شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والصناعة

هل يحقّ لنا أن نسمّي مكاناً «مصنعاً» إذا كان لا ينطفئ فيه ضوء، ولا يتوقّف فيه ساعدٌ، ولا يخرج منه عيبٌ واحد على مدار العام؟ تخيّل خطّ إنتاجٍ يدور ثلاثاً وعشرين ساعةً في اليوم بلا تثاؤبٍ ولا سهو، وقد سبقت آلاتُه عُطلَها قبل أن يقع، وضبطت نفسها بنفسها كلّما تذبذبت الجودة شعرةً واحدة، ثم عادت في الصباح كما كانت في المساء، لا تعرف الإثنين من الجمعة ولا رمضان من شوّال. هذا هو الوعد الذي يُسوَّق به الذكاء الاصطناعي الصناعيّ اليوم: المصنع الذي لا ينام ولا يُخطئ ولا يتأخّر. والمفارقة أنّ هذا الوعد البرّاق، الذي يبدو حلماً هندسياً خالصاً، قد يكون أخطر ما يُقال في حقّ الصناعة، لأنّه يَعِد بكمالٍ لم يبلغه نظامٌ صنعه بشر، ويُخفي تحت بريقه هشاشةً من نوعٍ جديد. فالكمال الموعود ليس غياب الخطأ، بل تأجيله وتركيزه؛ ومن يصدّق أنّ آلته لا تُخطئ هو أوّل من سيُفاجأ حين تُخطئ.

ولكي نزن هذا الادّعاء بعدلٍ، يحسن أن نفهم ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي في قلب المصنع فعلاً، لا كما تصوّره الإعلانات. إنّ الثورة الصناعية الرابعة، كما سمّاها المنتدى الاقتصادي العالمي ودرسها مطوّلاً، ليست في جوهرها ذراعاً آليةً جديدة، بل في تحويل المصنع كلّه إلى كائنٍ يستشعر ويتعلّم. فكلّ محرّكٍ وكلّ صمّامٍ وكلّ فرنٍ بات مزروعاً بمجسّاتٍ تبثّ في كلّ ثانيةٍ سيلاً من الأرقام عن الحرارة والاهتزاز والضغط والصوت، ومن هذا السيل تستخلص النماذج الإحصائية أنماطاً لا تلتقطها أمهر عينٍ بشرية. فالنظام لا «يفهم» المحرّك كما يفهمه المهندس، بل يتعلّم من تاريخ ألف محرّكٍ سبقه كيف يبدو صوت العطل قبل أسبوعٍ من وقوعه، فينبّه إليه وهو ما زال همساً. وهذا التمييز جوهريّ: الآلة الذكية لا تعرف لماذا يتعطّل المحرّك، بل تعرف متى، وهو علمٌ نافعٌ وأعمى في آنٍ معاً. وقد بيّن باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنّ هذا الانتقال من «الصيانة الدورية» إلى «الصيانة التنبّئية» قد يخفض أعطال التوقّف المفاجئ خفضاً ملموساً، لأنّ المصنع صار يصلح نفسه قبل أن يكسر. وهذا في ذاته انقلابٌ في فلسفة الإنتاج عمرها قرن: فقد كانت الصناعة الحديثة منذ خطّ التجميع تقوم على افتراضٍ ضمنيّ بأنّ الآلة كائنٌ أصمّ يُستهلك ثم يُستبدل، أمّا اليوم فقد صارت الآلة تشكو همسها قبل أن يستحيل صراخاً، وصار الإصغاء إليها علماً قائماً بذاته. والفارق بين أن تنتظر العطل وأن تستبقه ليس فارقاً في الكلفة وحدها، بل فارقٌ بين مصنعٍ ينفعل بقدره ومصنعٍ يصوغه.

وقد أثمر هذا النهج نتائج تستحقّ الإنصاف. ففي مراقبة الجودة، صارت أنظمة الرؤية الحاسوبية تفحص آلاف القطع في الدقيقة، فتلتقط شرخاً مجهرياً أو لحاماً ناقصاً يفلت من العين المتعبة في آخر النوبة. ويرى باحثو شركة ماكنزي، في تقاريرهم المتتابعة عن المصنع الرقمي، أنّ المنشآت الرائدة التي دمجت الذكاء الاصطناعي في خطوطها حقّقت مكاسب معتبرة في الإنتاجية وخفضاً في الهدر، لا لأنّ الآلة أسرع فحسب، بل لأنّها لا تكلّ ولا تشرد ذهنها ولا يربكها ضجيج آخر اليوم. وفي إدارة سلاسل الإمداد، باتت الخوارزميات تتنبّأ بالطلب وتعيد توزيع المخزون قبل أن يحدث النقص، حتى صار جزءٌ من قرارات الشراء يُتّخذ بلا تدخّلٍ بشريّ. ويذهب باحثون في كلّيّة هارفارد للأعمال إلى أنّ القيمة الكبرى لهذه الأنظمة ليست في أتمتة العضلات، بل في أتمتة القرار: أن تنتقل المصانع من ردّ الفعل إلى الاستباق، ومن الحدس المتراكم في صدور القدامى إلى التعلّم المنظّم من البيانات. وهذا تحوّلٌ في طبيعة المصنع لا في سرعته وحدها.

