هل يمكن لخوارزميةٍ لا تشعر بحرارة الشمس على جدارٍ طينيّ، ولا تعرف معنى الظلّ في ظهيرةِ صيفٍ خليجيّ، أن تُصمّم لنا بيتاً نطمئنّ فيه؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى مفارقةً ساخرة، إذ كيف نأتمنُ على فنّ العمارة، وهو أعرقُ تجلّيات الحضارة الإنسانية، آلةً لا تسكن ولا تتذكّر ولا تحنّ إلى مكان؟ غير أنّ المفارقة الأعمق أنّ هذه الآلة ذاتها صارت اليوم ترسم خطوط المدن، وتوزّع الكتل، وتحسب زوايا الشمس على الواجهات قبل أن تُصبّ خرسانةٌ واحدة. فالعمارة، التي ظلّت قروناً حكراً على حدس المعماريّ ويده، تدخل اليوم طوراً يتقاسم فيه القرارَ التصميميَّ عقلٌ بشريٌّ وآخر اصطناعيّ، فهل نحن أمام موت المعماريّ، أم أمام ولادته من جديد بأدواتٍ لم يحلم بها أسلافه؟
لم تكن العمارة يوماً مجرّد جدرانٍ وسقوف؛ إنّها، كما يذهب كثيرٌ من منظّري العمران، تجسيدٌ مادّيّ للقيم والذاكرة والمناخ والاقتصاد في آنٍ واحد. ولفهم ما يفعله الذكاء الاصطناعي بهذا الفنّ، يحسن أن نتذكّر أنّ التصميم في جوهره مسألة قيود وموازنات: ضوءٌ ينبغي إدخاله وحرارةٌ ينبغي ردّها، وكلفةٌ محدودة وفضاءٌ مطلوب، وجمالٌ منشود وسلامةٌ إنشائية لا تُساوَم. وهنا تحديداً تجد الخوارزميات موطئ قدمها، فهي بارعةٌ في اجتياز فضاءٍ شاسعٍ من الاحتمالات بحثاً عن الحلّ الأمثل. ما يُعرف اليوم بـ«التصميم التوليدي» ليس سوى تطبيقٍ لهذا المبدأ، إذ يُغذّي المعماريُّ النظامَ بأهدافه وقيوده، فيولّد له النظامُ مئات بل آلاف البدائل التصميمية في دقائق، ويصنّفها وفق معاييره. وتشير دراسات معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أنّ هذا النوع من الأمثلة الحاسوبية لتخطيط المباني وتوجيهها بات قادراً على خفض استهلاك الطاقة في المنشآت خفضاً ملموساً قبل وضع الحجر الأول، لا بالتجربة المكلفة بعد البناء. والفارق هنا جوهريّ؛ فالمعماريّ التقليديّ كان يختبر فرضيةً أو فرضيتين قبل أن يستقرّ على حلّ، أمّا النظام التوليديّ فيجوب فضاء الحلول كلَّه، ويأتي أحياناً بتركيباتٍ ما كان العقل البشريّ ليبلغها بمنطقه الخطّيّ المعتاد.
