ماذا لو كان العقل الذي نخشى أن يلتهم طاقة الكوكب هو ذاته العقل القادر على أن ينقذها؟ هذه المفارقة الحادّة تختصر واحدة من أعقد معضلات زماننا، إذ تتسارع مراكز البيانات التي تُدرّب النماذج الذكية في ابتلاع الكهرباء بنهمٍ غير مسبوق، بينما تبشّرنا الخوارزميات ذاتها بقدرةٍ على ترشيد كل واط يجري في الشبكة من المحطة إلى المصباح. ولا يكاد يمرّ تقرير من وكالة الطاقة الدولية إلا ويلفت إلى أنّ الطلب الكهربائي لمراكز البيانات مرشّح للتضاعف خلال سنوات قليلة، حتى صار السؤال محيّراً: أهو لعنة الاستهلاك المتعاظم، أم بوابة الكفاءة الموعودة؟ وبين هذين القطبين تتأرجح سياسات الدول وحسابات الشركات ومصير مناخٍ لم يعد يحتمل التأجيل.
لفهم الرهان لا بدّ من العودة إلى بنية الشبكة الكهربائية نفسها، تلك المنظومة التي وصفها كثيرٌ من المهندسين بأنها أعقد آلة بناها الإنسان على الإطلاق. فالشبكة التقليدية وُلدت في عصرٍ كانت فيه الكهرباء تسري في اتجاهٍ واحد، من محطةٍ ضخمة تحرق الفحم أو الغاز إلى مستهلكٍ سلبيٍّ في آخر الخط، ولم تكن تُطالَب بأكثر من أن توازن العرض والطلب لحظةً بلحظة لئلا تنهار. غير أنّ هذا التوازن الذي كان بسيطاً نسبياً انقلب إلى مسألةٍ مرعبة التعقيد حين دخلت الطاقة المتجددة المشهد؛ فالشمس لا تُشرق بالطلب، والرياح لا تهبّ بالجدول، والكهرباء صارت تتدفّق في اتجاهين بعدما أمسى المنزل ذو الألواح الشمسية منتِجاً ومستهلكاً في آن. ولأنّ الكهرباء، بخلاف سائر السلع، لا تكاد تُخزَّن بسهولة، فإنّ ما يُولَّد يجب أن يُستهلَك في اللحظة ذاتها تقريباً، وإلا تردّى تردّداً كهربائياً ينذر بانهيارٍ يعمّ. وهنا، حيث عجز الإنسان عن متابعة ملايين المتغيّرات في الثانية الواحدة، يدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه العقل المدبّر الذي تحتاجه شبكةٌ لم تعد تحتمل الإدارة اليدوية. ولنا أن نتخيّل مشغّلاً بشرياً يجلس أمام لوحة تحكّم تتدفّق إليها قراءاتٌ من آلاف العقد في آنٍ واحد، عليه أن يقرّر في أجزاء من الثانية أين يوجّه التيار وأين يقطعه، فيُدرك على الفور أنّ المهمّة تجاوزت طاقة العقل المنفرد منذ زمن، وأنّ ما كان بالأمس يكفيه حدسٌ مدرَّبٌ صار اليوم يستلزم منظومةً تتعلّم وتتكيّف وتسبق الحدث لا تلاحقه.
يرى الكاتب أنّ الخطأ الشائع هو تصوير العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والطاقة بوصفها معادلةً صفرية، طرفها استهلاكٌ شرهٌ في مقابل وفورات هزيلة. فالحقيقة الأعمق أنّ ما يستهلكه التدريب مرة واحدة قد تردّه الكفاءة أضعافاً عبر تشغيلٍ دائم لشبكاتٍ أذكى ومصانع أرشد ومبانٍ أقلّ هدراً. وقد بيّنت دراساتٌ خرجت من مختبرات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنّ خوارزميات التحكّم القائمة على التعلّم المعزّز قادرةٌ على خفض استهلاك الطاقة في أنظمة التبريد ضمن مراكز البيانات بنسبٍ معتبرة، حين تتعلّم الآلة من تلقاء نفسها متى تبرّد وكم تبرّد، بدل أن تظلّ رهينة جداول ثابتة وضعها مهندسٌ منذ سنوات. والمفارقة البليغة أنّ العقل الذي يُتّهم بالنهم هو نفسه الذي يكبح نهمه حين يُؤذَن له بإدارة بيئته. بل إنّ بعض ما تنشره مختبرات شركات التقنية الكبرى يشير إلى أنّ تطبيق التعلّم العميق على إدارة تبريد منشآت الحوسبة قلّص فاتورة الطاقة المخصّصة للتبريد إلى كسرٍ ممّا كانت عليه، فيما يُعدّ برهاناً عملياً على أنّ الذكاء حين يُوجَّه إلى نفسه يصير أداة كبحٍ لا أداة توسّع.
