شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والفنون

حين يبيعُ عملٌ فنيٌّ رسمته خوارزميةٌ بأربعمئةٍ وثلاثةٍ وثلاثين ألفِ دولار في مزادِ كريستيز العريق، فمن الذي نُصفّقُ له حقاً: للآلةِ التي حرّكت الفرشاةَ الرقمية، أم للمهندسين الذين علّموها، أم لقرونٍ من الرسّامين البشر الذين سرقت أساليبَهم وأعادت تدويرَها دون أن يقبضَ أحدُهم درهماً واحداً؟ هذا السؤالُ المُحرج، الذي يتهرّبُ منه أنصارُ التقنيةِ وخصومُها على حدٍّ سواء، يضعُ إصبعَنا على جرحٍ أعمقَ ممّا يبدو؛ فنحن لا نتجادلُ في جودةِ صورةٍ أو لحنٍ، بل نتجادلُ في تعريفِ الإبداعِ ذاتِه، وفي ما إذا كانت المَلَكةُ التي ظنّها الإنسانُ آخرَ حصونِه المنيعةِ قد سقطت بالفعل، أم أنّها لم تكن يوماً ما تصوّرناه. والمفارقةُ أنّ الجوابَ، حين نصبرُ عليه، يُفاجئُنا بما لم يكن في حسبانِ أيٍّ من الفريقين المتخاصمين.

لنعُدْ قليلاً إلى الوراء كي نفهمَ ما الذي تغيّر فعلاً. لم يكن حلمُ الآلةِ المُبدعةِ وليدَ هذا العقد؛ فمنذ منتصفِ القرنِ الماضي حاول الرواد برمجةَ الحواسيبِ لتأليفِ الموسيقى ونظمِ الشعر، غير أنّ تلك المحاولاتِ بقيت أسيرةَ قواعدَ صارمةٍ يضعُها الإنسانُ سلفاً، فكانت الآلةُ تنفّذُ لا تبتكر. كانت أشبهَ بآلةٍ تعزفُ نوتةً مكتوبةً بإتقانٍ بليد، لا بعازفٍ يرتجلُ من وحيِ اللحظة. ثمّ جاء التحوّلُ الجذريُّ مع ما عُرف بالشبكاتِ التوليديةِ التخاصمية، تلك البنيةِ الذكيةِ التي يتنافسُ فيها نظامان: واحدٌ يصنعُ الصورةَ وآخرُ يحكمُ على زيفِها، فيتعلّمان معاً حتى يعجزَ النظامُ الحاكمُ عن التمييز. ومن هنا، ومن النماذجِ اللاحقةِ التي تترجمُ الكلماتِ إلى صورٍ بدقّةٍ مذهلة، وُلدت موجةُ الفنِّ الآليِّ التي نشهدُها اليوم. الفارقُ الجوهريُّ أنّ الآلةَ لم تعُدْ تتبعُ وصفةً، بل صارت تستخلصُ الأنماطَ الجماليةَ من ملايينِ الأعمالِ البشريةِ ثمّ تولّدُ ما لم يُرَ من قبل، وهو ما يجعلُ السؤالَ عن أصالتِها سؤالاً مشروعاً لا عبثياً. لم يعُدِ الأمرُ محاكاةً ساذجةً، بل صار توليداً يُربكُ بصيرتَنا قبل بصرِنا.