غير أنّ القفزة الأبعد أثراً ليست في المبنى المفرد، بل في المدينة بأسرها. فمنذ سنواتٍ يتحدّث باحثو مختبر «سِنْسِبل سِتي» في معهد ماساتشوستس عن المدينة بوصفها كائناً حيّاً يبثّ بياناته في كلّ لحظة: حركة المركبات، وتدفّق المشاة، وأنماط استهلاك الكهرباء، ودرجات الحرارة في كلّ حيّ. وحين تُجمع هذه التدفّقات الهائلة وتُحلّل بالذكاء الاصطناعي، تتحوّل من ضجيجٍ عشوائيّ إلى خريطةٍ حيّة تكشف كيف تتنفّس المدينة فعلاً، لا كما تخيّلها مخطّطوها على الورق. وتؤكّد أبحاثٌ في جامعة هارفارد، ولا سيّما في معهدها للتصميم العمرانيّ، أنّ النماذج التنبّؤية صارت تتيح للمخطّطين محاكاة أثر قرارٍ تخطيطيّ واحدٍ، كفتح شارعٍ أو نقل محطّة، على شبكة المدينة كاملةً قبل تنفيذه. هنا يكفّ التخطيط عن كونه رهاناً على المستقبل، ويصير تجربةً افتراضيةً تُختبر فيها عشرات السيناريوهات بلا كلفةٍ ولا ندم. والأهمّ أنّ هذه المحاكاة لا تقيس الكفاءة وحدها، بل تقيس العدالة أيضاً: من يستفيد من الشارع الجديد، ومن يدفع ثمن الازدحام، وأيّ الأحياء يُهمَّش حين تُعاد هندسة الحركة؟ تلك أسئلةٌ كانت تُؤجَّل إلى ما بعد التنفيذ، فصارت اليوم جزءاً من المعادلة منذ لحظتها الأولى.
ولأنّ السائد في الخطاب الرائج أنّ الذكاء الاصطناعي سيجعل المدن «ذكيةً» فحسب، فإنّي أرى أنّ هذا التصوّر مختزِلٌ ومضلّل. فالمدينة الذكية الحقّة ليست تلك المثقلة بالحسّاسات والكاميرات، بل تلك القادرة على أن تكون مستدامةً وعادلةً في آن. ويرى الكاتب أنّ الخطر الأكبر في هذا المسار ليس فشل الخوارزمية، بل نجاحها المفرط في خدمة هدفٍ ضيّق على حساب أهدافٍ أعمق. فحين نطلب من النظام أن يُعظّم الكفاءة المرورية، قد يقترح علينا مدينةً تتدفّق فيها السيّارات بسلاسةٍ لكنّها طاردةٌ للمشاة، خاليةٌ من المقاهي والأرصفة التي تُنسج فيها الحياة. ولهذا تنبّه تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي مراراً إلى أنّ رقمنة المدن يجب أن تخضع لحوكمةٍ إنسانية صارمة، وألّا تتحوّل البيانات العمرانية إلى أداة مراقبةٍ أو إقصاءٍ للفئات الأضعف. فالاستدامة ليست معادلةً هندسيةً فقط، بل عقدٌ أخلاقيّ بين المدينة وساكنيها. وما أيسر أن ننسى، في زحمة الانبهار بالأرقام، أنّ كلّ خطٍّ على الخريطة هو في حقيقته حياةٌ تُيسَّر أو تُعسَّر، وأنّ المدينة التي تُحسَب كاملةً قد تُنسى فيها التفاصيل الصغيرة التي تجعل المكان جديراً بأن يُسكَن.
