شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية

حين يكتب عنك حسابٌ لم تفتحه، ويردّ نيابةً عنك صوتٌ لم تنطقه، ويعرض المعلنون سلوكاً لم تأتِه بعد، فمن هو ذاك الذي يحمل اسمك في الفضاء الافتراضي: أنت، أم الخوارزمية التي صارت تعرفك أكثر مما تعرف نفسك؟

ليست المسألة ترفاً نظرياً يشغل الفلاسفة وحدهم، بل صارت معضلةً يومية يعيشها كلّ من يملك هاتفاً. فالهوية الرقمية لم تعد مجرّد اسمٍ وكلمةِ مرور، بل غدت ظلاً كاملاً يُبنى من فُتات سلوكنا: ما نشتريه، وأين نتوقّف بأبصارنا على الشاشة، وكم ثانيةً نتردّد قبل أن نضغط. ومن هذا الفُتات تنسج النماذج التوليدية نسخةً منّا قد تتنبّأ بقرارنا قبل أن نتّخذه.

ويرى الكاتب أنّ ما يجري ليس تمثيلاً محايداً لذواتنا، بل إعادةَ تأليفٍ لها وَفق منطقٍ تجاريٍّ لا يعنيه من نقول إلا ما يمكن قياسه وبيعه. وقد نبّهت الباحثة شوشانا زوبوف من جامعة هارفارد، في تحليلها لما سمّته «رأسمالية المراقبة»، إلى أنّ التجربة الإنسانية ذاتها صارت مادةً خاماً تُستخرَج وتُحوَّل إلى تنبّؤاتٍ سلوكية تُباع في سوقٍ لا نراه، فلم يعد المُنتَج هو ما نشتريه، بل صرنا نحن المُنتَج.

ويرى الكاتب أنّ ما يجري ليس تمثيلاً محايداً لذواتنا، بل إعادةَ تأليفٍ لها وَفق منطقٍ تجاريٍّ لا يعنيه من نقول إلا ما يمكن قياسه وبيعه. وقد نبّهت الباحثة شوشانا زوبوف من جامعة هارفارد، في تحليلها لما سمّته «رأسمالية المراقبة»، إلى أنّ التجربة الإنسانية ذاتها صارت مادةً خاماً تُستخرَج وتُحوَّل إلى تنبّؤاتٍ سلوكية تُباع في سوقٍ لا نراه، فلم يعد المُنتَج هو ما نشتريه، بل صرنا نحن المُنتَج.

وحتى نفهم عمق هذا التحوّل، يحسن أن نعود إلى جذر السؤال الفلسفي عن الهوية. فالإنسان، منذ القدم، عرّف نفسه بالاتصال والذاكرة: أنا هو من يتذكّر أمسه ويعد بغده. لكنّ الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أضاء جانباً مهملاً حين ميّز بين هويةٍ نملكها كأشياء ثابتة، وهويةٍ نرويها كحكايةٍ متّصلة عن أنفسنا؛ فنحن، في جوهرنا، سَرديّةٌ نحكيها لا قائمةُ صفاتٍ نمتلكها. والخطر الذي تطرحه الخوارزمية أنها انتزعت منّا حقّ روايتنا، فصارت هي الراوي الخفيّ الذي يقرّر أيّ فصولٍ من حكايتنا تُعرَض وأيّها يُطوى. ولم يعد التمثيل الرقميّ انعكاساً لنا في مرآة، بل صار صورةً يرسمها غيرنا بناءً على ما يخدم أهدافه، ثم يعيدها إلينا فنحسبها وجهنا الحقيقيّ.

