شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والهوية الثقافية

حين تطلب من نموذجٍ لغويٍّ أن يكتب لك قصيدةً عن الفراق، فيصوغها لك بإيقاعٍ سلسٍ وصورٍ أنيقة، هل خطر لك أن تسأل: بأيّ لسانٍ يفكّر هذا الكائن قبل أن يترجم لك جوابه إلى العربية؟ المفارقة التي قلّما نتوقّف عندها أنّ معظم ما يُسمّى اليوم «ذكاءً عالمياً» إنما وُلد في مختبراتٍ بعينها، وتغذّى على نصوصٍ بلغةٍ بعينها، وتشرّب من غير قصدٍ منظومةً من القيم والاستعارات والبداهات تنتمي إلى ثقافةٍ بعينها، ثم انطلق ليخاطب البشرية جمعاء كأنّه مرآةٌ محايدة. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يقضّ مضجع كلّ من يحرص على خصوصيّته الثقافية: هل نحن أمام أداةٍ ستثري تنوّع العالم، أم أمام آلةٍ هائلةٍ للصهر الناعم تذيب الفوارق وتعيد تشكيلنا جميعاً على صورةٍ واحدة؟

ولفهم خطورة المسألة لا بدّ من تفكيك ما يجري في باطن هذه النماذج. فالنموذج اللغوي لا يولد من فراغ، وإنما يُدرَّب على كمٍّ هائلٍ من النصوص المتاحة على الشبكة، وهذه النصوص ليست موزّعةً بالعدل بين لغات الأرض وثقافاتها، بل تهيمن عليها الإنجليزية هيمنةً ساحقة. وقد أشارت دراساتٌ صادرةٌ عن جهاتٍ بحثيةٍ مرموقة، من بينها ما رصده باحثون في جامعة ستانفورد ضمن تقاريرها السنوية عن مؤشر الذكاء الاصطناعي، إلى أنّ الحصّة الكبرى من بيانات التدريب تنحدر من مصادر أنجلوفونية، بينما تبقى لغاتٌ يتحدّث بها مئات الملايين ممثَّلةً تمثيلاً هزيلاً. والنتيجة أنّ النموذج لا يتعلّم اللغة وحدها، بل يتعلّم معها زاوية النظر إلى العالم التي تحملها تلك اللغة؛ فحين يصوغ مفهوم «النجاح» أو «الأسرة» أو «الكرامة»، فإنه يستدعي في الأغلب الدلالة الغربية لها، لا الدلالة التي يفهمها فلاحٌ في صعيد مصر أو تاجرٌ في حضرموت أو بدويٌّ في نفود الجزيرة.

وهنا يرى الكاتب أنّ الخطر الحقيقي ليس في أن تتكلّم الآلة لغتنا بركاكة، بل في أن تتكلّمها بطلاقةٍ مخادعة. فالركاكة تنبّهنا إلى غربة الأداة فنحترس، أمّا الطلاقة فتخدّر حذرنا وتمرّر إلينا، تحت غطاء لغتنا الأمّ، منظومةً من المسلّمات لم نخترها. وقد نبّهت الباحثة كيت كروفورد في كتابها عن «أطلس الذكاء الاصطناعي» إلى أنّ هذه النظم ليست محايدةً ولا موضوعية، بل هي تجسيدٌ لمصالح من صنعها وقيمهم، وأنّ ادّعاء الحياد هو ذاته موقفٌ أيديولوجي. وفي السياق ذاته حذّرت اليونسكو، في توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي أقرّتها الدول الأعضاء، من أنّ التنوّع الثقافي واللغوي مهدَّدٌ حين تتركّز قوّة إنتاج هذه التقنيات في حفنةٍ من الفاعلين، ودعت صراحةً إلى صون التعدّدية بوصفها ثروةً للبشرية لا عبئاً يُراد تنميطه. وليست المسألة هنا ترفاً فكرياً يخصّ النخبة، بل هي قضيّةٌ تمسّ الطفل حين يسأل المساعد الرقميّ عن معنى عيدٍ من أعيادنا فيجيبه بجوابٍ مبتورٍ مشوّه، وتمسّ الطالب حين يستعين بالآلة في بحثه فتقوده إلى مراجع لا تعرف من تاريخه إلا فتاتاً.

