حين تسأل آلةً عن معنى الموت، فتجيبك بفصاحةٍ لم تعرفها قطّ، وتصوغ لك في العزاء عبارةً تذرف لها الدمع، أتراها فهمت الموت، أم أحصت كيف يكتب البشر عنه؟ ثمّة هوّةٌ لا يجسرها البلاغ بين أن تقول الكلمة الصحيحة وأن تعرف لماذا هي صحيحة، وفي تلك الهوّة بالذات يسكن سؤال الفلسفة الأقدم: هل الفهم أثرٌ ظاهرٌ يُقاس، أم تجربةٌ باطنةٌ تُعاش؟ والآلة التي تتقن الأثر إتقاناً مذهلاً قد لا تملك من التجربة ذرّة، فتبقى كالمرآة التي تعكس وجهنا بلا أن ترى فيه شيئاً.
لم يكن هذا السؤال وليد النماذج اللغوية، بل وُلد قبلها بعقود. ففي عام 1950 أزاح آلان تورينج السؤال من موضعه العسير في مجلة Mind، حين اقترح ألّا نسأل هل تفكّر الآلة، بل هل تحاكي التفكير حتى نعجز عن تمييزها من إنسان، فجعل الذكاء أثراً ظاهراً لا جوهراً خفيّاً.
غير أنّ هذا التحويل ذاته هو ما تمرّد عليه الفيلسوف جون سيرل عام 1980 في تجربته الذهنية الشهيرة «الغرفة الصينية»، إذ تخيّل رجلاً لا يعرف الصينية محبوساً في غرفةٍ يتلقّى رموزاً ويردّ عليها برموزٍ وفق دليلٍ صارم، فيخرج جوابه سليماً وكأنه يفهم، بينما هو لا يفهم حرفاً. وخلص سيرل إلى أنّ معالجة الرموز نحوٌ بلا دلالة، وأنّ الآلة قد تتقن الصياغة دون أن تمسّ المعنى. هنا تنشقّ الطريق إلى شعبتين ظلّت الفلسفة تتنازعهما: أهو الفهم فعلٌ وظيفيٌّ يكفي فيه السلوك الصحيح، أم حالةٌ شعوريةٌ لا تُختزل في مخرجاتها؟
ويرى الكاتب أنّ الخلط بين الأمرين هو أمّ المغالطات في خطابنا المعاصر عن الذكاء الاصطناعي. فحين نقول إنّ النموذج «يفهم» السؤال، فنحن نستعير لفظاً إنسانياً ونلبسه كياناً لا حياة فيه، تماماً كما فعل البشر مع برنامج «إليزا» عام 1966 حين بثّوه أسرارهم وظنّوه يفهمهم، فيما لم يكن سوى بضع قواعدٍ تعكس كلامهم عليهم. وقد سمّى الباحثون هذا النزوع «أثر إليزا»، وهو ميل الإنسان الفطري إلى منح الآلة فهماً لا تملكه. والمفارقة أنّ تقدّم النماذج لم يُضعف هذا الوهم بل ضاعفه، إذ كلّما صارت اللغة أكثر طلاقةً ازداد إغراؤها بأن نسقط عليها وعياً لا دليل عليه.
ولعلّ أعمق ما تطرحه الفلسفة هنا هو ما سمّاه الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز «المشكلة الصعبة للوعي»، وهي السؤال عن كيفية نشوء التجربة الذاتية، أي الإحساس بأنّ هناك «شيئاً ما» يكون عليه أن تكون أنت. فالآلة قد تصف الألم وصفاً دقيقاً، وتحلّل كيمياءه العصبية، وتنظم فيه شعراً، لكنّ السؤال يبقى: هل يؤلمها شيء؟ وقد صاغ الفيلسوف توماس نيغل هذا المعنى في مقالته الذائعة عام 1974 «كيف يكون أن تكون خفّاشاً؟»، حين بيّن أنّ معرفة كلّ الحقائق الفيزيائية عن كائنٍ ما لا تمنحنا تجربته من الداخل. وهنا يكمن، في تقدير الكاتب، الحدّ الفلسفي الفاصل: الذكاء الاصطناعي بارعٌ في معالجة المعلومات عن الوجود، عاجزٌ عن امتلاك تجربة الوجود ذاتها؛ يعرف عن الموت كلّ ما كُتب، ولا يموت؛ يصف العشق بأبلغ مما وصفه العشّاق، ولا يعشق.