غير أنّ هنا تحديداً يبدأ التحليل الذي يخالف نشوة الإعلانات. فشعار «المصنع الذي لا يُخطئ» مغالطةٌ في صميمه، لأنّ الذكاء الاصطناعي لا يُلغي الخطأ بل يغيّر شكله وموضعه. كان الخطأ في الصناعة التقليدية موزّعاً ومرئياً: عاملٌ يسهو فتخرج قطعةٌ معيبة فيُكتشف الأمر ويُصحَّح. أمّا في المصنع الذكيّ فالخطأ يصير صامتاً ومركَّزاً وجماعياً؛ فإذا تعلّم النموذج نمطاً خاطئاً، أو تغذّى على بياناتٍ منحازة، أنتج آلافاً من القطع المعيبة بثقةٍ تامّة، دون أن يصرخ أحد. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في الأتمتة الذكية ليس الخطأ الفادح الظاهر، بل الخطأ المنتظم الخفيّ الذي يجري في صمتٍ مطمئنٍّ خادع حتى يتراكم فيكلّف ما لا يُحتمل. والآلة التي «لا تتأخّر» قد تُسرع نحو الهاوية بانتظامٍ لا يقلّ إخلاصاً عن انتظامها نحو الإتقان، لأنّها لا تملك من الحكمة ما يجعلها تتوقّف وتسأل: هل ما أفعله صائب؟

شاطئ الجبيل ثمّ إنّ ثمّة هشاشةً بنيوية تتوارى خلف الكمال الموعود. فالمصنع الذي يدور بلا انقطاعٍ يدور أيضاً معلّقاً بخيطٍ رقميّ رفيع: شبكةٌ قد تُخترق، ونموذجٌ قد ينحرف أداؤه مع تغيّر المواد، ومجسّاتٌ قد تكذب فيُبنى على كذبها قرار. وقد نبّه باحثون في جامعة أكسفورد وجامعة ستانفورد، في دراساتهم عن أثر الأتمتة، إلى أنّ زيادة الترابط الرقميّ تزيد القيمة وتزيد الهشاشة في الوقت ذاته، إذ يصبح عطلٌ صغيرٌ في عقدةٍ واحدة قادراً على شلّ المنظومة كلّها. والمصنع الذي «لا ينام» هو بالضبط المصنع الذي لا أحد فيه ساهرٌ على نومه، إذ يُغرى المشغّلون بالاطمئنان إلى نظامٍ يعمل وحده، فيتآكل انتباههم تدريجياً حتى يصيروا ملاحقين لشاشاتٍ لا يفهمون منطقها، عاجزين عن التدخّل في اللحظة التي يحتاجهم فيها النظام أكثر ما يحتاج. وهذا ما تسمّيه أدبيات هندسة السلامة «مفارقة الأتمتة»: كلّما أتقنت الآلة عملها، ضمرت قدرة الإنسان على إنقاذها حين تعجز.

شاطئ الجبيل وثمّة بُعدٌ إنسانيّ لا يجوز أن يُطمَس تحت أرقام الكفاءة. فحين يُقال إنّ المصنع «لا يحتاج إلى من ينام»، فإنّ خلف هذه العبارة أناساً كانوا ينامون لأنّهم بشرٌ يعيلون أسراً. وقد قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف أنّ الأتمتة ستزيح ملايين الأدوار وتخلق ملايين غيرها في آنٍ معاً، لكنّ المزاح والمخلوق لا يتطابقان في الجغرافيا ولا في المهارة ولا في الزمن. ويرى الكاتب أنّ السؤال الصناعيّ الحقيقي في عصرنا ليس «كم عاملاً تستبدل الآلة؟» بل «أيّ مهارةٍ إنسانية نرفّعها كي تجلس فوق الآلة لا تحتها؟»، فالعامل الذي كان يثبّت برغياً يمكن أن يصير من يراقب عشرة روبوتاتٍ ويحكم على سلامتها، شرط أن نستثمر في عقله لا أن نكتفي باستبدال ساعده. فالخطر ليس أن تحلّ الآلة محلّ الإنسان، بل أن نُهمل تأهيل الإنسان حتى يصبح بلا موضع.

