شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والفضاء

أيُّ ضربٍ من الجنون دفع كائنًا هشًّا، لا يتحمّل جسدُه فراغ الفضاء لأكثر من ثوانٍ معدودة، أن يطمح إلى رؤية ما وراء حافة المجموعة الشمسية؟ ها نحن أولاء، مخلوقاتٌ مقيّدةٌ بجاذبيةٍ صغيرة وبأنفاسٍ تحتاج إلى أوكسجين، نمدّ أيدينا الخفيّة إلى أبعد نقطةٍ بلغها صنعُ البشر؛ غير أنّ اليد التي تمتدّ ليست يدًا من لحمٍ ودم، بل عقلٌ من سيليكونٍ وخوارزميات. لقد بلغ بنا المطافُ أن نرسل بدلاءَ عنّا، آلاتٍ تفكّر وتقرّر وتختار، إلى حيث لا تطؤه أقدامُنا ولا تصمد عنده أبصارُنا. والمفارقة أنّ أعظم ما حقّقه الإنسان في استكشاف الكون لم يكن بحضوره، بل بغيابه؛ بأن وكّل عنه ذكاءً صناعيًّا يرى نيابةً عنه، ويصبر حيث ينفد صبرُه، ويبقى حيث يفنى جسدُه.

ليست هذه الشراكةُ بين الإنسان والآلة في الفضاء وليدةَ السنوات الأخيرة، وإن بدت كذلك في خطاب الإعلام. فمنذ أن هبطت مركباتُ الاستطلاع الأولى على سطح القمر والمريخ، كان ثمّة قدرٌ من الاستقلالية محتومًا؛ إذ إنّ الإشارة الراديوية التي تربط مركز التحكّم في الأرض بمركبةٍ على المريخ تستغرق ما بين ثلاث دقائق وعشرين دقيقةً في كلّ اتجاه، تبعًا لموقع الكوكبين من مدارَيهما. وهذا التأخيرُ البسيط ظاهريًّا يحمل في طيّاته مأزقًا فلسفيًّا عميقًا: كيف تقود مركبةً تبعد عنك ملايين الكيلومترات، إذا كان كلُّ أمرٍ تصدره يصلها بعد فوات الأوان؟ الجواب أنّك لا تقودها؛ بل تمنحها عقلًا تقود به نفسها. ومن هنا وُلدت الحاجةُ إلى الذكاء الاصطناعي في الفضاء، لا بوصفه ترفًا تقنيًّا، بل بوصفه ضرورةً تفرضها الفيزياء نفسُها، فالمسافةُ تحرم الإنسانَ من فضيلة التدخّل الآني، ولا تترك له إلا أن يأتمن آلتَه على الحكم.

ولعلّ أبلغ تجلٍّ لهذه الفكرة ما تشهده مركباتُ ناسا الجوّالة على سطح المريخ، حيث تعتمد على أنظمة ملاحةٍ ذاتيةٍ تحلّل التضاريسَ وتتجنّب العوائقَ وتختار مساراتِها دون انتظار أمرٍ من الأرض. بل إنّ بعض هذه المركبات صارت تختار بنفسها أيَّ الصخور تستحقّ الفحصَ بالليزر، معتمدةً على خوارزميةٍ دُرّبت على تمييز ما قد يحمل دلالةً علميةً عمّا لا يحملها. هنا يقف المرء متأمّلًا: لقد فوّضنا للآلة لا مجرّد الحركة، بل الفضول ذاته، تلك الشرارةُ التي طالما عددناها حكرًا على الوعي البشري. ويرى الكاتب أنّ في هذا التفويض منعطفًا لا يقلّ خطورةً عن أيّ منعطفٍ في تاريخ العلم؛ فحين نعلّم الآلةَ ما الذي يستحقّ النظرَ إليه، نكون قد سلّمناها مفاتيحَ المعرفة من بابها الأول، وهو السؤال.