ويذهب فريقٌ من المتحمّسين إلى أنّ الخوارزمية ستحرّر المعماريّ من القيود لتطلق خياله نحو أشكالٍ عضوية لم تكن ممكنة. وهذا صحيحٌ في شقّه التقنيّ، إذ صار بمقدور النظم توليد بُنى مستوحاةٍ من الطبيعة، خفيفةٍ ومتينةٍ في آن، تُحاكي عظام الطير أو أوراق الشجر، فتُوفّر من المواد ما يُدهش، وتُقلّل الهدر إلى أدنى حدّ. لكنّ الكاتب يرى أنّ الإفراط في تفويض الإبداع للآلة يحمل مفارقةً مقلقة: فحين تتعلّم الخوارزميات من أرشيفٍ هائلٍ من المباني القائمة، فإنّها تميل بطبعها إلى إعادة إنتاج ما هو شائعٌ ومألوف، فتتسرّب إلينا رتابةٌ عالمية تُذيب خصوصية المكان. وتلفت أبحاثٌ في جامعة ستانفورد، ضمن دراساتها للذكاء الاصطناعي وأثره الاجتماعي، إلى أنّ النماذج التوليدية تعكس انحيازات بياناتها، وهو ما يعني عمرانياً خطر طمس الهويّات المحلّية لصالح طرازٍ كونيٍّ بلا جذور. فالخطر ليس أن تُبدع الآلة أشكالاً غريبة، بل أن تجعل مدننا كلّها تتشابه، حتى يصير المسافر بين العواصم كمن لم يبرح مكانه، فلا واجهةٌ تنبئه أين هو، ولا ساحةٌ تذكّره بمن سبقوه. والإبداع الحقّ، في ظنّي، ليس في غزارة الأشكال، بل في أن يقول المكان شيئاً عن أهله، وأن يحمل في حجارته أثراً من ذاكرتهم وذوقهم ومناخهم، فلا يكون مجرّد نسخةٍ متقنةٍ من حلٍّ نجح في مكانٍ آخر تحت سماءٍ أخرى. إنّ الخوارزمية تُجيد التكرار، أمّا الإنسان فهو وحده القادر على القطيعة الخلّاقة التي تُولد منها العمارات العظيمة.
أمّا في السياق العربي والخليجي، فالمسألة تتجاوز الترف التقنيّ إلى ضرورةٍ وجودية. فمناخنا القاسي، وندرة مياهنا، واتّساع رقعتنا الصحراوية، كلّها قيودٌ تجعل من التصميم المُحسَّن بالذكاء الاصطناعي حاجةً لا رفاهية. وحين أعلنت رؤية السعودية 2030 عن مشاريع عمرانية كبرى تراهن على المدن المعرفية والمستدامة، فإنّها في جوهرها راهنت على هذا الزواج بين العمارة والخوارزمية: مدنٌ تُصمَّم محاكاتُها قبل بنائها، وتُحسَب بصمتها الكربونية مسبقاً، وتُوجَّه مبانيها لتقليل الاعتماد على التبريد المكلف. غير أنّي أرى أنّ التحدّي الحقيقيّ أمامنا ليس استيراد التقنية، بل توطينها وتغذيتها ببياناتنا نحن وبموروثنا المعماريّ. فالعمارة النجدية التقليدية، بجدرانها السميكة وأفنيتها الداخلية وملاقفها الهوائية، كانت حلولاً مناخيةً ذكيةً سبقت الخوارزميات بقرون، إذ حفظت البرودة في الداخل وردّت وهج الصحراء بلا كهرباء ولا تبريد. والرهان الأذكى هو أن نُعلّم الآلة من حكمة أسلافنا، لا أن نستبدل بها قوالب مستوردة لا تعرف من شمسنا غير اسمها. وما أحوجنا، نحن في هذه البقعة من العالم، إلى عمارةٍ تنبع من أرضها لا تُفرَض عليها من خارجها.
وثمّة بُعدٌ كثيراً ما يُغفل في هذا النقاش، وهو دورة حياة المبنى كاملةً لا لحظة تشييده وحدها. فالذكاء الاصطناعي اليوم لا يصمّم فحسب، بل يُدير ويصون؛ إذ تتيح نظم «التوأم الرقمي» إنشاء نسخةٍ افتراضيةٍ حيّةٍ من المبنى تُحاكي سلوكه لحظةً بلحظة، فتتنبّأ بأعطال التكييف قبل وقوعها، وتضبط الإضاءة والتهوية وفق أنماط السكّان الفعلية. وتشير تقديرات منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ قطاع المباني يستأثر بحصّةٍ معتبرةٍ من انبعاثات الطاقة عالمياً، ومن ثمّ فإنّ إدارة المباني القائمة بذكاءٍ قد تكون أعظم أثراً في خفض البصمة الكربونية من بناء منشآت جديدة براقة. هنا تكمن، في رأيي، الثورة الأعمق والأقلّ بريقاً إعلامياً: لا في الأبراج الخارقة، بل في جعل ما لدينا من مبانٍ يتنفّس بكفاءةٍ أعلى. فالمبنى المُستدام ليس بالضرورة المبنى الجديد، بل المبنى الذي يُحسن استهلاك ما يُعطى له، ويُطيل عمره بدل أن يُهدَم ليُعاد بناؤه. وفي هذا المعنى تصير الصيانة الذكية فعلاً بيئياً لا يقلّ شأناً عن التصميم البارع. ولعلّ أعظم ما تَعِد به هذه النظم أنّها تنقل العمارة من فعلٍ ينتهي عند تسليم المفتاح إلى علاقةٍ ممتدّةٍ تدوم ما دام المبنى قائماً، علاقةٍ يتعلّم فيها المبنى من ساكنيه كما يتعلّمون منه.