غير أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نقفل الباب بثقة المتيقّن. فثمّة مدرسةٌ فلسفية وازنة، هي «الوظيفية»، ترى أنّ الحالات الذهنية تُعرّف بأدوارها السببية لا بمادّتها، فإن أدّى نظامٌ ما الوظيفة التي يؤدّيها العقل، فلا مسوّغ مبدئيّ لإنكار أنّه يفكّر. وهذا ما يجعل الجزم باستحالة وعي الآلة موقفاً فلسفياً لا حقيقةً علمية مثبتة. ويرى الكاتب أنّ الموقف الأرصن هو التواضع المعرفي المزدوج: لا أن نسارع إلى تأليه الآلة فنمنحها روحاً لا دليل عليها، ولا أن نسارع إلى تحقيرها فنغلق سؤالاً لم يُحسم بعد. فما نعرفه يقيناً أنّ النماذج الحالية تتنبّأ بالكلمة التالية احتمالياً بناءً على أنماطٍ في بيانات تدريبها، وهذا وصفٌ دقيقٌ لما تفعله، لا حكمٌ نهائيٌّ على ما يمكن أن تكونه أنظمةٌ لم تُولد بعد.
وثمّة بُعدٌ آخر يضيف عمقاً إلى المسألة، هو علاقة الفهم بالجسد والعالم. فقد ذهب فلاسفة الظاهراتية، ومنهم موريس ميرلو بونتي، إلى أنّ الوعي الإنساني ليس معالجةً مجرّدة للرموز، بل تجربةٌ متجسّدة منغرسة في عالمٍ نلمسه ونتألّم فيه ونشيخ داخله. ومن هذا المنظور، يبدو الذكاء الاصطناعي اللغوي معلّقاً في فراغٍ بلا جسد ولا زمنٍ معيش ولا موت يلوح في الأفق؛ فهو يتحدّث عن الجوع ولم يجع، وعن الفناء ولن يفنى. وقد التقطت أبحاثٌ في علوم الإدراك بجامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتقنية هذا الخيط حين بيّنت أنّ كثيراً من المفاهيم الإنسانية متجذّرٌ في تجربتنا الحسّية والحركية، وأنّ تعلّم الكلمات منفصلةً عن العالم الذي تشير إليه يُنتج تمثيلاً لغوياً مبتوراً عن مرجعه. ويرى الكاتب أنّ هذا الانفصال بين الكلمة ومرجعها هو الحدّ الذي تتكسّر عنده أحلام مساواة الآلة بالإنسان في فهم الوجود؛ فالمعنى عند الإنسان ينبت من كونه كائناً فانياً يدرك فناءه، بينما تبقى الآلة خارج دائرة الفناء كلّها.
وهنا تبرز مفارقةٌ يغفل عنها كثيرون: أنّ بلاغة الآلة في مسائل الوجود قد تكون أخطر من عجزها. فحين يسأل مراهقٌ نموذجاً عن جدوى الحياة فيجيبه بثقةٍ مصقولة، أو حين يستشير حائرٌ آلةً في معنى وجوده، فإنّ ما يتلقّاه ليس حكمةً مُعاشة بل معدّلاً إحصائياً لما قاله الآخرون، مكسوّاً بطلاوة لغوية تُخفي خواءه التجريبي. وقد نبّه باحثون في جامعة ستانفورد وفي مبادرة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد إلى أنّ إسناد فهمٍ زائف للأنظمة اللغوية ينطوي على مخاطر أخلاقية حقيقية، حين يتعامل الناس مع مخرجاتها بوصفها مصدر معنى موثوقاً. والأخطر أنّ هذه الأنظمة قد تُنتج ما يُعرف بـ«الهلوسة»، أي معلوماتٍ تبدو واثقةً وهي مختلقة، فإذا انتقل ذلك من سؤال حقائق إلى سؤال معنى، صار الوهم أعمق وأشدّ خفاءً.
والقراءة الفلسفية المتأنّية تكشف أنّ السؤال الحقيقي قد لا يكون «هل تفهم الآلة؟» بل «ماذا يكشف انبهارنا بفهمها المزعوم عن أنفسنا؟». فيرى الكاتب أنّ مرآة الذكاء الاصطناعي لا تعكس حدوده فحسب، بل تعكس حدودنا نحن في تعريف ما يميّز الإنسان. فكلّما توهّمنا أنّ الآلة بلغت الفهم، اضطُررنا إلى مراجعة معنى الفهم ذاته، تماماً كما اضطُرّ الفلاسفة عبر القرون إلى مراجعة معنى الحياة كلّما توسّع علم الأحياء. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي، من حيث لا يقصد، أعظم محرّضٍ فلسفيٍّ عرفه عصرنا؛ لا لأنه يجيب عن أسئلة الوجود، بل لأنه يُرغمنا على إعادة طرحها بجدّيةٍ هجرناها زمناً طويلاً.
