هل تُصدّق أن المقود الذي تقبض عليه يداك كل صباح، رمزَ السيطرة والحرية الفردية منذ قرنٍ كامل، قد يكون آخر سلاسلنا الطوعية لا أداة انعتاقنا؟ المفارقة أن البشرية التي اخترعت السيارة لتقهر المسافة وتختصر الزمن، أمضت قرناً تدفع ثمن اختراعها دماً على الإسفلت واختناقاً في الزحام وهواءً مسموماً فوق المدن. واليوم تَعِدنا الآلة بأن تنتزع المقود من أيدينا لا لتسلبنا حريتنا، بل لتنقذنا من أخطائنا المتكرّرة، فيتحوّل الراكب من قائدٍ متوتّرٍ يصارع الطريق إلى مسافرٍ ينعم بوقته. غير أن هذا الوعد البرّاق يخفي وراءه سؤالاً لا يطرحه خطاب التسويق: حين تقودك السيارة دون أن تلمس مقودها، من الذي يقودها حقاً، وإلى أين، ووفق منطق من؟ فالتنازل عن المقود ليس فعلاً تقنياً محايداً، بل قرارٌ حضاريٌّ نُعيد به توزيع الثقة والمسؤولية بين الإنسان والخوارزمية.
لفهم عمق هذا التحوّل ينبغي العودة إلى جذره المعرفي. لم تكن القيادة الذاتية حلماً وليد اللحظة، بل تتويجٌ لتلاقي ثلاثة روافد نضجت متفرّقةً ثم التقت: حساسات الإدراك التي تمنح المركبة عيوناً ترى محيطها عبر الرادار والليدار والكاميرات، وخوارزميات التعلّم العميق التي تترجم سيل البيانات إلى قراراتٍ في أجزاء من الثانية، والبنية الحاسوبية التي تتيح معالجة هذا الكمّ الهائل آنياً. وقد جرى العرف على تصنيف القيادة الذاتية إلى مستوياتٍ متدرّجة، من المساعدة البسيطة للسائق إلى الاستقلال التام الذي تنتفي معه حاجة الإنسان للتدخّل. غير أن الفجوة بين المستويات الدنيا التي صارت اعتيادية والمستوى الأعلى الذي ما زال يراوغنا ليست فجوةً كمّيةً تُردم بمزيدٍ من البيانات، بل فجوةٌ نوعيةٌ تتعلّق بقدرة الآلة على التعامل مع المواقف النادرة غير المتوقّعة، تلك التي يسميها المهندسون الحالات الطرفية، حيث ينهار الاطّراد الإحصائي الذي تتغذّى عليه الخوارزميات أمام مفاجأة لم ترها في تدريبها قط.
تشير أبحاثٌ في مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن التحدّي الأصعب في القيادة الذاتية ليس إتقان الطريق السهل المتكرّر، بل التنبّؤ بسلوك البشر أنفسهم، إذ يظلّ المشاة والسائقون الآخرون أكثر عناصر المشهد المروري عشوائيةً وأقلّها قابليةً للنمذجة. وفي السياق نفسه، تبرز دراساتٌ منسوبة إلى جامعة هارفارد في مجال الصحة العامة والسلامة المرورية حقيقةً صادمة: إن الغالبية العظمى من حوادث المرور تُعزى إلى الخطأ البشري، من تهوّرٍ وتشتّتٍ وإرهاقٍ وقيادةٍ تحت التأثير. ومن هنا ينطلق الوعد الأخلاقي الأكبر للقيادة الذاتية، إذ تنبّه منظمة الصحة العالمية في تقاريرها حول السلامة على الطرق إلى أن وفيات حوادث المرور تحصد سنوياً أرواحاً تُعدّ بمئات الآلاف وتمثّل سبباً رئيسياً لوفاة الشباب حول العالم. يرى الكاتب أن جوهر القضية هنا لا يكمن في بهرجة التقنية، بل في معادلةٍ أخلاقيةٍ صريحة: إذا كان البشر هم مصدر الكارثة، فإن إزاحتهم عن موقع القرار قد تكون أعظم إنقاذٍ للأرواح في تاريخ النقل، شريطة أن تكون البديلة أكفأ لا مجرّد مختلفة.
غير أن المشهد ليس وردياً كما يصوّره خطاب الشركات. فالرواية السائدة تقدّم السيارة ذاتية القيادة كمخلّصٍ سيمحو الحوادث بضغطة زر، وهذه مبالغةٌ تستحقّ التفكيك. أولاً، إن نقل القرار من الإنسان إلى الآلة لا يلغي المعضلة الأخلاقية بل ينقلها إلى غرفة الاجتماعات: فحين تواجه الخوارزمية موقفاً يستحيل فيه تفادي الضرر، من تختار أن تحمي؟ تنبّه أبحاثٌ في حوكمة الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد إلى أن خطر هذه الأنظمة لا يكمن في تمرّدها، بل في طاعتها المفرطة لأهدافٍ صيغت صياغةً ناقصة، فالخوارزمية ستفعل بالضبط ما بُرمجت عليه، لا ما كنّا نتمنّى لو فكّرنا فيه. ثانياً، إن استبدال الخطأ البشري المتفرّق بخطأٍ برمجيٍّ مركزيٍّ يحمل خطراً جديداً: فعطبٌ في كود السائق الآلي قد لا يقتل راكباً واحداً، بل أسطولاً كاملاً يشترك في الثغرة ذاتها، فضلاً عن أن مركبةً موصولةً بالشبكة هي هدفٌ محتملٌ للاختراق، حيث تتحوّل أداة النجاة إلى سلاحٍ بأيدٍ خبيثة. يرى الكاتب أن أي حديثٍ عن سلامةٍ مطلقة يتجاهل هشاشة البرمجيات وقابليتها للاختراق إنما يبيع وهماً مطمئناً ويؤجّل الحساب إلى أول كارثةٍ منظومية.
