شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والقانون

حين تصطدم سيارة ذاتية القيادة بأحد المارّة في ليلة ممطرة، ويتبيّن أن الخوارزمية أساءت قراءة الظلّ على أنه كيس بلاستيكي عابر لا جسد إنسان، فمن يقف في قفص الاتهام؟ هل هو المهندس الذي كتب سطور الشيفرة، أم الشركة التي باعت الوعد بالأمان، أم المالك الذي رفع يديه عن المقود واثقاً بآلته، أم الخوارزمية نفسها بوصفها فاعلاً لا وجه له ولا ذمّة مالية ولا ضمير يُسائَل؟ هذا السؤال، الذي بدا قبل سنوات قليلة ترفاً فلسفياً يليق بقاعات الجامعات، صار اليوم معضلة عملية تُربك المحاكم وتُرهق المشرّعين وتكشف هشاشة منظوماتنا القانونية أمام كائن جديد لا يندرج تماماً تحت أيّ من تصنيفاتها الموروثة. فالقانون، في جوهره، بُني على فكرة الإنسان الفاعل المسؤول، القادر على القصد والإهمال والتقصير، بينما جاءت الخوارزمية لتقذف في هذا البناء المتماسك شرخاً عميقاً: فاعل يُحدِث الأثر دون أن يملك إرادة، ويرتكب الخطأ دون أن يحمل نيّة.

لفهم عمق هذه المعضلة، لا بدّ من العودة إلى الأسس التي قام عليها مفهوم المسؤولية في الفكر القانوني عبر قرون. لقد ميّز الفقهاء منذ القدم بين المسؤولية التقصيرية التي تنشأ عن خطأ يُسأل عنه فاعله، والمسؤولية الموضوعية التي تترتب على الضرر ذاته بصرف النظر عن الخطأ. وحين دخلت الآلة الصناعية حياة البشر في القرن التاسع عشر، طوّر القانون استجابات ذكية، فابتكر مفاهيم مثل مسؤولية حارس الشيء ومسؤولية المنتج عن عيوب صناعته، بحيث لا يبقى المتضرر بلا جابر. غير أن الخوارزمية الحديثة، وخاصة نماذج التعلّم العميق، تكسر هذا المنطق من جذوره؛ فهي ليست شيئاً جامداً يُحرس، ولا منتجاً ثابت العيوب، بل كياناً يتعلّم ويتغيّر ويتّخذ قرارات لم يبرمجها أحد صراحةً. وقد عبّرت دراسات صادرة عن جامعة هارفارد عن هذا التحوّل حين وصفت أنظمة الذكاء الاصطناعي بأنها "صناديق سوداء" يصعب حتى على مبتكريها تفسير كيف توصّلت إلى مخرجاتها، وهو ما يجعل إسناد الخطأ إلى سبب محدّد أشبه بمحاولة تعقّب قطرة في محيط.

هنا تتكشّف المفارقة الكبرى التي يقف عندها التحليل العميق: كلما ازداد النظام ذكاءً واستقلالاً، تضاءلت قدرتنا على نسبة أفعاله إلى إنسان بعينه، وكلما تضاءلت هذه القدرة، اتّسعت الفجوة التي يسقط فيها حقّ المتضرر في الإنصاف. وقد نبّهت أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى ما يُعرف بـ"فجوة المسؤولية"، تلك المساحة الرمادية التي يتوزّع فيها الفعل على سلسلة طويلة من المساهمين، من مطوّري البيانات إلى مصمّمي النماذج إلى الجهات التي تنشرها، حتى يصبح الجميع مسؤولاً جزئياً ولا أحد مسؤولاً كلياً. ويرى الكاتب أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تخطئ الخوارزمية، فالخطأ سمة كلّ فعل بشري وآلي، بل في أن يتحوّل تعقيدها التقني إلى درعٍ يحتمي خلفه أصحاب المصلحة للتهرّب من المساءلة، فيصير الغموض التكنولوجي مرادفاً للإفلات من العقاب.

ولعلّ ما يضاعف صعوبة المسألة أن سلسلة القيمة في صناعة الذكاء الاصطناعي طويلة ومتشابكة إلى حدّ يستعصي على التفكيك. فالنموذج الواحد قد يُدرَّب على بيانات جمعتها جهة، ويُبنى على بنية صمّمتها جهة ثانية، ويُضبط لمهمّة بعينها على يد جهة ثالثة، ثم يُدمَج في منتج تطرحه جهة رابعة، ويُستخدم أخيراً في سياق لم يتوقّعه أيّ من هؤلاء. وحين يقع الضرر في نهاية هذه السلسلة، يجد المتضرّر نفسه أمام جدارٍ من المسؤوليات المتبادلة، إذ يُحيل كلّ طرف اللوم إلى سابقه أو لاحقه، فتضيع المسؤولية في الزحام كما تضيع الإبرة في كومة القشّ. وهذا ما يجعل المقاربات القانونية التقليدية القائمة على إثبات العلاقة السببية المباشرة بين الخطأ والضرر عاجزةً عن مواكبة واقعٍ صارت فيه الأسباب موزّعةً ومتراكبةً ومتغيّرةً مع كلّ تحديثٍ للنموذج.