غير أنّ الصورة ليست قاتمةً على إطلاقها، وهنا تكمن المفارقة الثانية الأعمق. فالأداة نفسها التي تهدّد بالصهر تحمل في طيّاتها إمكان الإحياء. ذلك أنّ الترجمة الآلية، حين تنضج، تتيح لنصٍّ عربيٍّ أن يصل إلى قارئٍ في طوكيو دون أن يفقد الكثير من روحه، وتتيح لتراثٍ شفويٍّ كاد يندثر أن يُوثَّق ويُحلَّل ويُعاد بثّه. وقد بيّنت أبحاثٌ في مختبرات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وفي مجموعاتٍ بحثيةٍ بجامعة هارفارد تُعنى باللغويات الحاسوبية، أنّ النماذج الحديثة باتت قادرةً على تعلّم اللغات قليلة الموارد إذا ما توافرت لها بياناتٌ منسّقةٌ بعناية. وبهذا يصبح السؤال الجوهري ليس «هل تذيبنا الآلة؟» بل «من يملك زمام تدريبها؟»؛ فالتقنية في ذاتها صفحةٌ بيضاء، والذي يحدّد إن كانت ستكتب عليها قصّة طمسٍ أم قصّة ازدهار هو من يمسك القلم. ولنا في تجارب أممٍ أخرى عبرة؛ فالأمم التي بادرت إلى تغذية النماذج بتراثها، من اليابان إلى كوريا، وجدت أنّ الآلة صارت حليفاً يحفظ موروثها بدل أن يطمسه، لا لأنّ التقنية تحيّزت لها، بل لأنّها هي من أطعمتها لسانها.

شاطئ الجبيل ولعلّ أخطر ما في الأمر بُعدٌ يغفل عنه كثيرٌ من المتحمّسين، وهو ما يمكن تسميته «التنميط الجمالي». فحين يتدرّب مولّد الصور على ملايين اللوحات والصور الفوتوغرافية، ثم يُطلب منه أن يرسم «مدينةً جميلة» أو «امرأةً أنيقة» أو «وليمةً فاخرة»، فإنه يعيد إنتاج معيار الجمال الأغلب حضوراً في بياناته، وهو في الغالب معيارٌ غربيّ المنشأ. وهكذا تتسلّل إلى وعينا البصريّ، جيلاً بعد جيل، صورةٌ نمطيّةٌ لما ينبغي أن يكون جميلاً، فتنزوي العمارة الطينية في نجد، والزخرفة الإسلامية في الأندلس، والأزياء التقليدية في عسير، لتحلّ محلّها قوالب مكرّرة. ويرى الكاتب أنّ هذا التنميط البصريّ أشدّ فتكاً من نظيره اللغوي، لأنّه يعمل في منطقةٍ ما قبل الكلام، حيث يتشكّل الذوق والانتماء قبل أن يصوغهما العقل في عبارات. فالكلمة يمكن أن نجادلها ونردّ عليها، أمّا الصورة فتتسرّب إلى الوجدان من حيث لا نحتسب، وتعيد رسم ما نظنّه جميلاً قبل أن نملك أدوات الاعتراض.