غير أنّ التاريخَ الفنيَّ نفسَه يحملُ تحذيراً للمتعجّلين في إصدارِ الأحكام. فكلُّ أداةٍ جديدةٍ في تاريخِ الفنِّ قوبلت بالاتهامِ ذاتِه: حين ظهرت الكاميرا في القرنِ التاسعَ عشر، أعلن الرسّامون موتَ الرسم، وزعم بعضُهم أنّ التصويرَ الفوتوغرافيَّ مجرّدُ نسخٍ آليٍّ بلا روح. ومع ذلك، لم يَمُتِ الرسمُ، بل تحرّر؛ إذ دفعت الكاميرا الفنانين إلى هجرِ المحاكاةِ الحرفيةِ للواقع نحو التجريدِ والانطباعيةِ والتعبيرية، فوُلدت من رحمِ "التهديدِ" أعظمُ ثوراتِ الحداثةِ الفنية. وكذلك حين دخلت التركيبةُ الصوتيةُ والموسيقى الإلكترونيةُ عالمَ الطرب، صاح المتمسّكون بالآلاتِ التقليديةِ بأنّ الروحَ قد فُقدت، ثمّ صارت تلك الأصواتُ الاصطناعيةُ نفسُها لغةً تعبيريةً ثرّة. هنا يكمنُ درسٌ تغفلُه الخطابةُ المتشائمة: الأداةُ الجديدةُ نادراً ما تقتلُ الفنَّ القديم، لكنّها تعيدُ توزيعَ القيمةِ وتزيحُ مركزَ الثقل من اليدِ الصانعةِ إلى العينِ المختارة. وقد لاحظ باحثون في جامعةِ ستانفورد، ضمن مؤشرِها السنويِّ للذكاء الاصطناعي، أنّ النماذجَ التوليديةَ قفزت في جودةِ مخرجاتِها البصريةِ قفزاتٍ متسارعةً حتى صار من العسيرِ على غيرِ المتخصّصِ تمييزُها عن الأعمالِ البشرية، وهو معطًى يستدعي الجِدّيةَ لا الذعر. ولا يقتصرُ هذا الجدلُ على الفنونِ البصرية وحدَها، بل يطالُ الموسيقى والأدبَ على نحوٍ أشدَّ حِدّة. فحين تؤلّفُ خوارزميةٌ مقطوعةً سمفونيةً على طريقةِ باخ أو بيتهوفن بحيثُ يعجزُ المستمعُ المُدرَّبُ عن كشفِها، نقفُ أمام سؤالٍ يهزُّ يقينَنا: إذا كان الأثرُ الجماليُّ في النفسِ واحداً، فهل يبقى لمصدرِه قيمةٌ؟ يرى الكاتبُ أنّ القيمةَ لا تكمنُ في الأثرِ المعزولِ عن سياقِه، بل في الصلةِ الإنسانيةِ التي ينسجُها العملُ بين روحٍ صنعَتْه وروحٍ تلقّتْه؛ فالموسيقى التي تعرفُ أنّ صانعَها عاشَ ألمَها تُسمَعُ سماعاً مختلفاً عن نمطٍ صوتيٍّ تولّدَ من حسابات. وهذا التمييزُ الدقيقُ بين الأثرِ والصلةِ هو ما يفصلُ، في نهايةِ المطاف، بين الاستهلاكِ العابرِ والتجربةِ الفنيةِ العميقة، وهو ما لا تطالُه الآلةُ مهما بلغت براعتُها التقنية.

لكنّ شيئاً ما مختلفٌ هذه المرّة، ويجبُ ألّا نخدعَ أنفسَنا بمطمئناتِ القياسِ على الكاميرا. فالكاميرا كانت تلتقطُ ما يضعُه الإنسانُ أمامها ويختارُ زاويتَه ولحظتَه؛ أمّا النموذجُ التوليديُّ فيُنتجُ المحتوى من تلقائِه استناداً إلى ما ابتلعَه من أعمالِ البشر. وهنا تنفتحُ معضلةٌ أخلاقيةٌ وقانونيةٌ شائكة: هل التدرّبُ على ملايينِ الصورِ المحميةِ بحقوقِ الملكيةِ دون إذنٍ نوعٌ من التعلّمِ المشروع، كما يتعلّمُ الطالبُ بالنظرِ إلى اللوحات، أم أنّه استلابٌ منهجيٌّ لجهدِ الآخرين؟ يرى الكاتبُ أنّ المقارنةَ بالتعلّمِ البشريِّ مغالطةٌ لطيفةُ الظاهر؛ فالإنسانُ حين يتأثّرُ بأستاذِه يمرّرُ التأثيرَ عبر ذاتٍ وتجربةٍ وألمٍ وسياقٍ حيٍّ، بينما النموذجُ يُجري عمليةً إحصائيةً باردةً تُعيدُ تركيبَ الأنماطِ دون أن تعيشَ شيئاً. التشابهُ في المُخرَجِ لا يعني تطابقاً في الجوهر، والخلطُ بينهما هو لُبُّ سوءِ الفهمِ الذي يشوّشُ النقاشَ كلَّه. وقد بدأت ساحاتُ القضاءِ في الغربِ تكتظُّ بدعاوى يرفعُها فنانون ومصوّرون يطالبون بحقوقِهم في البياناتِ التي دُرّبت عليها هذه النماذجُ، في معركةٍ لن تُحسَمَ بسهولة لأنّها تمسُّ تعريفَ الملكيةِ ذاتِه في عصرِ التعلّمِ الآليّ.