شاطئ الجبيل ولعلّ الرؤية المخالفة للسائد التي يطرحها الكاتب هنا تتمثّل في أن الانشغال المحموم بالبحث عن "من نُحاسب" قد يُلهينا عن السؤال الأعمق: كيف نمنع الضرر قبل وقوعه أصلاً؟ فالمنظومة القانونية التقليدية رجعيّة بطبيعتها، تتحرّك بعد وقوع الكارثة لتوزيع اللوم والتعويض، بينما تتطلّب الخوارزميات منطقاً استباقياً يُدمج الأمان والعدالة في صميم التصميم لا في ذيله. وقد ذهبت أبحاث جامعة ستانفورد، عبر تقاريرها الدورية عن حالة الذكاء الاصطناعي، إلى أن الحوكمة الفعّالة تبدأ من مرحلة بناء النموذج وتدريبه على بيانات نظيفة غير متحيّزة، لا من قاعة المحكمة بعد فوات الأوان. وهذا التحوّل من العقاب اللاحق إلى الوقاية السابقة يمثّل، في تقدير الكاتب، نقلة فلسفية أعمق بكثير من مجرد تعديل في النصوص القانونية.

شاطئ الجبيل ولا يكتمل هذا التحليل دون الإشارة إلى البُعد الأخلاقي المتعلّق بالتحيّز الخوارزمي، فالخطأ هنا قد لا يكون عطلاً تقنياً عابراً بل انعكاساً منهجياً لظلم بنيوي مدفون في البيانات. فحين تتعلّم الخوارزمية من سجلّات قروض رفضت تاريخياً فئات بعينها، أو من بيانات توظيف فضّلت أنماطاً ديموغرافية محدّدة، فإنها تُعيد إنتاج التمييز بكفاءة آلية باردة وتُغلّفه بقناع الموضوعية الرقمية. وقد حذّرت دراسات جامعة أوكسفورد من أن أخطر صور هذا التحيّز هي تلك التي تتنكّر في ثوب الحياد العلمي، فيصعب الطعن فيها لأنها تبدو مجرّدة من الهوى البشري. ويرى الكاتب أن مساءلة الخوارزمية لا تكتمل ما لم نُسائل البيانات التي غذّتها والافتراضات التي وجّهتها، إذ إن العدالة المنشودة تبدأ من نقاء المنبع لا من تنقية المصبّ.

وثمّة بُعدٌ آخر كثيراً ما يُغفَل، وهو أن الخطأ الخوارزمي حين يقع لا يقع فرداً بل يتكرّر بالجملة. فالقاضي البشري قد يخطئ في حكمٍ واحد، أمّا الخوارزمية المعيبة فتعيد الخطأ نفسه على ملايين الحالات في لحظة واحدة، بكفاءةٍ تجعل من الزلّة الصغيرة كارثةً منهجية واسعة. ولهذا فإن المسؤولية المترتّبة على خطأٍ خوارزميّ ليست من جنس المسؤولية الفردية المعتادة، بل أقرب إلى المسؤولية الجماعية الكبرى التي تستدعي أدوات قانونية جديدة، من الدعاوى الجماعية إلى آليات الجبر التلقائي للضرر. ويرى الكاتب أن إدراك هذا البُعد المضاعِف وحده كفيلٌ بإقناعنا بأن معالجة المسألة لا تحتمل التأجيل، فالكلفة لا تُقاس بالحالة الواحدة بل بالأثر التراكمي الذي يطال نسيج المجتمع بأسره حين تُفوَّض القرارات المصيرية لأنظمة لا تُساءل.

وعلى الصعيد التنظيمي، يبرز الاتحاد الأوروبي بوصفه الرائد في صياغة إطار قانوني متكامل، فقد أقرّ قانون الذكاء الاصطناعي الذي يصنّف الأنظمة بحسب درجة خطورتها، فيفرض على الأنظمة عالية المخاطر التزامات صارمة في الشفافية والرقابة البشرية وقابلية التتبّع، ويحظر تماماً تطبيقات بعينها تمسّ الكرامة والحقوق الأساسية. وهذا النهج القائم على تدرّج المخاطر يعكس وعياً ناضجاً بأن الخوارزميات ليست على درجة واحدة من الخطر، فما يُدير توصيات الترفيه لا يُقاس بما يُقرّر مصير سجين أو مريض. كما دعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى أن تكون الأنظمة جديرة بالثقة وقابلة للمساءلة وخاضعة لإشراف بشري فعّال، بينما شدّد المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره على أن غياب أطر الحوكمة الواضحة لا يهدّد المتضررين فحسب، بل يُقوّض ثقة المجتمع بأكمله في التقنية ويُبطئ تبنّيها المسؤول.