غير أنّ القصّة لا تنتهي عند سطح المريخ. فالتلسكوبات الفضائية الكبرى، ومنها تلسكوب جيمس ويب الذي تشاركت ناسا ووكالةُ الفضاء الأوروبية في إنجازه، تنتج كمًّا من البيانات يفوق طاقةَ أيّ فريقٍ بشريٍّ على معالجته يدويًّا. وهنا يأتي دورُ خوارزميات التعلّم الآلي التي تغربل ملايين الأرصاد، تبحث عن أنماطٍ خافتة، وتميّز توقيعَ كوكبٍ خارجيٍّ يعبر أمام نجمه عن مجرّد ضجيجٍ في القياس. لقد أحصى الباحثون آلافَ الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية، وما كان لهذا الحصاد أن يكون لولا عقولٌ اصطناعيةٌ لا تَكلّ ولا تَسأم من تكرار النظر. وقد أشارت دراساتٌ صادرةٌ عن مختبراتٍ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنّ الشبكات العصبية باتت قادرةً على اكتشاف توقيعات الكواكب العابرة بدقّةٍ تُضاهي خبراءَ الفلك، بل تتجاوزهم في السرعة. ويذهب باحثون في جامعة هارفارد إلى أبعد من ذلك، إذ يرون في الذكاء الاصطناعي أداةً لإعادة تعريف ما نظنّه «إشارةً» وما نظنّه «صدفة» في فيض البيانات الكوني.

شاطئ الجبيل وثمّة بُعدٌ آخرُ كثيرًا ما يُغفل في الحديث عن هذه الشراكة، وهو أنّ الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بأن يرى، بل صار يتنبّأ ويحمي. فأنظمةُ مراقبة الطقس الفضائي، التي ترصد العواصفَ الشمسيةَ المحتملة، تعتمد على نماذجَ تنبؤيةٍ تحلّل سلوكَ الشمس وتنذر بانبعاثاتٍ قد تهدّد الأقمار الصناعية وشبكات الكهرباء على الأرض. كذلك تتولّى خوارزمياتٌ متخصّصةٌ تتبّعَ الحطام المداري، ذلك الكمّ الهائل من الشظايا التي تدور حول كوكبنا بسرعاتٍ مهلكة، فتحسب احتمالاتِ الاصطدام وتقترح مناوراتٍ تفاديةً للأقمار العاملة. وهكذا تحوّل الذكاء الاصطناعي من مستكشفٍ يتطلّع إلى البعيد، إلى حارسٍ يحمي القريب، في ازدواجيةٍ تكشف عن نضج هذه التقنية وتغلغلها في كلّ طبقةٍ من طبقات نشاطنا الفضائي.

شاطئ الجبيل وإذا تأمّلنا في الجيل القادم من المهمّات الفضائية، أدركنا أنّ دور الذكاء الاصطناعي مرشّحٌ للتعاظم لا للانكماش. فالمركباتُ المتّجهةُ إلى الكواكب الخارجية وأقمارها الجليدية، حيث يبلغ زمنُ تأخير الإشارة ساعاتٍ لا دقائق، لن يكون أمامها بدٌّ من الاعتماد على ذاتها في كلّ قرارٍ حرج، من الهبوط إلى أخذ العيّنات إلى تشخيص أعطالها وإصلاحها. ويتوقّع باحثون في مختبر الدفع النفّاث التابع لناسا أن تصبح المهمّاتُ المقبلة قادرةً على إعادة برمجة أولوياتها العلمية ذاتيًّا بناءً على ما ترصده في لحظتها، فإن صادفت بركانًا جليديًّا ثائرًا على أحد أقمار زحل مثلًا، اختارت من تلقاء نفسها أن تخصّص له مواردَها بدل التمسّك بخطّةٍ وُضعت قبل سنواتٍ على الأرض. وهنا تبلغ فكرةُ التفويض ذروتها: آلةٌ لا تنفّذ علمًا فحسب، بل تمارس اجتهادًا علميًّا في عزلةٍ كونيةٍ تامّة، بعيدةً عن كلّ يدٍ بشريةٍ قد تصحّح أو تردع.

