى ينامون ومتى يغيبون، بل قد يستنتج حالتهم النفسية من أنماط حركتهم. والمفارقة المؤلمة أنّ المستهلك يدفع المال طوعاً ليزرع في بيته أجهزةً تراقبه، ثم يتعجّب حين يجد إعلاناتٍ تلاحقه كأنّها تقرأ أفكاره. ويرى الكاتب أنّ السردية الرائجة التي تختزل القضية في معادلةٍ بسيطة بين الراحة والخصوصية مُضلّلةٌ في عمقها؛ فالأمر ليس مقايضةً يدفع فيها المرء جزءاً من سرّه ثمناً لراحةٍ معلومة، بل هو تنازلٌ مفتوحٌ عن سيطرةٍ لا يدرك مداها، لأنّه يجهل مَن يملك بياناته غداً، ولا إلى أيّ غرضٍ ستُوظَّف بعد عشر سنوات. فالبيانات التي تبدو اليوم بريئةً عن ساعات نومك قد تصير غداً في يد شركة تأمينٍ تُسعّر بها مخاطرك، أو جهةٍ تستدلّ بها على ما لم تُفصح عنه قطّ.
ولعلّ الوجه الأخطر في هذه الشبكة المتشابكة أنّ ضعفها يكمن في أصغر حلقاتها. فحين تتّصل عشرات الأجهزة في المنزل بشبكةٍ واحدة، يصير كلّ جهازٍ منها باباً محتملاً للاختراق؛ فمصباحٌ ذكيٌّ رخيصٌ مهمَلُ التحديث قد يكون الثغرة التي ينفذ منها المعتدي إلى الكاميرا والقفل والخزنة. وقد سجّل العالم بالفعل هجماتٍ سيبرانيةً ضخمة جنّدت فيها برمجياتٌ خبيثة ملايين الأجهزة المنزلية البسيطة لتشنّ بها هجماتٍ تعطّل خدماتٍ كبرى عبر القارات، فإذا بكاميرا مراقبةٍ منسيّةٍ في بيتٍ ناءٍ تصير جندياً في جيشٍ رقميٍّ لا يعرف صاحبها أنّه جُنّد فيه. وهنا تتّضح المفارقة: كلّما زادت ذكاء البيئة من حولنا، اتّسعت رقعة ما يمكن أن يُختَرق فيها. ويرى الكاتب أنّ الوهم الأكبر الذي يقع فيه المستهلك هو ظنّه أنّ بيته حصنٌ خاصّ، بينما هو في حقيقته عقدةٌ في شبكةٍ كونيةٍ مفتوحة، يكفي أن تنهار أضعف حلقةٍ فيها ليتداعى الأمان كلّه.
ومع ذلك، يجانب الصواب من يقف عند المخاوف وحدها، فالمنافع جسيمةٌ ولا تُنكَر. ففي مجال الطاقة، أثبتت الشبكات الكهربائية الذكية التي تجمع بين المستشعرات والتحليل قدرتها على موازنة الأحمال وتقليص الهدر، حتى أشارت تقارير منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ إدارة الطلب الذكية قد توفّر نسباً معتبرة من استهلاك الطاقة في المباني. وفي الرعاية الصحية، صارت الأجهزة القابلة للارتداء ترصد القلب والنوم والحركة على مدار الساعة، فتنبّه إلى خللٍ قبل أن يستفحل، وتمنح الطبيب صورةً متّصلة عن مريضٍ لم يكن يراه إلا دقائق في العيادة. وفي المدن، تتيح المستشعرات الموزّعة إدارة المرور والمياه والنفايات بكفاءةٍ لم تكن ممكنة. لكنّ الكاتب يرى أنّ هذه المنافع نفسها تحمل في طيّاتها فخّاً، إذ تجعلنا نعتاد تفويض القرار للآلة في تفاصيل حياتنا الحميمة حتى نفقد تدريجاً عادة التفكير فيها، فيضمر فينا ما يضمر من العضلات حين لا تُستعمل. فمن اعتاد أن يُذكّره بيته بكلّ شيء قد ينسى كيف يتذكّر، ومن وكّل التدبير كلّه إلى آلةٍ قد يفقد ملكة التدبير نفسها.