وفي هذا السياق، يكتسب البُعد العربي والسعودي أهمية خاصة، إذ لم تعد المنطقة متلقّياً سلبياً للتقنية بل صارت لاعباً يسعى إلى صياغة قواعده الخاصة. فقد أرست المملكة العربية السعودية، في انسجام مع مستهدفات رؤيتها الطموحة لعام ألفين وثلاثين، منظومة متقدّمة لحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، تتجلّى في نظام حماية البيانات الشخصية وفي المبادئ الأخلاقية التي أصدرتها الهيئة المعنية بهذا الشأن، والتي تضع العدالة والشفافية والمساءلة في صلب أيّ نظام يُطوَّر أو يُنشَر داخل المملكة. ويرى الكاتب أن قوة هذا التوجّه تكمن في أنه يربط التقدّم التقني بالقيم الحضارية، فلا يستورد الإطار القانوني جاهزاً من سياقات أخرى، بل يصوغه بما يلائم منظومة قيمية تُعلي من كرامة الإنسان وحفظ حقوقه، ما يجعل الحوكمة الرقمية امتداداً طبيعياً لمشروع تنموي أوسع يضع الإنسان غايةً لا أداةً.

أمّا الركائز العملية التي يمكن أن تُترجَم بها هذه الرؤية إلى واقع، فأوّلها ترسيخ مبدأ "الإنسان في الحلقة"، بحيث لا تُترك القرارات المصيرية للخوارزمية وحدها بل تبقى تحت إشراف بشري قادر على التدخّل والتعطيل والمراجعة. وثانيها فرض الشفافية والقابلية للتفسير، فلا يُقبل نظام يؤثّر في حياة الناس دون أن يكون قادراً على تبرير قراراته بلغة يفهمها المتضرر والقاضي معاً. وثالثها استحداث آليات تأمين وتعويض مبتكرة، على غرار صناديق الضمان الجماعي، تكفل جبر الضرر دون انتظار حسم النزاع حول هوية المسؤول، فيُصان حقّ المتضرر ولو تعذّر تحديد المخطئ بدقّة. ورابعها بناء كفاءات قضائية وتشريعية متخصّصة تُلمّ بمنطق الخوارزميات، إذ لا يمكن لقاضٍ أن يحكم بعدل في نزاع لا يفهم آلياته. وخامسها التدقيق المستقلّ الدوري للأنظمة قبل نشرها وبعده، أسوةً بالتدقيق المالي، لكشف التحيّز والخلل قبل أن يتحوّلا إلى ضحايا. وهذا التدقيق، حين يصير شرطاً مُلزِماً لا خياراً طوعياً، يقلب موازين القوة لصالح المتضرّر، إذ يحمّل صاحب النظام عبء إثبات سلامته بدل أن يحمّل الضحية عبء إثبات الخطأ في كيانٍ لا يفقه أسراره.

وفي الأفق المنظور، يرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي سيدفع القانون إلى إعادة تعريف مفاهيمه الأكثر رسوخاً، من الفاعل والقصد إلى الضرر والتعويض، تماماً كما أعاد عصر الصناعة تشكيل قانون العمل، وكما أعادت الثورة الرقمية صياغة قانون الملكية الفكرية. غير أن الرهان الأعمق لا يقع على عاتق المشرّعين وحدهم، بل على وعي مجتمعي يرفض أن يكون الغموض التقني ذريعةً لضياع الحقوق. فالمستقبل لن يسألنا هل أخطأت الخوارزمية، لأنها حتماً ستخطئ، بل سيسألنا هل بنينا منظومة عادلة تستوعب خطأها وتُنصف ضحاياه وتتعلّم منه. وهنا، في هذه المنطقة الدقيقة بين الابتكار والعدالة، تُختبر حضارتنا حقاً: لا في قدرتها على صناعة آلات أذكى، ولا ينبغي أن يُفهَم من ذلك دعوةٌ إلى تعطيل الابتكار خوفاً من تبعاته، فالكفّ عن استخدام التقنية ليس حلاً، بل إن في تعطيلها كلفةً إنسانية لا تقلّ فداحةً عن كلفة أخطائها؛ فالخوارزمية التي تُشخّص مرضاً أبكر من الطبيب تنقذ أرواحاً، والتي تُدير شبكة طاقة بكفاءة تحمي مدناً بأكملها. والمطلوب إذن ليس الاختيار بين التقدّم والأمان، بل صياغة عقدٍ اجتماعي جديد يجعل المساءلة قرينةً للابتكار لا نقيضاً له. وفي قدرتها على أن تظلّ، رغم كلّ ذكاء صناعي، أكثر إنسانية وأشدّ عدلاً.