شاطئ الجبيل ومن زاويةٍ أخرى مخالفةٍ للسائد، يرى الكاتب أنّ الحديث عن «توحّد ثقافات العالم تحت مظلةٍ رقميةٍ واحدة» ينطوي على مغالطةٍ خفيّة، إذ يفترض أنّ التوحّد قدرٌ حتميٌّ بينما هو في الحقيقة خيارٌ سياسيٌّ واقتصادي. فالعولمة الرقمية لا تسير في اتجاهٍ واحدٍ لا محالة؛ بل إنّ التاريخ يشهد أنّ كلّ موجة تنميطٍ ولّدت في مقابلها موجةً مضادّةً من التشبّث بالخصوصية. وقد لاحظ مفكّرون في حقل الاقتصاد السياسي، وأشار إليه تقريرٌ للمنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف والمهارات، أنّ المجتمعات التي تستثمر في محتواها المحليّ وتنتج معرفتها بلسانها تكتسب مناعةً أمام الذوبان، بينما المجتمعات المستهلِكة وحدها هي التي تذوب. فالمسألة إذاً ليست قدراً مكتوباً، وإنما محصّلة قراراتٍ نتّخذها أو نتقاعس عنها. وما يجري اليوم في العالم من صعود نزعاتٍ تطالب بسيادةٍ رقميةٍ وطنية، من بروكسل إلى الرياض إلى نيودلهي، إنّما هو دليلٌ على أنّ شعوب الأرض لم تستسلم لفكرة المظلّة الواحدة، بل أخذت تبني مظلّاتها الخاصّة تحت سماءٍ واحدة.

وانطلاقاً من ذلك تتّضح ركائز عمليّةٌ لمن أراد أن يحوّل التهديد إلى فرصة. أولاها بناء «الثروة اللغوية الرقمية»، أي رقمنة التراث العربي شعراً ونثراً وفقهاً وتاريخاً وتفريغه في صيغٍ قابلةٍ للمعالجة، حتى تجد النماذج ما تتغذّى عليه من معيننا لا من معين غيرنا. وثانيتها تطوير نماذج عربيةٍ أصيلةٍ تُدرَّب بإشرافٍ محليٍّ يراعي القيم والسياق، لا مجرّد واجهاتٍ تترجم مخرجات نماذج أجنبية. وثالثتها ترسيخ «السيادة على البيانات» بوصفها امتداداً طبيعياً للسيادة الوطنية، فمن يملك بيانات أمّةٍ يملك القدرة على تشكيل وعيها. ورابعتها الاستثمار في الكفاءات البشرية التي تجمع بين إتقان التقنية وعمق الانتماء، فالأداة بلا عقلٍ يوجّهها تبقى سلاحاً ذا حدّين. وخامستها تربية وعيٍ نقديٍّ لدى المستخدم العاديّ، يجعله يتعامل مع مخرجات الآلة بوصفها رأياً قابلاً للمساءلة لا حكماً منزّهاً عن الخطأ. وهنا تتقاطع هذه الركائز تقاطعاً طبيعياً مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي جعلت من الهوية الوطنية ومن الريادة في التقنية هدفين متلازمين لا متنافرين، وأطلقت مبادراتٍ لبناء نماذجٍ عربيةٍ ومراكز بياناتٍ سياديةٍ تنبع من هذا الإدراك بالذات، إيماناً بأنّ من لا ينتج تقنيته بلسانه سيُكتب عليه أن يستوردها بقيم سواه.

ولا يفوت الكاتب أن ينبّه إلى أنّ صون الهوية لا يعني الانغلاق، فهذه مغالطةٌ ثالثة. فالثقافة الحيّة هي التي تتفاعل وتأخذ وتعطي دون أن تفقد مركزها، تماماً كما فعلت الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبيّ حين ترجمت علوم اليونان والفرس والهند ثم تجاوزتها فأبدعت. والمطلوب اليوم ليس أن نغلق الباب على الذكاء الاصطناعي، بل أن نجلس على طاولة صناعته لا على مقعد استهلاكه فحسب. ولعلّ ما رصدته منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تحليلاتها لسياسات الذكاء الاصطناعي يؤكّد أنّ الدول التي شرّعت مبكّراً وأطّرت هذا المجال بقيمها هي التي ستملك القدرة على توجيهه، أمّا المتأخّرون فسيُكتب لهم أن يعيشوا داخل قوالب صاغها سواهم. وقد ذهب باحثون في جامعة أكسفورد، ضمن دراساتهم لحوكمة التقنيات الناشئة، إلى أنّ معركة الهوية في القرن الحادي والعشرين لن تُخاض في ساحات السياسة وحدها، بل في بنية الخوارزميات التي تتوسّط بيننا وبين العالم، وأنّ من يغيب عن صياغة هذه البنية يغيب عن صياغة مستقبله.