ومن هذا الجذر تنبثق ظاهرةٌ تتسارع اليوم: «التوائم الرقمية»، تلك النسخ الحاسوبية التي تحاكي كياناً واقعياً بدقّةٍ تتيح التنبّؤ بسلوكه ومحاكاته. وقد وُلد المفهوم في الأصل ميدان الهندسة والصناعة، إذ تبنّته وكالة ناسا لمحاكاة سلوك المركبات الفضائية قبل إطلاقها، ثم اتّسع ليشمل المدن والمصانع والأعضاء البشرية. غير أنّ القفزة المقلقة جاءت حين انتقل من محاكاة الآلات إلى محاكاة البشر. فقد كشفت دراسةٌ أجراها باحثون في جامعة ستانفورد بالتعاون مع غوغل ديب مايند أنّ مقابلةً نصّيةً لا تتجاوز ساعتين كانت كافيةً لبناء «وكيلٍ» يحاكي مواقف الإنسان وآراءه بدقّةٍ تقارب الخمسة والثمانين في المئة من اتّساق الشخص مع نفسه عبر الزمن. فإذا كان جزءٌ يسيرٌ من حديثنا يكفي لاستنساخ مواقفنا، فأيّ خصوصيةٍ تبقى لذواتنا الداخلية؟ ولا يقف الأمر عند المحاكاة اللحظية، بل يتعدّاه إلى ما هو أبعد أثراً؛ فقد بات بإمكان هذه النماذج أن تستنبط من بياناتٍ ظاهريّةٍ بريئة سماتٍ شديدة الخصوصية لم يُفصِح عنها صاحبها قطّ، من ميوله العاطفية إلى حالته النفسية وقناعاته السياسية. وهنا يتولّد ما يمكن تسميته «الهوية المُستنتَجة»، وهي صورةٌ عنّا لم نُسهم في رسمها ولا نملك الاطّلاع عليها، تتّخذها المنصّات أساساً لمعاملتنا. ويرى الكاتب أنّ هذا النوع من الهوية أخطر من المسروقة، لأنّ المسروقة تبقى لنا في الأصل، أمّا المُستنتَجة فتُولَد خارجنا ثم تُفرَض علينا، فنُحاسَب على أساس ذاتٍ لم نختر أن نكونها.

شاطئ الجبيل وهنا يبرز البُعد الأكثر إثارةً للقلق، وهو البُعد النفسيّ. فالعلاقة بين الإنسان وتوأمه الرقميّ ليست علاقةً بريئة. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في الأمر ليس أن تسرق الخوارزمية بياناتنا، بل أن تعيد تشكيل تصوّرنا عن أنفسنا. فحين نرى نسختنا الرقمية تتصرّف على نحوٍ معيّن، نميل لا شعورياً إلى مطابقتها، فتتحوّل المرآة إلى قالب. وقد رصدت أبحاثٌ في مختبر التفاعل الإنساني الافتراضي بجامعة ستانفورد، بقيادة الباحث جيريمي بيلنسون، ما سُمّي «أثر بروتيوس»: نزوع الإنسان إلى تبنّي سلوكٍ يطابق سمات شخصيّته الرقمية، حتى بعد أن يغادر العالم الافتراضي. أي أنّ تمثيلنا الرقميّ لا يصفنا فحسب، بل يبدأ في صناعتنا. ومع التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يتعمّق هذا الأثر، إذ نواجه كياناً يحمل وجهنا وصوتنا ويتّخذ قراراتٍ بدلاً عنّا، فيتآكل الحدّ الفاصل بين من نكون ومن تظنّ الآلة أننا نكون. ويزداد هذا الالتباس عمقاً مع جيلٍ نشأ منذ نعومة أظفاره داخل المنصّات، فلم يعرف ذاتاً سابقةً على تمثيلها الرقميّ ليقارن بينهما. فبينما كان الإنسان فيما مضى يكوّن صورته عن نفسه أوّلاً ثم يعرضها على العالم، صار الناشئ اليوم يبني صورته الذاتية انطلاقاً مما يلقى به العالم الرقميّ من إعجابٍ ورفض. وقد رصدت دراساتٌ نفسية متلاحقة ارتباطاً بين الانغماس في الهويات المنسَّقة على المنصّات وبين تصاعد القلق وهشاشة تقدير الذات، إذ يجد الإنسان نفسه في سباقٍ دائمٍ مع نسخةٍ مثالية منه لا وجود لها إلا في الخوارزمية. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما يفعله هذا التمثيل أنه يقلب ترتيب الوجود، فيجعل الانعكاس أصلاً والإنسان صدى له، حتى يقيس المرء قيمة لحظاته الحقيقية بمقدار صلاحيتها للعرض، فيعيش حياته نيابةً عن صورته بدل أن تعيش صورته خادمةً لحياته.

