أيُّ مفارقةٍ أمرّ من أن تتقن آلةٌ صناعتها من الكلمات كتابة العربية، فلا تكاد تخطئ في موضع همزة، ثم لا تعرف من اللغة إلا هيكلها العاري من الروح؟ فالنماذج اللغوية الكبرى صارت تكتب بلساننا، لكنها تكتب لساناً مهجّناً مصقولاً على مقاس لغةٍ أخرى، عربيةً تصلح للتواصل ولا تصلح للوجدان، تؤدي المعنى ولا تحمل جمالاً، تبلّغ ولا تطرب. وفي هذه القسمة الحرجة يكمن السؤال الذي يتهرب منه كثيرون انشغالاً ببهرج التقنية: هل تحفظ الآلة فصحانا أم تذيبها في بحرٍ من البيانات لا يعرف لها خصوصية؟ والخطر ليس في أن تعجز الآلة عن العربية، فقد أتقنتها على نحوٍ مذهل، بل في أن تتقنها على صورةٍ مشوّهة فتفرضها معياراً يُحتذى، حتى يظن الناشئ أن تلك العربية المبتسرة هي الأصل، وأن فصاحة الأقدمين شذوذٌ يُهجَر. وما أهون أن تموت لغةٌ لا بالمنع والقهر، بل بأن يُستبدَل بها بديلٌ باهت يُقدَّم في ثوبها وينطق بحروفها.
ولفهم جذر المعضلة ينبغي أن نعي كيف تتعلم هذه النماذج لغتها. فهي لا تدرس النحو كما يدرسه طالبٌ في حلقة، ولا تتذوق البيان كما يتذوقه قارئٌ للمتنبي، بل تلتهم نصوصاً هائلة من شبكة الإنترنت وتستنبط منها أنماطاً إحصائية لتوالي الكلمات. وقد أوضحت أدبيات مختبر علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتقنية أن جوهر هذه النماذج قائمٌ على التنبؤ بالكلمة الأرجح في سياقها، لا على الفهم بمعناه الإنساني. والمشكلة أن العربية في الفضاء الرقمي حاضرةٌ كمّاً غائبةٌ كيفاً، فما يُكتب بها على الشبكة في غالبه عاميٌّ ركيك أو فصيحٌ مترجَم عن لغاتٍ أجنبية ترجمةً حرفية، حتى صار النموذج يتغذى على عربيةٍ منهكة فيعيد إنتاج إنهاكها. ولهذا يرى الكاتب أن أزمة العربية مع الذكاء الاصطناعي ليست أزمة خوارزميات في المقام الأول، بل أزمة بيانات، إذ تجوع الآلة إلى النصوص الرفيعة في زمنٍ يفيض بالرديء، فتصير مرآةً أمينة لانحطاطٍ لغوي عام لم تصنعه هي بل ورثته منّا.
وثمة بُعدٌ تقني أعمق نادراً ما يُلتفت إليه، وهو أن البنية الداخلية لهذه النماذج صُمّمت أصلاً بعقليةٍ تخدم اللغات اللاتينية. فآلية تقطيع الكلمات إلى وحداتٍ صغرى تتعامل مع العربية بكفاءةٍ أدنى، إذ تفتّت الكلمة العربية الواحدة الغنية بالاشتقاق والإعراب إلى شظايا تفقد فيها بنيتها الصرفية تماسكها. وقد نبّهت دراساتٌ لغوية حاسوبية إلى أن النموذج يستهلك في معالجة الجملة العربية أضعاف ما يستهلكه في نظيرتها الإنجليزية، فيدفع المتحدث بالعربية ضريبةً مضاعفة كلفةً وكفاءة. والأدهى أن الإعراب الذي هو روح العربية وميزانها يكاد يضيع في هذا التفتيت، فالحركة الإعرابية التي تقلب المعنى رأساً على عقب قد تُعامَل كزخرفٍ زائد لا كركنٍ أصيل. ويرى الكاتب أن هذا الانحياز البنيوي أخطر من الانحياز في البيانات، لأن الأول يمكن إصلاحه بإطعام الآلة نصوصاً أجود، أما الثاني فمغروسٌ في معمار النموذج ذاته، يحتاج إعادة تصميمٍ من الأساس لا مجرد ترقيع.