ومن الأبعاد التي يندر التوقّف عندها أنّ الخطر لا يطال المضمون وحده، بل يطال بنية اللغة ذاتها. فحين يعتاد جيلٌ كاملٌ أن تُصاغ له النصوص آلياً، تتسرّب إلى عربيّته تراكيب مترجَمةٌ عن الإنجليزية، وأساليب صياغةٍ غريبةٌ عن سليقتها، حتى تغدو الفصحى التي نقرؤها هجيناً باهتاً لا هو بالعربيّ الأصيل ولا بالأعجميّ الصريح. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما يصيب لساناً ليس أن يُهجر، بل أن يبقى مستعملاً وقد فُرّغ من روحه؛ فاللغة وعاء فكرٍ قبل أن تكون أداة تخاطب، ومن استعار قوالب غيره في التعبير استعار معها، شاء أم أبى، طرائق غيره في الإحساس والتفكير. وهنا يتبدّى أنّ صون العربية في وجه الآلة ليس قضيّةً نحويّةً تعني اللغويّين وحدهم، بل قضيّة وجودٍ ثقافيٍّ تعني كلّ من يحرص أن يبقى لأمّته صوتٌ متميّزٌ بين أصوات العالم.

على أنّ ثمّة بُعداً يبعث على التفاؤل المشروط، وهو أنّ هذه التقنية، خلافاً لموجات التغريب السابقة، تتيح لأوّل مرّةٍ أن يكون الفعل بأيدينا لا ردّ الفعل وحده. فمن قبل كنّا نستقبل السينما والتلفاز والشبكة جاهزةً مصبوبةً بقوالب سواها، أمّا اليوم فبوسع فريقٍ عربيٍّ نابهٍ أن يبني نموذجاً يتنفّس لغتنا، ويعرف أنّ «الكرم» عندنا فضيلةٌ لا تبذير، وأنّ «الجار» في وجداننا قرابةٌ لا مجرّد سكنٍ متجاور. هذه الإمكانية، لو أُحسن استثمارها، تقلب المعادلة من دفاعٍ عن الهوية إلى هجومٍ ينشرها؛ فبدل أن نخشى أن تذيبنا الآلة، نجعلها سفيراً يحمل سرديّتنا إلى العالم بلغاته كلّها، فيقرأ الياباني عن المتنبّي والألمانيّ عن ابن خلدون بترجمةٍ تحفظ النبض لا تقتله.

ويبقى السؤال الأخير معلّقاً كأفقٍ مفتوح: هل سيُذكر جيلنا بأنّه الجيل الذي سلّم مفاتيح وعيه لآلةٍ لا تعرف أمّه ولا جدّته ولا حكايات قريته، أم الجيل الذي علّم الآلة لغته فحفظت عنه ما كاد ينساه؟ إنّ الذكاء الاصطناعي ليس قدراً يُساق إلينا، بل مرآةٌ سنرى فيها، بعد حين، ما إن كنّا قد بذلنا الجهد لنبقى نحن، أم اكتفينا بأن نكون نسخةً باهتةً من سوانا. والرهان، في جوهره، ليس على الآلة، بل على وعينا بأنفسنا ونحن نصوغها؛ فالثقافات لا تموت حين تواجه التحدّي، وإنما تموت حين تتوهّم أنّ لا تحدّي يواجهها أصلاً. ولعلّ أنبل ما نطمح إليه أن نورّث أبناءنا آلةً تعرف من نحن، لأنّنا نحن من علّمها، فتكون امتداداً لذاكرتنا لا قبراً لها، وجسراً إلى الآخرين لا جدار عزلٍ بيننا وبين أنفسنا.