على أنّ هذا التقدّم لا ينبغي أن يُغرينا بنشوةٍ ساذجة. فالكاتب يرى أنّ ثمّة وهمًا خطيرًا يتسلّل إلى خطابنا حين نتحدّث عن آلاتٍ «تستكشف» الكون وكأنّها تمتلك إرادةً مستقلّة. الحقيقةُ أنّ هذه الأنظمة، مهما بلغت من تعقيد، تظلّ مرآةً لافتراضاتنا نحن، محكومةً بما درّبناها عليه، عمياءَ عمّا لم نعلّمها أن تراه. فإذا كانت خوارزميةٌ ما لا تبحث إلا عن أنماطٍ شبيهةٍ بما عرفناه من قبل، فكيف لها أن تكتشف ما هو مختلفٌ جذريًّا، ما يقع خارج أُطُر توقّعاتنا؟ وهنا تكمن المفارقةُ الكبرى: قد يكون الذكاء الاصطناعي أعظمَ أدواتنا لرؤية المألوف في الكون، وأعجزَها عن مفاجأتنا بالمجهول الحقيقي. وقد نبّه باحثون في جامعة ستانفورد إلى ما سمّوه «انحياز التدريب»، وهو أنّ النموذج يميل إلى تأكيد ما تعلّمه لا إلى نقضه، وهذا في سياق العلم الكوني خطرٌ معرفيٌّ بالغ؛ إذ إنّ أعظم الاكتشافات في تاريخ الفلك كانت في جوهرها مفاجآتٍ خرقت المتوقّع.

ويرى الكاتب كذلك أنّ السؤال الأعمق ليس عمّا تستطيعه الآلة، بل عمّا نتنازل عنه نحن حين نوكّله إليها. فحين نسلّم الفضولَ والصبرَ والقدرةَ على الدهشة إلى أنظمةٍ خوارزمية، ألا نخاطر بأن نضمر فينا تلك الملكاتُ نفسها؟ إنّ في الاستكشاف البشري للفضاء بُعدًا وجوديًّا لا يُختزل في جمع البيانات؛ فالإنسان حين رفع بصره إلى النجوم لم يكن يبحث عن أرقامٍ فحسب، بل عن معنًى لموقعه في هذا الاتّساع المرعب. والآلةُ، مهما أحصت وصنّفت، لا تشعر بالرهبة، ولا تطرح سؤال الغاية. ومن ثمّ فإنّ أعظم ما ينبغي أن نحرص عليه هو ألّا تحلّ كفاءةُ الآلة محلّ حيرة الإنسان، فالحيرةُ هي منبع الفلسفة وأمّ العلوم. وقد لاحظ مفكّرون في جامعة أوكسفورد أنّ خطر العصر ليس في أن تفكّر الآلاتُ كالبشر، بل في أن يكفّ البشرُ عن التفكير اتّكالًا على آلاتهم، وهي ملاحظةٌ تكتسب في ميدان الفضاء وزنًا مضاعفًا؛ لأنّ الفضاء بطبيعته هو آخر المساحات التي ما زالت قادرةً على إذهالنا.

وفي هذا السياق تبرز رؤيةُ المملكة العربية السعودية 2030 بوصفها نموذجًا لأمّةٍ أدركت أنّ الفضاء لم يعد ميدانًا لقوًى بعينها، بل أفقًا مفتوحًا لكلّ من يملك الإرادةَ والمعرفة. فبرنامج الفضاء السعودي، الذي حمل روّادَه إلى مدار الأرض، ومبادراتُ الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، تشكّل معًا بنيةً طموحةً لمستقبلٍ يكون فيه العربيُّ صانعًا لهذه التقنيات لا مجرّد مستهلكٍ لها. ويرى الكاتب أنّ الفرصة التاريخية المتاحة للسعودية والمنطقة العربية تكمن في الجمع بين تراثٍ علميٍّ عريقٍ، رصد فيه أجدادُنا النجومَ وسمّوها وحسبوا مساراتِها قبل قرون، وبين أدواتٍ معاصرةٍ تعيد للعقل العربي موقعَه في طليعة من يسائلون الكون. وما أحوجَنا، ونحن نبني مراكزَنا البحثيةَ ومنشآتِنا الفضائية، إلى أن نطرح السؤالَ الصحيح: هل نريد ذكاءً اصطناعيًّا يستكشف الكونَ بأسئلتنا نحن، أم نكتفي بأن نستعير أسئلةَ غيرنا مغلّفةً في خوارزمياتٍ جاهزة؟