ولكي لا يبقى الكلام نظرياً معلّقاً، تتّكئ هذه الرؤية على ركائز عملية ثلاث. أولاها أنّ تبقى البيانات العمرانية ملكاً عاماً خاضعاً لحوكمةٍ شفّافة، فلا تُحتكر ولا تُساء، فالمدينة لساكنيها لا لمن يملك خوادمها. وثانيتها أن يتحوّل تعليم العمارة في جامعاتنا ليُخرّج معمارياً يُتقن الحوار مع الخوارزمية نقداً وتوجيهاً، لا مجرّد مشغّلٍ لبرامج جاهزة يقبل مخرجاتها بلا تمحيص. وثالثتها أن نُرسي «أخلاقيات تصميمٍ» تجعل العدالة المكانية واحترام الهويّة المحلّية معياراً صريحاً في كلّ نظامٍ توليديّ، تماماً كما هي الكفاءة والكلفة. فالأداة محايدةٌ في ظاهرها، لكنّ القيم التي نبرمجها فيها هي التي تحدّد إن كانت ستبني مدناً للإنسان أم مدناً ضدّه. وما لم نُحسن صياغة هذه القيم سلفاً، فإنّ الكفاءة وحدها ستملأ الفراغ، والكفاءة بلا عدالةٍ قد تبني مدناً ناجعةً بلا روح. وتذكّرنا تجارب جامعة أكسفورد في دراسة أخلاقيات التقنية بأنّ الحياد التقنيّ وهمٌ مريح؛ فما من خوارزميةٍ بلا قيمةٍ مضمرة، وإنّما السؤال دوماً: قيمة من، ولصالح من؟
يخطئ من يظنّ أنّ الذكاء الاصطناعي سيُنهي حاجتنا إلى المعماريّ؛ بل الأرجح أنّه سيُعيد تعريف دوره. فحين تتولّى الآلة الحساب والمحاكاة وفرز الاحتمالات، يتحرّر الإنسان للسؤال الأعمق الذي لا تملك الخوارزمية أدواته: لمن نبني، وأيّ حياةٍ نريد أن نعيشها بين هذه الجدران؟ إنّ مدن المستقبل المستدامة لن تُصمّمها الخوارزمية وحدها، ولن يصمّمها الحدس البشريّ وحده، بل ذلك الحوار الدقيق الصعب بينهما. والمعماريّ الذي سيبقى ليس من يقاوم الآلة ولا من يستسلم لها، بل من يُحسن أن يجعلها تخدم رؤيةً إنسانية يعجز هو وحده عن حسابها، وتعجز هي وحدها عن تخيّلها. وربّما يكون أجمل ما في هذا الأفق المفتوح أنّ السؤال القديم عن معنى المأوى الجيّد لم يُجب عنه بعد؛ وكلّ ما فعلته الخوارزمية أنّها أعادت طرحه علينا بإلحاحٍ جديد، فجعلتنا نتساءل: أيّ مدينةٍ نستحقّ، وأيّ مدينةٍ سنترك لمن يأتي بعدنا؟