شاطئ الجبيل وهنا تحديداً تنبثقُ رؤيةٌ مخالفةٌ للسائد. ينقسمُ الناسُ عادةً إلى فريقين: فريقٍ يهلّلُ بأنّ الآلةَ أبدعت وتجاوزت الإنسان، وفريقٍ يحتقرُ مخرجاتِها بوصفِها قَصّاً ولصقاً لا روحَ فيه. ويرى الكاتبُ أنّ كِلا الموقفين يُخطئُ السؤالَ من أساسه. فالآلةُ لا تُبدعُ بالمعنى الإنسانيِّ ولا تُقلّدُ بالمعنى المبتذل؛ إنّها تفعلُ شيئاً ثالثاً لا اسمَ ناضجاً له بعد: إنّها تستكشفُ فضاءَ الاحتمالاتِ الجماليةِ الكامنةِ في التراثِ البشريِّ وتُخرجُ منه تشكيلاتٍ لم يبلغها وعيُنا. الإبداعُ الإنسانيُّ نيّةٌ ومعنًى وقصد؛ فحين يرسمُ فنانٌ لوحةً عن فقدِ أمّه، فإنّ اللوحةَ امتدادٌ لوجعِه، وكلُّ ضربةِ فرشاةٍ فيها قرارٌ مشحونٌ بسيرةٍ حيّة. أمّا الآلةُ فتُنتجُ صورةً قد تكونُ آسرةً بصرياً لكنّها خاليةٌ من النيّة، أشبهَ بنمطٍ بديعٍ تخلقُه الصدفةُ في تشكّلِ السحاب. الجمالُ موجودٌ، لكنّ المعنى يُسقطُه المُشاهدُ من عندِه. وهذا التمييزُ، في تقديري، هو مفتاحُ الخروجِ من المتاهةِ كلِّها؛ فمن يخلطُ بين الجمالِ والمعنى سيظلُّ حائراً، ومن يفصلُ بينهما سيرى الصورةَ على حقيقتِها.

شاطئ الجبيل وإذا صحّ هذا التحليل، فإنّ نتيجتَه العمليةَ مُحرّرةٌ لا مُخيفة. على الفنانِ أن يكفَّ عن منافسةِ الآلةِ في ما تتقنُه — السرعةُ، والغزارةُ، والإتقانُ التقنيُّ للأنماطِ الشائعة — لأنّ هذه ساحةٌ يخسرُها حتماً، وأن ينصرفَ إلى ما تعجزُ الآلةُ عنه بنيوياً: السياقُ الإنسانيُّ، والمجازفةُ الجماليةُ التي تخرقُ النمطَ بدلاً من تكريسِه، والمعنى النابعُ من سيرةٍ حيّة. لقد أشارت دراساتٌ في كليةِ هارفارد للأعمال، ضمن أبحاثِها حول ما سُمّي "الحدودَ المسنّنةَ للذكاء الاصطناعي"، إلى أنّ النماذجَ تبرعُ داخلَ حدودٍ خفيّةٍ وتنهارُ حين تتجاوزُها، وأنّ القيمةَ البشريةَ الكبرى تنتقلُ من إنجازِ العملِ إلى الحكمِ على متى يُوثَقُ بالآلةِ ومتى يُتجاوَزُ ذوقُها المتوسّط. والركيزةُ العمليةُ الأولى هنا أنّ مَن سيزدهرُ ليس مَن يرفضُ الأداةَ ولا مَن يستسلمُ لها، بل مَن يجعلُها قلماً في يدِه يطوّعُه لرؤيتِه، فيستثمرُ الغزارةَ الآليةَ في خدمةِ قصدٍ إنسانيٍّ لا تملكُه الآلة. والركيزةُ الثانيةُ أن نبنيَ ذائقةً نقديةً جمعيةً تُميّزُ الأصيلَ من المنمَّط، إذ كلّما رخصت سلعةُ الجمالِ ارتفع ثمنُ المعنى. والركيزةُ الثالثةُ أن نطوّرَ أطراً قانونيةً عادلةً تصونُ حقوقَ مَن صنعوا الموادَّ التي تتغذّى عليها هذه النماذجُ، فلا يكون التقدّمُ مبنياً على استلابٍ صامت. والركيزةُ الرابعةُ، وقد تكونُ أهمَّها، أن نُربّيَ في النشءِ شغفاً بالتجربةِ الإنسانيةِ الحيّةِ لا بالمنتَجِ النهائيِّ وحدَه؛ فالطفلُ الذي يتعلّمُ أن يرى في اللوحةِ أثرَ يدٍ مرتجفةٍ وقلبٍ خافق، لا مجرّدَ سطحٍ أنيق، يكبرُ وهو يحملُ مناعةً ذوقيةً لا تُختزَلُ في خوارزمية.