غير أنّ الرهان الأكبر ليس داخل أسوار مراكز البيانات، بل في الشبكة الممتدّة على رقعة الأوطان. فالتحدّي الجوهري في عصر التحوّل الطاقي هو ما يسمّيه الخبراء «التقطّع»: كيف تموازن بين عرضٍ متذبذبٍ من الشمس والرياح وطلبٍ لا يكفّ عن التحرّك؟ هنا تتجلّى عبقرية ما بات يُعرف بالشبكة الذكية، إذ تتحوّل الشبكة من خطٍّ أعمى ينقل الكهرباء إلى جهازٍ عصبيٍّ يستشعر ويتنبّأ ويتفاوض. فالنماذج التنبّؤية تقرأ أحوال الطقس وأنماط الاستهلاك لتقدّر كم ستولّد المزارع الشمسية بعد ساعات، ومتى سيبلغ الطلب ذروته، فتعيد توجيه الطاقة وتخزينها وتسحبها من البطاريات في توقيتٍ يكاد يكون نبوءة. وأبعد من ذلك، تستطيع الخوارزميات أن تتنبّأ بالأعطال قبل وقوعها حين تقرأ في اهتزازات المحوّل أو حرارة الكابل علامات إنهاكٍ خفيّة لا تدركها عين الإنسان، فتصلح ما يوشك أن ينكسر قبل أن ينكسر، وتنقل الصيانة من ردّ فعلٍ متأخّر إلى استباقٍ يقظ. وتشير تقديراتٌ تتبنّاها وكالة الطاقة الدولية إلى أنّ الإدارة الذكية للشبكات قد تؤجّل أو تلغي الحاجة إلى استثماراتٍ هائلة في بناء خطوطٍ ومحطاتٍ جديدة، لأنّ تعظيم كفاءة ما هو قائمٌ أرخص بكثير من تشييد ما هو إضافي.
وفي هذا الموضع تحديداً يلتقي السياق العربي بأكثر تجاربه طموحاً. فرؤية السعودية 2030 لم تطرح التحوّل الطاقي بوصفه ترفاً بيئياً، بل بوصفه إعادة تعريفٍ لمصدر الثروة ذاته، حين تتجه دولةٌ بنت مجدها على النفط إلى تنويع مزيجها الطاقي والاستثمار في الطاقة المتجددة على نطاقٍ يكاد يكون قاريّاً. ولعلّ مدينة نيوم، بمشروعها الحضري الذي يُراد له أن يعمل بطاقةٍ متجدّدة بالكامل، تجسّد هذا الرهان في أوضح صوره؛ إذ لا يُتصوّر أن تُدار مدينةٌ بهذا التعقيد دون عقلٍ رقميٍّ يوازن إنتاج الشمس والرياح مع طلبٍ متغيّر لحظةً بلحظة، ويوزّع الأحمال، ويتنبّأ بالأعطال قبل وقوعها. وهنا يرى الكاتب أنّ ميزة المنطقة العربية ليست في وفرة الشمس وحدها، تلك النعمة التي حسدها عليها العالم طويلاً، بل في أنها تبني شبكاتها الحديثة من صفحةٍ شبه بيضاء، فلا ترث أعباء بنيةٍ تحتيةٍ عتيقة تكبّل التحديث كما ترثها الدول الصناعية القديمة، بل تستطيع أن تَدمج الذكاء في نسيج الشبكة منذ لحظة تأسيسها. وما يُعدّ في الغرب عبئاً يستوجب الهدم وإعادة البناء، قد يكون في المنطقة فرصةً للقفز فوق مراحل التطوّر دفعةً واحدة، تماماً كما قفزت اقتصاداتٌ ناشئة فوق مرحلة الهواتف السلكية إلى الجوّال مباشرة. على أنّ هذه الفرصة لن تُقطف بمجرّد امتلاك التقنية مستوردةً جاهزة، بل بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة التي تحرّكها وصيانتها وتطويعها للسياق المحلّي، فالشمس الوافرة لا تكفي وحدها ما لم يصاحبها استثمارٌ في العقول التي تُحوّل وفرة الطبيعة إلى صناعةٍ راسخة، وفي مراكز البحث التي تجعل المنطقة مصدّرةً للحلّ لا مستهلكةً له. وهنا تتجاوز رؤية التحوّل الطاقي حدود الكهرباء إلى أفقٍ أرحب، هو بناء اقتصادٍ معرفيٍّ تكون الطاقة المتجددة المدارة بالذكاء الاصطناعي إحدى ركائزه لا حدوده.