والرؤية السائدة تطمئن إلى أن المسألة وقتٌ لا غير، وأن النماذج ستتحسن تلقائياً حتى تتقن العربية كما تتقن الإنجليزية. ويخالف الكاتب هذا التفاؤل الكسول، إذ ليست المسألة قدراً محتوماً يتحقق بمرور الأيام، بل ثمرةَ خياراتٍ واستثماراتٍ إن لم نصنعها بأيدينا صُنعت العربية على غير صورتها. فاللغة التي لا يبني أهلها نماذجها الخاصة، ولا يرفدون الشبكة بكنوزها، تُترَك نهباً لنماذج صُنعت في سياقٍ ثقافي آخر، فتأتي عربيتها سليلةً لمنطقٍ لغوي غريب عنها. وقد لاحظت تقارير منظمة اليونسكو المعنية بالتنوع اللغوي في الفضاء الرقمي أن اللغات التي لا تمتلك حضوراً رقمياً غنياً مهددةٌ بالتهميش الصامت، إذ تصير غائبةً عن أدوات العصر وإن بقي ملايين ينطقون بها. والعربية، على عظَم تراثها، ليست بمنأى عن هذا الخطر ما دام حضورها الرقمي الرصين دون مكانتها الحضارية بمراحل. فلا يكفي أن نملك تراثاً عظيماً حبيس الرفوف، ما لم نحوّله إلى حضورٍ حيٍّ في الفضاء الذي تتعلم منه آلات العصر.
ولا يفوتنا أن نشير إلى مفارقةٍ خفية في خطاب من يهلّلون لإتقان النماذج العربية. فهم يقيسون الإتقان بمعيار سلامة التركيب وخلوّه من الخطأ الظاهر، وهذا مقياسٌ قاصر، لأن العربية لم تكن يوماً لغة قواعد فحسب، بل لغة بيانٍ وإيحاء وتوريةٍ وكنايةٍ ومجاز. فالنموذج قد يصوغ جملةً سليمة المبنى صحيحة الإعراب، لكنها جوفاء من ظلال المعنى التي تجعل العربية عربية. وقد دأب تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر سنوياً عن جامعة ستانفورد على توثيق تفوق النماذج في المقاييس الكمية القابلة للقياس، مع صعوبة قياس الأبعاد النوعية كالذوق والجمال. ويرى الكاتب أن ما لا يُقاس يُهمَل، وأن جماليات العربية لمّا كانت عصيةً على القياس الكمي، أُسقطت من حسابات التطوير، فصار النموذج يُحسَّن نحو الصحة لا نحو البلاغة، نحو ما يمكن عدّه لا نحو ما يُحَسّ ويُذاق.
ولا ينبغي أن يفهم من هذا تشاؤمٌ يدعو إلى مقاطعة الأداة، فذلك خطأ معاكس لا يقل ضرراً. فالذكاء الاصطناعي نفسه يحمل في طياته أعظم فرصةٍ لإحياء العربية لو أحسنّا توجيهه. فبه يمكن رقمنة المخطوطات وتشكيل النصوص آلياً وتصحيح الأخطاء النحوية على نطاقٍ واسع لم يحلم به جيلٌ مضى، وبه يمكن أن نضع بين يدي الناشئ معلّماً صبوراً يقوّم لسانه. وقد أشارت أبحاثٌ في كلية هارفارد للأعمال إلى أن القيمة الحقيقية لهذه التقنية لا تكمن في الأداة ذاتها بل في حصافة من يوظّفها، فالأداة الواحدة قد تهدم لغةً في يدٍ وتحييها في أخرى. ويرى الكاتب أن العربية أمام مفترقٍ مصيري: إما أن تكون موضوعاً سلبياً تشكّله الآلة على هواها، وإما أن تكون فاعلاً يطوّع الآلة لحفظ أصالته. والفرق بين المصيرين لا تصنعه التقنية، بل تصنعه إرادة أهل اللغة ووعيهم بقيمة ما يملكون. فمن العجيب أن أمةً تملك من النصوص ما لا تملكه أمم كثيرة، تقف موقف المتسوّل من أدوات العصر، تنتظر أن يصنع لها الغير نماذج لغتها، ثم تشكو من أن تلك النماذج لا تفهم خصوصيتها. والحلّ ليس في الشكوى بل في العمل، وليس في انتظار العطف بل في صناعة الحضور.