شاطئ الجبيل والمفارقة المؤلمة أنّ صناعة هذه النسخ تُسوَّق بوصفها تحريراً، بينما هي في عمقها قيدٌ ناعم. فحين تتولّى الخوارزمية تمثيلنا، تختزل ثراءنا الإنسانيّ المتناقض إلى نمطٍ قابلٍ للتنبّؤ. والإنسان، في حقيقته، كائنٌ يفاجئ نفسه ويناقض أمسه ويتغيّر بلا سبب؛ أمّا التوأم الرقميّ فمصمَّمٌ على افتراض أنّ الماضي يتنبّأ بالمستقبل. ويرى الكاتب أنّ في هذا الافتراض عنفاً خفيّاً ضدّ حريّتنا، إذ يسجننا في صورةٍ من ماضينا ويحرمنا حقّ أن نكون غير ما كنّا. وقد حذّر تقرير المنتدى الاقتصادي العالميّ حول مستقبل الهويات الرقمية من أنّ تركيز القدرة على تعريف الأفراد في أيدي قلّةٍ من المنصّات يهدّد التوازن بين الأمان والخصوصية والاستقلال الذاتيّ، وأنّ الهوية الرقمية حقٌّ يجب أن يملكه صاحبه لا أن يُؤجَّر له.

ويتّخذ هذا الجدل بُعداً وجودياً حين نتأمّل مصير الهوية بعد الموت. فالتوأم الرقميّ قد لا يفنى بفناء صاحبه، بل قد يُبعَث وكيلاً يحاكي الراحلين، يحادث ذويهم بصوتهم وأسلوبهم، فيُربك حدودنا الراسخة بين الحاضر والغائب، وبين الذاكرة والوهم. وقد أثارت تجارب روبوتات الحزن التي تحاكي المتوفّين أسئلةً أخلاقية عميقة عن حقّ الإنسان في أن يُترَك ماضيه وشأنه، وعن مدى أمانة نسخةٍ تنطق بلسانه دون أن تملك روحه. ويرى الكاتب أنّ في استمرار التمثيل الرقميّ بعد غياب الأصل تجاوزاً لحرمة الإنسان، إذ يتحوّل من ذاتٍ حيّةٍ تتغيّر إلى صورةٍ جامدةٍ تُستهلَك، فيُسلَب حتى حقّه في النسيان.

ولعلّ أعمق الأسئلة هنا سؤال المسؤولية. فإذا تصرّف توأمي الرقميّ، أو وكيلي الخوارزميّ، تصرّفاً يُلحق ضرراً، فمن يتحمّل التبعة؟ هذا ما يسمّيه الباحثون «فجوة المسؤولية»، حين يصير الفعل بلا فاعلٍ واضح. وقد نبّهت أطرٌ أخلاقية صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى ضرورة أن تظلّ أنظمة الذكاء الاصطناعي خاضعةً للمساءلة البشرية وقابلةً للتفسير، وألّا يكون القرار المؤثّر في حياة الإنسان قراراً تتّخذه آلةٌ في عتمةٍ خوارزمية. غير أنّ الواقع التقنيّ يتقدّم أسرع من الأطر الناظمة له، فنجد أنفسنا أمام وكلاء رقميين يتفاوضون ويشترون ويوقّعون نيابةً عنّا، دون أن نملك دائماً وضوحاً عمّا فوّضناه إليهم.