وحين ننقل البصر إلى عالمنا العربي تتبدّى المسألة بوجهٍ أشدّ إلحاحاً وأرحب فرصة. فاقتصاداتٌ ظلّت طويلاً تصدّر المادّة الخام وتستورد المصنوع تقف اليوم أمام مفترقٍ حقيقيّ: إمّا أن تشتري المصنع الذكيّ جاهزاً فتبقى مستهلكةً للتقنية كما كانت مستهلكةً للسلعة، وإمّا أن تبني قدرتها على صناعته. ومن هنا تتّضح حكمة ما تتبنّاه رؤية السعودية 2030 من تحوّلٍ صناعيّ عميق، وما يجسّده برنامج «صنع في السعودية» من سعيٍ إلى توطين الصناعة لا استيرادها، ومن رهانٍ على المدن الصناعية الذكية والثورة الصناعية الرابعة بوصفها طريقاً لتنويع مصدرٍ للدخل تجاوز النفط. ويرى الكاتب أنّ المنطقة العربية أمام فرصةٍ نادرة لتتجاوز مرحلةً كاملةً من تطوّر التصنيع، شريطة ألّا تكرّر في عالم البيانات خطأها في عالم النفط، فتبيع بياناتها الصناعية خاماً لمن يصنع منها الخوارزمية في الخارج ثم يبيعها لنا قراراً جاهزاً. فالبيانات التشغيلية لمصانعنا ثروةٌ سياديّة لا تقلّ نفاسةً عن باطن الأرض، وعلى قدر صونها وتنظيمها وتحويلها إلى معرفةٍ محلّية يتقرّر ما إذا كنّا صانعي المصنع الذكيّ أم مجرّد مشغّلين فيه. والمعطى الجوهريّ أنّ الصناعة المتقدّمة لم تعد تُقاس بحجم المصنع ولا بعدد عمّاله، بل بقدرته على التعلّم وتجديد نفسه، وهي قدرةٌ لا تُستورد في حاوية بل تُبنى في عقول الناس ومختبرات الجامعات وخطوط الإنتاج الوطنية معاً. ومن يملك القدرة على تطويع الآلة لظروفه ومواده ومناخه هو وحده من يصنع لنفسه، أمّا من يكتفي بتشغيل ما صُنع له فسيظلّ رهين تحديثٍ يأتيه من خارجٍ لا يملك مفاتيحه.

ولكي ننتقل من النظر إلى العمل تتبلور ركائز عملية لمن يتولّى أمر الصناعة عندنا. أولاها أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه عيناً مساعِدة وذاكرةً منظَّمة، لا قائداً يُسلَّم له القرار كلّه، فيبقى الحكم النهائي إنسانياً مسؤولاً عمّا يأمر به النظام. وثانيتها بناء ثقافة بيانات قبل بناء النماذج، إذ لا تنفع أذكى خوارزميةٍ بيتٍ مبنيٍّ على بياناتٍ مشوّشة أو ناقصة أو منحازة. وثالثتها الاستثمار في الإنسان موازاةً للاستثمار في الآلة، بإعادة تأهيل العمالة الصناعية على أدوار الإشراف والصيانة والحكم بدل أن نتركها فريسةً للإحلال. ورابعتها صون مرونة المصنع وقدرته على العمل اليدويّ عند تعطّل الأنظمة، فلا يُبنى خطّ إنتاجٍ بلا «وضعٍ آمنٍ» يعود إليه الإنسان حين تصمت الشاشات. وخامستها وضع أطرٍ صارمة للأمن السيبراني وللتحقّق الدوريّ من سلامة النماذج، إذ إنّ المصنع الذي لا ينام هو أحوج ما يكون إلى من يسهر على يقظته.

أمّا الأفق الذي ينفتح أمامنا فأبعد من خطّ إنتاجٍ أسرع. فنحن مقبلون على مصانع تتحاور فيها الآلات، وتتعلّم من بعضها عبر القارّات، وتصمّم منتجاتها بمشاركة الذكاء الاصطناعي قبل أن تصنعها. غير أنّ هذا الأفق لن يكون نعمةً ما لم نحرس بوصلتنا: أنّ غاية الصناعة ليست الكمال الإحصائيّ في ذاته بل إنسانٌ يعمل بكرامة ومجتمعٌ يزدهر. والمصنع الذي «لا يُخطئ» سيظلّ، مهما بلغ، عاجزاً عن أن يقرّر ما الذي يستحقّ أن يُصنع أصلاً، ولماذا، ولمن. ويرى الكاتب أنّ أرقى ما يمكن أن نطمح إليه ليس مصنعاً يستغني عن الإنسان، بل مصنعاً يحرّر الإنسان من رتابة العضلة ومن إرهاق السهر ليتفرّغ لما لا تقدر عليه الآلة: التصوّر، والحكم، والمعنى. فالسؤال في النهاية لم يعد كيف نصنع مصنعاً لا ينام، بل كيف نبقى نحن مستيقظين فيه. ولعلّنا يومئذٍ ندرك أنّ أعظم ما يهديه إلينا المصنع الذي لا يُخطئ ليس عصمتُه المزعومة، بل أنّه يردّنا إلى سؤالٍ لا تجيب عنه آلة: ما الذي يجعل العمل عملاً يليق بالإنسان؟