وإذا انتقلنا من التشخيص إلى الركائز العملية، فأولها بناء مدوّناتٍ نصية عربية ضخمة عالية الجودة، تُنتقى من عيون التراث ومن الكتابة المعاصرة الرصينة، لتكون غذاءً نظيفاً تتدرب عليه النماذج بدل أن تُترك لقمامة الشبكة. وثانيها تطوير نماذج لغوية عربية أصيلة تُصمَّم بنيتها على مقاس خصائص اللغة لا مستوردةً من معمارٍ أجنبي، تراعي الاشتقاق والإعراب والجذر الثلاثي. وثالثها ترسيخ معايير لغوية رقمية بالشراكة مع مجامع اللغة العربية، التي ينبغي أن تنتقل من حراسة المعجم إلى صناعة المحتوى الرقمي المعياري الذي تتعلم منه الآلة. ورابعها تمكين أدوات التشكيل والتدقيق النحوي الذكية حتى تعيد للحركة الإعرابية اعتبارها في المخرجات الرقمية. وخامسها تربية وعيٍ نقدي لدى المستخدم العربي يجعله لا يقبل كل مخرجٍ آلي مأخذ المسلّمات، بل يردّه إلى ذائقته وميزان لغته. وهذه الركائز يشدّ بعضها أزر بعض، فلا يُجدي بناء النماذج دون تغذيتها بالنفيس، ولا تنفع التغذية دون وعيٍ يميّز الغثّ من السمين.
وهذه الركائز ليست أمنياتٍ معلّقة في فراغ، فالسياق العربي الراهن يتيح لها أرضاً خصبة. فرؤية المملكة العربية السعودية 2030 جعلت من تمكين اللغة العربية وصون هويتها ركيزةً ثقافية، وتجلّى ذلك في مبادراتٍ نوعية لخدمة العربية رقمياً ودعم حضورها في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل في إطلاق نماذج لغوية عربية تُبنى من الداخل بوعيٍ بخصائص اللغة لا استنساخاً لغيرها. ويرى الكاتب أن في هذا التوجه نقلةً من موقع المستهلك إلى موقع المنتِج، ومن تلقّي التقنية كما تُصاغ في غير ديارنا إلى صياغتها بما يحفظ أصالتنا. فاللغة التي يصنع أهلها أدواتها الرقمية تفرض حضورها، واللغة التي تنتظر أن يصنعها الغير تُصاغ على غير مثالها. وما أحوج الفضاء العربي إلى أن تتكامل فيه جهود الدول والجامعات والمجامع وشركات التقنية في مشروعٍ جامع، فالعمل المتفرق لا يصمد أمام منظومةٍ عالمية تتقدم بخطى متسارعة.
ويبقى البعد الجمالي هو المعركة الأصعب والأكثر إغفالاً. فقد تنجح النماذج يوماً في إتقان النحو ومراعاة الإعراب، لكن يظل السؤال قائماً: هل تستطيع الآلة أن تحفظ جماليات العربية، إيقاعها وجرسها وظلال معانيها وقدرتها على أن تقول الشيء وضده بلفظٍ واحد؟ إن البيان العربي ليس قواعد تُحفَظ بل ذائقةٌ تُربّى، وفرقٌ بين لغةٍ صحيحة ولغةٍ بليغة. ويرى الكاتب أن أقصى ما تبلغه الآلة هو الصحة، أما البلاغة فتبقى حكراً على الوجدان الإنساني الذي يعرف متى يخالف القاعدة فيبدع، ومتى يصمت فيقول. فالجمال في العربية انزياحٌ محسوب عن المألوف، والآلة بطبعها أسيرة المألوف الإحصائي، تنفر من الشذوذ الذي هو معدن الإبداع. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن نرضى بالصحيح بديلاً عن البليغ، فنربّي أجيالاً تحسب اللغة وظيفةً تواصلية مجردة، فتفقد القدرة على الطرب لبيتٍ من الشعر أو الانتشاء بآيةٍ من القرآن.
والخلاصة التي يفتح بها الكاتب أفقاً لا يغلقه أن العربية لن تُهزَم من الآلة، بل قد تُهزَم من تخاذل أهلها عن صون جمالها في زمن الآلة. فالتقنية محايدةٌ في جوهرها، تحفظ ما نأمرها بحفظه وتُهمل ما نُهمله، والمسؤولية تعود إلينا لا إليها. فإن أطعمناها من تراثنا أعادت إلينا تراثاً حياً، وإن تركناها لرديء ما نكتب أعادت إلينا رداءتنا مضاعفة. والرهان الأكبر أن نجعل من الذكاء الاصطناعي حاملاً لجمال العربية لا هادماً له، وجسراً يعبر بفصاحتنا إلى المستقبل لا معول هدمٍ يطمسها في بحر البيانات. فالأمم التي تحفظ لغاتها تحفظ ذاكرتها وروحها، والأمم التي تفرّط فيها تُمحى من الداخل وإن بقيت أجسادها قائمة. ويبقى أن الآلة ستكتب بما نكتب، فلنكتب لها من فصاحتنا ما يجعلها تكتب فصيحاً، فمن زرع جمالاً حصد جمالاً، ومن استودع الآلة رداءةً لم يلُم إلا نفسه إذا ردّتها إليه.