ويميل الخطاب السائد إلى تصوير هذا المسار بوصفه قدراً محتوماً، وكأنّ الذوبان في الفضاء الافتراضيّ مصيرٌ لا فكاك منه. لكنّ الكاتب يرى أنّ هذا التسليم ذاته هو الفخّ الأكبر، وأنّ المعركة الحقيقية ليست ضدّ التقنية، بل من أجل استعادة ملكيّتنا لذواتنا الرقمية. فالهوية ليست بياناتٍ تُجمَع، بل سيادةٌ تُمارَس. ومن هنا تتّضح ركائزُ عمليةٌ لا غنى عنها. أولاها أنّ على الفرد أن ينتقل من الاستهلاك السلبيّ إلى الوعي النقديّ، فيدرك أنّ كلّ تفاعلٍ يترك أثراً يُغذّي نسخةً منه لا يراها. وثانيتها أنّ ملكية البيانات يجب أن تعود إلى أصحابها عبر أطرٍ تشريعية تجعل الموافقة حقيقيةً لا شكلية، وتمنح الإنسان حقّ معرفة توأمه الرقميّ وتعديله وحذفه. وثالثتها أنّ التعليم الرقميّ ينبغي أن يصير مهارةً أساسية كالقراءة والكتابة، تُدرَّس للناشئة حتى يميّزوا بين ذواتهم الحقيقية وأطيافها المصنوعة. ورابعتها أنّ تصميم هذه الأنظمة يجب أن يقوم على مبدأ «الشفافية بالتصميم»، بحيث يعرف المستخدم متى يخاطب إنساناً ومتى يخاطب وكيلاً يحاكيه.

وفي السياق العربيّ، يكتسب هذا النقاش إلحاحاً مضاعفاً. فاللغة العربية والثقافة الإسلامية ما تزالان ضعيفتي الحضور في البيانات التي تُغذّي هذه النماذج، ما يعني أنّ التوائم الرقمية للعربيّ كثيراً ما تُبنى على فهمٍ ناقصٍ لسياقه وقيمه. ومن هنا تأتي أهمية ما تتبنّاه رؤية المملكة العربية السعودية 2030 من بناء قدرةٍ سياديّة في الذكاء الاصطناعي والبيانات، فمن لا يصنع النموذج الذي يمثّله سيُمثَّل بنموذجٍ صنعه غيره وَفق قيم غيره. ويرى الكاتب أنّ الهوية الرقمية للأمّة ليست أقلّ خطراً من هويتها الفردية، وأنّ السيادة الحقيقية في القرن الحالي تمرّ عبر امتلاك القدرة على تعريف الذات رقمياً قبل أن يعرّفها سواها.

يبقى السؤال الأخير معلّقاً كنصلٍ فوق رؤوسنا: حين يصبح في وسع الآلة أن تحاكينا بدقّةٍ تخدع أقرب الناس إلينا، فما الذي يبقى ليجعلنا فريدين لا يُستنسخون؟ لعلّ الجواب لا يكمن في البيانات التي يمكن قياسها، بل في ذلك الفائض الإنسانيّ الذي يأبى القياس: في قدرتنا على التناقض والندم والتوبة وإعادة ابتكار الذات. فالخوارزمية تُجيد التنبّؤ بما سنفعله امتداداً لما فعلناه، لكنها تعجز عن استيعاب لحظة التحوّل التي يقرّر فيها الإنسان أن يكون غير ما كان. ويرى الكاتب أنّ مستقبل الهوية لن يُحسَم في صراعنا مع الآلة، بل في وعينا بأنّ التمثيل ليس هو الأصل، وأنّ من يملك حكاية نفسه لا تملكه خوارزميةٌ مهما بلغت دقّتها. فالمعركة القادمة ليست على من يصنع أذكى توأمٍ رقميّ، بل على من يبقى، خلف كلّ تمثيلٍ وانعكاس، إنساناً حرّاً يعرف أنّ صورته في الفضاء الافتراضيّ ظلٌّ له، لا هو ظلٌّ لها. فهل نملك من الوعي بقدر ما تملك الآلة من الذاكرة؟