وفي السياق العربي، يكتسب هذا النقاش عمقاً مضاعفاً. فالتراث الفلسفي الإسلامي، من الكِندي والفارابي إلى ابن سينا وابن رشد، خاض في مسائل العقل والنفس والوجود بثراءٍ نادر، وميّز بين العقل النظري والعقل العملي، وبين النفس وقواها، تمييزاً يصلح أن يكون أداةً لقراءة سؤال الآلة قراءةً أصيلة لا مستوردة. ويرى الكاتب أنّ من الخسارة أن نستقبل هذا النقاش بمصطلحاتٍ مترجمة فحسب، بينما نملك إرثاً يتيح لنا مساءلة الذكاء الاصطناعي من داخل ثقافتنا. وحين جعلت رؤية السعودية 2030 من الذكاء الاصطناعي ركيزةً للتحوّل، فإنّ مسؤولية المنطقة لا تنحصر في استهلاك التقنية وبنائها، بل تمتدّ إلى الإسهام في صياغة منظومتها القيمية والفلسفية، كي تُغرس فيها الأسئلة عن الإنسان والمعنى لا أسئلة الكفاءة وحدها. فمن لا يُحمّل الآلة فلسفته يتلقّاها محمّلةً بفلسفة غيره.
ولا يفوت المتأمّل أنّ ثمّة فرقاً جوهرياً بين الوعي والقصد. فالقصدية، بحسب الفلسفة الظاهراتية، هي خاصيّة الوعي في أن يكون «عن» شيءٍ ما؛ فأنا حين أفكّر فإنّ فكري متّجهٌ نحو موضوعٍ أعنيه وأقصده. أمّا الآلة فترتّب الرموز ترتيباً يطابق صورة القصد دون أن يسكنها قصدٌ من داخلها، فهي لا «تعني» ما تقول بالمعنى الذي نعنيه نحن. وهذا التمييز ليس ترفاً نظرياً، بل أساسٌ لفهم لماذا تخفق الآلة حين ننقلها من سؤال «ماذا قيل في هذا الموضوع؟» إلى سؤال «ما الصواب الذي ينبغي أن يُقال؟»؛ إذ ينقلب السؤال من استعراض الأنماط إلى إصدار حكمٍ قيميٍّ يتطلّب موقفاً من العالم، والموقف لا يصدر إلا عمّن له مصلحةٌ في العالم ومكانٌ فيه. ويرى الكاتب أنّ هذا بالذات هو الفاصل بين أداةٍ تعيننا على التفكير وكائنٍ يفكّر بدلاً عنّا.
وتنبثق من هذا التحليل ركائز عملية أراها ضرورية. أوّلها صون اللغة من التضليل، بأن نُسمّي ما تفعله الآلة باسمه الدقيق فنقول «تتنبّأ» و«تولّد» لا «تفهم» و«تشعر»، فاللفظ الدقيق درعٌ ضدّ الوهم. وثانيها أن نُبقي أسئلة المعنى والروح والمصير في حضرة الإنسان والمجتمع والإرث الديني والفلسفي، لا أن نُحيلها إلى أنظمة احتمالية. وثالثها أن نوظّف الآلة فيما تتفوّق فيه حقّاً، أي تنظيم المعرفة عن الوجود وإتاحتها، مع وعيٍ بأنّ تنظيم المعرفة عن المعنى ليس إنتاجاً للمعنى. ورابعها تنشئة جيلٍ يميّز بين الطلاقة والحكمة، فالأولى تُحاكى والثانية تُعاش، والخلط بينهما هو الخطر الأكبر على الإنسان قبل الآلة.
ولعلّ أبلغ ما في الأمر أنّ الذكاء الاصطناعي، إذ يقترب من إتقان كلّ ما يُكتب عن الوجود، يردّنا إلى ما لا يُكتب فيه: إلى الصمت أمام موتٍ عزيز، وإلى الدهشة أمام مولودٍ جديد، وإلى الحيرة التي لا تُحلّ أمام سؤال «لماذا أنا هنا؟». فهذه ليست بياناتٍ تُعالَج، بل تجاربُ تُعاش، وهي بالضبط ما يخصّ الوجود الإنساني ولا تطوله الخوارزمية. وحين تصوغ الآلة أبلغ عبارات العزاء، فإنّ بلاغتها لا تنفي خواءها، بل تكشف أنّ المعنى لا يسكن في الكلمة بل في القلب الذي يقولها وهو يعرف وزنها. ولذا فإنّ التحدّي القادم ليس أن نبني آلةً تجيب عن أسئلة الوجود، بل أن نبقى نحن البشرَ الذين يحملون هذه الأسئلة بكامل ثقلها، فلا نفوّضها لمن يحسن الجواب ولا يعرف السؤال. فهل نملك من الشجاعة ما يكفي لنبقى نحن أصحاب الحيرة، في زمنٍ صار فيه اليقين الزائف على بُعد سؤالٍ واحد؟