فإذا أردنا أن نبني شراكةً حكيمةً مع هذه الآلات، فلا بدّ من ركائزَ ثلاث: أولاها أن نُبقي الإنسانَ في حلقة القرار العلمي، فلا نجعل من تفويض الآلة استقالةً من المسؤولية الفكرية؛ وثانيتها أن نستثمر في تعليم أجيالنا لا استخدامَ هذه الأنظمة فحسب، بل فهمَ حدودها وانحيازاتها، فالوعي بالقيد شرطٌ لتجاوزه؛ وثالثتها أن نوطّن هذه التقنيات في بيئتنا العربية، فنطوّرها بأيدينا ونوجّهها لأسئلتنا، لا أن نستوردها جاهزةً محمّلةً بأولويات سواها. وإلى هذه الركائز الثلاث تنضمّ ركيزةٌ رابعةٌ لا تقلّ أهمية، وهي صون البُعد الإنساني في الاستكشاف ذاته، فلا يصبح الفضاءُ مجرّد قاعدة بياناتٍ نعالجها، بل يبقى ذلك الحقلَ الذي يربّي فينا التواضعَ والدهشةَ والشوق إلى المعنى.

ولا يفوتنا، في خضمّ هذا الانبهار بالقدرات، أن نتأمّل في الكلفة الأخلاقية والمعرفية لهذا التحوّل. فحين تتولّى الآلةُ غربلةَ السماء، فإنّ ما تهمله لا يقلّ دلالةً عمّا تختاره؛ إذ إنّ كلّ خوارزميةٍ تنطوي على سُلّمٍ خفيٍّ للأولويات، يقرّر ما يستحقّ الانتباهَ وما يُطرح جانبًا بوصفه ضجيجًا. وقد يكون في هذا «الضجيج» المهمَل اكتشافٌ ينتظر عينًا لم تُدرَّب على تجاهله. ويرى الكاتب أنّ المسؤولية العلمية تقتضي ألّا نكتفي بالثقة في حكم الآلة، بل أن نُبقي بابًا مفتوحًا للشكّ المنهجي، فنعيد بين الحين والحين النظرَ فيما استبعدته أنظمتُنا، لعلّ في المهمَل سرًّا. إنّ تاريخ العلم مليءٌ بالاكتشافات التي وُلدت من شذوذٍ بدا في حينه خطأً أو خللًا، قبل أن يتّضح أنّه نافذةٌ على قانونٍ جديد؛ والآلةُ المبرمجةُ على تصحيح الشذوذ قد تُطفئ، من حيث لا ندري، شرارةَ ثورةٍ علميةٍ قادمة.

ويبقى السؤال معلّقًا في فضاءٍ لا قرارَ له: حين تبلغ مركباتُنا الذكية تخومَ ما لا نقدر على بلوغه، وحين ترى عيونٌ صناعيةٌ ما لن تراه أعينُنا أبدًا، هل سيظلّ ذلك الكشفُ كشفًا لنا، أم سيغدو معرفةً تخصّ الآلةَ وحدها، نطّلع عليها كما نطّلع على رسالةٍ بلغةٍ نصف نحفظها؟ ولعلّ أصدق ما يمكن أن نأمله ليس أن تستكشف الآلةُ الكونَ نيابةً عنّا، بل أن تعيد إلينا، عبر ما تكشفه، شيئًا من تلك الدهشة الأولى التي رفعت أبصار أسلافنا إلى السماء. فهل نملك من الحكمة ما يجعلنا نظلّ، رغم كلّ ذكاء آلاتنا، الكائنَ الذي يسأل لماذا؟