وثمّة بُعدٌ أعمق نادراً ما يُطرح، وهو البعد الاجتماعي والاقتصادي للتحوّل. فالقيادة مهنةٌ تعيل ملايين الأسر حول العالم، من سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة إلى عمّال التوصيل، وانتقال المقود إلى الخوارزمية يهدّد بزلزالٍ في سوق العمل لا تكفي لمواجهته شعاراتُ إعادة التأهيل. تحذّر تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف من أن موجات الأتمتة تعيد تشكيل خريطة العمل بسرعةٍ تفوق قدرة المجتمعات على التكيّف، فتتركّز المكاسب لدى مالكي التقنية بينما يتحمّل العاملون كلفة الانتقال. وفي بُعدٍ آخر، تشير دراساتٌ في جامعة ستانفورد ضمن تقريرها السنوي عن مؤشرات الذكاء الاصطناعي إلى أن الانتشار الفعلي للقيادة الذاتية التامة ظلّ أبطأ بكثيرٍ من تنبّؤات المتحمّسين، إذ اصطدمت الوعود المتفائلة بصلابة الواقع وتعقيد الشوارع الحقيقية. يرى الكاتب أن خطر السيارة ذاتية القيادة الاجتماعي قد يسبق خطرها التقني، فالمجتمع الذي يخسر ملايين الوظائف قبل أن يبني شبكة أمانٍ بديلة سيدفع ثمن الكفاءة استقراراً، وهي مقايضةٌ نادراً ما تُحسب في عروض الشركات اللامعة. ولا يقف الأثر عند سوق العمل، بل يمتدّ إلى نسيج المدينة ذاتها وعلاقتنا بالمكان، فالسيارة الخاصة التي شكّلت عمران القرن العشرين بضواحيه المترامية وطرقه السريعة قد تتراجع لصالح أنماطٍ جديدة من التنقّل المشترك، ما يفتح باباً لإعادة تصوّر الفضاء الحضري برمّته، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالاً عن مصير من لا يملكون رفاهية مواكبة هذا التحوّل من كبار السنّ وذوي الدخل المحدود وسكّان الأطراف المهمّشة. فالتقنية التي تَعِد بديمقراطية التنقّل قد تنتهي، إن تُركت لمنطق السوق وحده، إلى تعميق الفجوة بين من يملك ومن لا يملك، فيصير الانعتاق من المقود امتيازاً جديداً لا حقّاً مشاعاً.
على أن الإنصاف يقتضي ألا ننزلق من نقد المبالغة إلى رفض الأداة. فالقيمة الحقيقية للقيادة الذاتية تتجلّى حين تُدار بحكمةٍ تستبق مخاطرها، وهنا تتبلور ركائز عملية تستحق التأمل. الركيزة الأولى أن يُعتمد التدرّج الحذر لا القفز المتهوّر، فتُختبر الأنظمة في بيئاتٍ محصورةٍ ومناخاتٍ متسامحة قبل إطلاقها في فوضى المدن المكتظّة. والركيزة الثانية أن تُفتح صناديق الخوارزميات السوداء أمام التدقيق المستقلّ، فلا يُقبل قرارٌ مصيريٌّ لمجرّد أن النظام رجّحه، بل يُطالب الصانع بتفسير المنطق وبتحمّل المسؤولية القانونية حين يُخطئ. والركيزة الثالثة أن تُدمج السلامة السيبرانية في صلب التصميم منذ اللحظة الأولى لا كإضافةٍ لاحقة، إذ إن مركبةً غير محصّنة هي خطرٌ متنقّل. والركيزة الرابعة، وهي الأعمق، أن يُعاد التفكير في النقل بوصفه منظومةً متكاملةً لا مجرّد مركبةٍ ذكية، فالمكسب الأكبر قد لا يأتي من سيارةٍ خاصةٍ تقود نفسها، بل من أساطيل نقلٍ مشتركٍ ذكيٍّ تقلّل عدد المركبات وتخفّف الزحام والانبعاثات معاً. والركيزة الخامسة أن تُصاغ أطرٌ تشريعيةٌ واضحة تسبق انتشار التقنية لا تلهث خلفه، تحدّد المسؤولية حين يقع الضرر، وتضبط جمع البيانات وحدوده، وتصون حقّ الإنسان في ألا يكون مجرّد نقطةٍ تُتعقّب على خريطةٍ تجارية. فالتجربة التاريخية تُعلّمنا أن التقنية حين تسبق التشريع تفرض أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه، فتُكتب القواعد بمنطق من سبق إلى السوق لا بمنطق من يحمي الصالح العام، ويظلّ المواطن وحده يدفع كلفة هذا التأخّر.