ولهذا الجدلِ صدًى خاصٌّ في سياقِنا العربيِّ يستحقُّ التأمّل. فبينما ينشغلُ الغربُ بمعاركِ حقوقِ الملكيةِ والتعويض، تقفُ المنطقةُ العربيةُ أمام فرصةٍ مختلفةِ الطبيعة: أن تستثمرَ هذه الأدواتِ في إحياءِ موروثِها البصريِّ والموسيقيِّ والمعماريِّ الهائلِ الذي بقي حبيسَ الأرشيفات. تخيّلْ نماذجَ تتدرّبُ على الخطِّ العربيِّ والزخرفةِ الإسلاميةِ والمقاماتِ الموسيقيةِ فتفتحُ آفاقاً جماليةً جديدةً متجذّرةً في الهُويّة لا منسلخةً عنها، وتعيدُ للأجيالِ الناشئةِ صلةً بجمالٍ كاد يندثرُ تحت ركامِ القوالبِ الوافدة. ولا يخفى أنّ رؤيةَ السعوديةِ ألفينَ وثلاثين، بما توليه الصناعاتِ الثقافيةَ والإبداعيةَ من اهتمامٍ متصاعد، تفتحُ ميداناً لتوظيفِ هذه التقنياتِ في تمكينِ جيلٍ جديدٍ من الفنانين، شريطةَ أن يكون التمكينُ مصحوباً بوعيٍ نقديٍّ يصونُ الأصالةَ ولا يذيبُها في قوالبَ عالميةٍ منمّطة. وقد نبّهت تقاريرُ المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظّمةِ التعاونِ الاقتصاديِّ والتنميةِ إلى أنّ القيمةَ المستقبليةَ لن تكونَ في امتلاكِ الأداة، إذ ستُصبحُ متاحةً للجميع، بل في رأسِ المالِ الثقافيِّ والذوقِ والرؤيةِ التي تُوجّهُها. والأمّةُ التي تملكُ سرديةً وتراثاً غنياً تملكُ، في هذا العصر، أثمنَ ما لا يُحاكى آلياً بسهولة.

يبقى أنّ السؤالَ الذي افتتحنا به ليس له جوابٌ نهائيٌّ من نوعِ "نعم" أو "لا"، وهنا تكمنُ المفاجأةُ التي وعد بها العنوان: الآلةُ لا تُبدعُ ولا تُقلّد، بل تكشفُ لنا، بمرآتِها الباردة، عمّا كان الإبداعُ الإنسانيُّ يعنيه حقاً. لقد ظنّناه قدرةً على إنتاجِ الجميل، فإذا بالجميلِ يُنتَجُ آلياً بلا عناء؛ فاضطُرِرنا إلى إعادةِ تعريفِه بوصفِه قدرةً على منحِ المعنى، وعلى المجازفةِ، وعلى قولِ ما لم يُقَلْ لأنّ قائلَه عاشه. إنّ الذكاء الاصطناعيَّ، إذ يهدّدُ ظاهرياً مكانةَ الفنانِ، يردُّ إلى الفنِّ جوهرَه المنسيَّ: أنّه ليس صناعةَ الأشياءِ الجميلة، بل صناعةُ المعنى عبرها. والمستقبلُ، في تقديري، لن يكون صراعاً بين الإنسانِ والآلةِ على عرشِ الإبداع، بل حواراً تتّسعُ فيه دائرةُ ما يمكنُ تخيّلُه، ويظلُّ فيه الإنسانُ — لا لأنّه أسرعُ أو أمهر، بل لأنّه الوحيدُ القادرُ على أن يعنيَ شيئاً — سيّدَ المعنى وإن لم يعُدْ سيّدَ الصنعة. وذلك، إن أحسنّا الإصغاءَ إليه، وعدٌ لا تهديد؛ فالآلةُ التي خِلناها ستسرقُ منّا الفنَّ ردّتنا، من حيث لا تدري، إلى سؤالِه الأعمق: لماذا نصنعُ الجمالَ أصلاً، ولمن؟