وفي السياق العربي، تتّخذ القضية بعداً استراتيجياً لا مجرّد رفاهيةٍ استهلاكية. فمشروع نيوم ومدينته «ذا لاين» في المملكة العربية السعودية يقومان في جوهرهما على فكرة المدينة المعرفية المؤتمتة، حيث تتولّى منظومةٌ من المستشعرات والذكاء الاصطناعي إدارة الخدمات بلا تدخّلٍ بشريٍّ ظاهر. وقد جعلت رؤية السعودية 2030 من المدن الذكية والبنية الرقمية ركيزةً للتحوّل، إدراكاً بأنّ من يملك بنية الاستشعار والتحليل يملك مفاتيح اقتصاد المستقبل. ويرى الكاتب أنّ التحدّي الأعمق أمام المنطقة العربية ليس في استيراد هذه الأجهزة ونشرها، فهذا أيسر ما في الأمر، بل في امتلاك السيادة على البيانات التي تتدفّق منها؛ فمن ينشر الأجهزة ويسلّم بياناتها لغيره لم يبنِ مدينةً ذكية، وإنّما بنى محطّةً تجمع لحساب آخرين، تماماً كما لا يُغني الذي يحرث الأرض شيئاً إن كان غيره يجني الثمر. والسيادة الرقمية ههنا ليست شعاراً، بل هي القدرة على أن تُخزَّن بيانات المواطن وتُعالَج داخل الحدود، وأن تُصاغ القرارات المبنية عليها بأيدٍ وطنيةٍ تعي خصوصية المكان وأهله.
وأمّا الركائز العملية لمن أراد أن يبني هذه البيئات بحكمة، فأوّلها أن يُصمَّم الأمان من الجذر لا أن يُضاف ترقيعاً بعد الانكشاف، بحيث يكون كلّ جهازٍ مُحصّناً منذ ولادته. وثانيها أن تُعتمد الحوسبة الطرفية ما أمكن، فتُعالَج البيانات الحسّاسة قرب مصدرها ولا تُرسل إلى البعيد إلا ما لا بدّ منه، صوناً للخصوصية وتقليلاً لزمن الاستجابة. وثالثها أن تكون الشفافية أصلاً لا استثناءً، فيعرف الساكن أيّ بياناته تُجمع وإلى أين تذهب ومن يطّلع عليها، بلغةٍ يفهمها لا بنصوصٍ قانونيةٍ لا تُقرأ. ورابعها أن يُحتفظ للإنسان بسلطة التعطيل، فلا يكون أسيراً لمنظومةٍ لا يستطيع إيقافها، إذ إنّ الذكاء الحقّ في التصميم هو الذي يُبقي زمام القرار في يد صاحب البيت لا في يد الآلة. وخامسها أن يُسنّ من التشريعات ما يحمي الفرد من جشع جمع البيانات بلا حدّ، فالسوق وحده لا يكبح نفسه، والقانون الحكيم وحده يصون التوازن بين منفعة الابتكار وحرمة الإنسان.
إنّ ما يجري ليس مجرّد إضافة ذكاءٍ إلى الأشياء، بل إعادة تعريفٍ لعلاقتنا بالمكان الذي نحيا فيه. لقد كان البيت عبر التاريخ ملاذاً نختبئ فيه من عيون العالم، فإذا به اليوم يتحوّل إلى أكثر الأمكنة قدرةً على رؤيتنا. والسؤال الذي يطرحه الكاتب في الختام ليس عمّا إذا كانت هذه البيئات الذكية ستعمّ، فهي عامّةٌ لا محالة، بل عمّا إذا كنّا سنبنيها لتخدمنا أم لتدرسنا. فالجهاز الذي يضيء غرفتك حين تدخل قد يكون خادماً وفيّاً يخفّف عنك عناء الحياة، وقد يكون رقيباً صامتاً يجمع عنك ما لا تعرف أنّك تبوح به. والفارق بين الحالين لا تصنعه التقنية، فهي محايدةٌ في ذاتها، وإنّما تصنعه الإرادة التي توجّهها والحكمة التي تضبطها. فالأشياء التي حولنا صارت تفكّر، والسؤال الباقي هو: هل سنظلّ نحن نفكّر معها، أم سندعها تفكّر بدلاً منّا حتى ننسى كيف نفكّر؟