على أنّ النشوة بالوعود ينبغي أن تُكبَح بشيءٍ من التشكّك الرصين. فالذكاء الاصطناعي في الطاقة ليس عصاً سحرية، وقد نبّهت أبحاثٌ من جامعة هارفارد ومن جامعة ستانفورد على حدٍّ سواء إلى أنّ النماذج التنبّؤية لا تكون أصدق من البيانات التي تتغذّى عليها، وأنّ شبكةً ذكية تُبنى على قياساتٍ ناقصة أو منحازة قد تُضاعف الخطأ بدل أن تصحّحه. ثمّ إنّ منح الخوارزميات سلطةً على بنيةٍ تحتيةٍ حسّاسة كالكهرباء يفتح باباً واسعاً للهشاشة الأمنية، إذ تتحوّل الشبكة الذكية، بفرط ترابطها الرقمي، إلى هدفٍ مغرٍ للهجمات السيبرانية التي قد تُطفئ مدناً بأكملها بضغطة زر. وقد لفت تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي غير مرة إلى أنّ رقمنة البنى التحتية الحيوية تمضي أسرع من نضج الحوكمة التي ينبغي أن تحرسها، وهي فجوةٌ بين القدرة والمسؤولية تستحقّ يقظةً لا تهويناً.
يرى الكاتب أنّ المعضلة الأعمق ليست تقنيةً بل أخلاقية وسياسية في جوهرها. فحين يقرّر نظامٌ ذكيٌّ أيّ الأحياء يُخفَّض عنها الحمل في لحظة عجزٍ في الإمداد، فإنه يتّخذ قراراً توزيعياً ينطوي على عدالةٍ أو ظلم، لا مجرّد حسابٍ هندسيٍّ محايد. ومن هنا فإنّ السؤال الذي تطرحه تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بإلحاح ليس «هل تستطيع الآلة أن تدير الشبكة؟»، بل «من يحاسب الآلة حين تخطئ، ووفق أيّ قيمٍ بُرمجت لتوزّع نعمة الكهرباء؟». إنّ الكفاءة وحدها معيارٌ أعمى ما لم تُسنده عدالةٌ تضمن ألّا تتحوّل الشبكة الذكية إلى أداةٍ تخدم الأقدر على الدفع دون سواه. ولعلّ ما يُغفل كثيراً أنّ خوارزميةً تتعلّم من بياناتٍ تاريخية قد ترث، دون أن تدري، تحيّزات الماضي وإهماله لأطرافٍ مهمّشة، فتعيد إنتاج الحرمان بقناعٍ من الحياد الحسابي.
ولكي يُثمر هذا الرهان لا بدّ من ركائز عملية متينة. أولاها بناء سيادةٍ على البيانات الطاقية، إذ لا شبكة ذكية بلا قياسٍ دقيقٍ وعدّاداتٍ رقميةٍ تُغذّي العقل بالحقيقة لحظةً بلحظة. وثانيتها الاستثمار في التخزين، فالبطارية هي الذاكرة التي تتيح للشبكة أن تحفظ فائض النهار لظمأ الليل، ودونها يبقى الذكاء التنبّؤي عاجزاً عن تنفيذ ما يعرف. وثالثتها صياغة حوكمةٍ ومعايير أمنٍ سيبرانيٍّ تواكب سرعة الرقمنة لا تتخلّف عنها. ورابعتها، وهي الأهمّ عربياً، إعداد كوادر بشرية تُتقن لغة الطاقة ولغة الخوارزمية معاً، لئلا نستورد العقل ونبقى عاجزين عن مساءلته. وخامستها أن نُبقي الإنسان في حلقة القرار لا خارجها، فيُمسك بزمام التوجيه الأخلاقي بينما تتولّى الآلة التنفيذ الدقيق، في شراكةٍ لا في استبدال. وسادستها أن يُبنى هذا كلّه على بنيةٍ مفتوحةٍ قابلةٍ للتدقيق، فلا تُحتكر خوارزميات الطاقة في صناديق سوداء يستحيل فحصها، بل تخضع لمراجعةٍ مستقلّةٍ تكشف منطقها وتفضح خطأها، لأنّ ما يدير حياة الناس لا يجوز أن يكون سرّاً تجارياً عصيّاً على المساءلة.
وفي الأفق تلوح صورةٌ أبعد من مجرّد شبكةٍ أكفأ: شبكةٌ تتفاوض فيها ملايين الأجهزة فيما بينها كأنها سوقٌ حيّة، تبيع السيارة الكهربائية فائض بطاريتها وقت الذروة وتشتري وقت الرخاء، ويصير كل بيتٍ عقدةً في نسيجٍ طاقيٍّ متضامن. وحين يحدث ذلك، لن يكون الذكاء الاصطناعي قد أنقذ الكوكب بإنتاج طاقةٍ أكثر، بل بتعليمنا فنّاً نسيناه طويلاً: ألّا نهدر ما نملك. ولعلّ المفارقة الختامية أنّ أعظم ما قد تمنحنا إيّاه الآلة ليس قوّةً جديدة، بل حكمةً قديمة في ثوبٍ رقميٍّ بهيّ، حكمةً تقول إنّ نجاة الكوكب لا تبدأ من سدٍّ جديدٍ أو مفاعلٍ أضخم، بل من واطٍ واحدٍ يُحسَن استعماله.