وفي السياق العربي تحديداً تكتسب هذه النقاشات إلحاحاً مضاعفاً. فالمنطقة التي تعاني من معدّلاتٍ مرتفعةٍ لحوادث الطرق تجد في القيادة الذاتية وعداً بإنقاذ الأرواح إن أُحسن توطينها، لا استيرادها كقالبٍ جاهز. يرى الكاتب أن التحدّي أمام صانع القرار العربي ليس شراء التقنية الجاهزة بأهدافها المضمرة، بل تغذيتها بمعطيات البيئة المحلية، من طبيعة الطرق وأنماط القيادة وثقافة المرور، حتى تولّد حلولاً تنتمي إلى واقعها لا تستنسخ شوارع مدنٍ بعيدة. فخوارزميةٌ دُرّبت على شوارعٍ منضبطةٍ ستتعثّر أمام واقعٍ أكثر سيولةً ومفاجأة، ما لم يُعد ضبط بوصلتها محلياً. وفي المملكة العربية السعودية تقدّم رؤية ألفين وثلاثين مختبراً نادراً لاختبار هذا الدمج، حيث يتجسّد في مشروع نيوم ومدينة ذا لاين طموحٌ في إعادة تصوّر النقل من جذوره، بمدنٍ تُصمّم حول الإنسان لا حول السيارة، وتجعل التنقّل الذكي والنقل الجماعي ذاتيّ القيادة عموداً فقرياً لا ترفاً مضافاً. فهنا لا تُضاف القيادة الذاتية إلى مدينةٍ قائمة، بل تُبنى المدينة منذ البداية على منطقها، وهو فارقٌ جوهريٌّ بين ترقيع الماضي وتأسيس المستقبل.
وفي مستوى التطبيق العملي يتسع أثر هذه الأدوات ليشمل منظومة المدينة بأكملها لا المركبة وحدها. فالسيارة ذاتية القيادة حين تُربط بإشاراتٍ مروريةٍ ذكيةٍ وببنيةٍ تحتيةٍ تتواصل معها تتحوّل من جزيرةٍ معزولةٍ إلى عقدةٍ في شبكةٍ تتنفّس معاً، فتنساب حركة المرور في تناغمٍ يقلّل التوقّف والاحتكاك ويوفّر الطاقة. لكن يرى الكاتب أن هذا الوعد ذاته يحمل ثمنه: فمدينةٌ تعرف موقع كل مركبةٍ في كل لحظة هي مدينةٌ تعرف أين يذهب كل مواطن ومتى، والكفاءة المنشودة قد تُشترى بعملةٍ من الخصوصية لا ينتبه إليها أحدٌ إلا بعد فوات الأوان. وهكذا يتبيّن أن النقل الذكي ليس مسألة هندسةٍ وسلامةٍ فحسب، بل مسألة حقوقٍ وحدودٍ بين الراحة والمراقبة، ينبغي أن تُحسم على طاولة التشريع لا أن تُترك لإعدادات المصنع الافتراضية ولا لشهية الشركات إلى البيانات.
تبقى المسألة الجوهرية أن السيارة ذاتية القيادة ليست مخلّصاً ولا خصماً، بل مرآةٌ تعكس وضوح أولوياتنا أو غموضها. إن الذكاء الاصطناعي في النقل يضعنا أمام سؤالٍ كان مؤجّلاً منذ أول محرّك: ما الذي نريده حقاً من تنقّلنا، أهو سرعةٌ فرديةٌ نشتريها بازدحامٍ جماعيٍّ ودمٍ على الطريق، أم حركةٌ آمنةٌ عادلةٌ تُكرّم وقت الإنسان وحياته معاً؟ ويرى الكاتب أن الأفق الأرحب لا يكمن في سياراتٍ تقود نفسها بينما تبقى المدن أسيرةً لمنطق القرن الماضي، ولا في رفض التقنية خوفاً من ظلالها، بل في تحالفٍ يُبقي الخوارزمية خادمةً لرؤيةٍ إنسانيةٍ واضحة، تستثمر دقّة الآلة دون أن تتنازل لها عن الضمير والمسؤولية. فالطريق القادم لن يُعبَّد بالآلة ضدّ الإنسان ولا بالإنسان ضدّ الآلة، بل بهما معاً في تواضعٍ مشترك أمام هدفٍ أسمى من المقود ذاته: أن يصل كلٌّ منّا إلى وجهته سالماً، وأن نستردّ من زحام الطريق ما سرقه منّا قرنٌ كامل من الوقت والهواء والأرواح. وحين تقودنا السيارة أخيراً دون أن نلمس مقودها، فلتكن اليد التي رسمت مسارها يداً إنسانيةً واعية، اختارت بوضوحٍ ما تطلبه من الآلة وما تأبى أن تتنازل لها عنه.