شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والصحة

تخيّل أنّ شامةً صغيرة على ساعدك، نظر إليها طبيبٌ متمرّس فطمأنك، ثم عرضتها على نظامٍ رقميّ فحذّرك من خطرٍ كامن. أيّهما تُصدّق؟ هذا ليس سيناريو خياليّاً بل واقعٌ يتكرّر في عياداتٍ كثيرة اليوم، حيث صار السؤال المؤرّق ليس «هل تستطيع الآلة أن تشخّص؟» بل «هل صارت أدقّ منّا؟». والمفارقة أنّ الذكاء الاصطناعي، الذي طالما خشينا أن يخطئ في حقّنا، بات في بعض المهامّ التشخيصية يخطئ أقلّ مما يخطئ خيرة أطبّائنا، فيما يظلّ في مهامّ أخرى عاجزاً عن أبسط ما يفعله طبيب القرية. وهذه المفارقة وحدها كفيلةٌ بأن تهدم تصوّرينا المتقابلين عن الآلة: تصوّر من يراها معجزةً تُغني عن البشر، وتصوّر من يراها لعبةً لا يُركن إليها. فالحقيقة، كعادتها، أعقد من الفريقين.

ولكي نزن هذا الادّعاء بميزانٍ عادل، يحسن أن نفهم أوّلاً كيف يُشخّص النظام الذكيّ السرطان أصلاً. فالأمر في جوهره لا يختلف عمّا يفعله طالب الطبّ حين يتدرّب: يُعرض على النموذج الحاسوبي مئات الآلاف من الصور الطبية، أشعّةٌ ومقاطع نسيجية وصور تنظير، كلٌّ منها موسومٌ بنتيجته الحقيقية المؤكّدة بالخزعة أو المتابعة طويلة الأمد. ومن هذا الركام الهائل تستخلص الشبكة العصبية العميقة أنماطاً بصرية دقيقة، بعضها أدقّ من أن تلتقطه العين البشرية، تفصل المريض من السليم، والورم الخبيث من الحميد. ثم حين تُعرض عليها صورةٌ جديدة لم ترها قطّ، لا تسأل نفسها سؤالاً سريرياً ولا تستحضر خبرةً معاشة، بل تترجم الصورة إلى أرقام وتمرّرها عبر معادلةٍ ضخمة عايرتها على ما رأت، فتُخرج احتمالاً عددياً بوجود المرض. هذا هو لبّ ما نسمّيه «الطبيب الرقمي»: استنباطٌ إحصائيٌّ من البصر، لا فهمٌ للمرض. وهذا التمييز ليس فلسفياً محضاً، بل هو مفتاح فهم متى نثق به ومتى نحذره؛ فالنظام يجيد ما رآه كثيراً، ويتعثّر فيما لم يره إلا نادراً، وهو في الحالتين لا يدري أنّه يدري أو لا يدري.

وقد أثمر هذا النهج نتائج تستحقّ الوقوف عندها بإنصاف. ففي مجال تشخيص سرطان الثدي عبر صور الماموغرام، نُشرت في مطلع العقد دراسةٌ بارزة قادتها شركة تابعة لغوغل بالتعاون مع باحثين من جامعاتٍ بريطانية وأمريكية، أظهرت أنّ نظاماً للذكاء الاصطناعي قلّل من الإنذارات الكاذبة ومن الحالات الفائتة مقارنةً بالقراءة البشرية في عيّناتٍ من المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وفي اعتلال الشبكية السكّري، منحت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية أوّل ترخيصٍ لنظامٍ تشخيصيّ يعمل باستقلالٍ شبه تامّ دون حاجةٍ إلى طبيب عيونٍ لتفسير النتيجة، وهي سابقةٌ تنظيمية لا يُستهان بها. وفي أمراض الجلد، خلصت دراسةٌ شهيرة نشرتها مجلّة Nature إلى أنّ نموذجاً للتعلّم العميق ضاهى أداء أطبّاء جلدٍ معتمدين في تمييز الميلانوما من الصور. ويرى الباحثون في جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أنّ هذه المهامّ البصرية المحصورة، حيث الإجابة كامنةٌ في الصورة نفسها، هي بالضبط الميدان الذي تتفوّق فيه الآلة، لأنّها لا تكلّ ولا تشرد ذهنها ولا تتأثّر بطول النوبة أو ضغط المرضى المتراكمين. وقد أصبحت أوراقٌ منشورة في دورياتٍ كبرى تتحدّث عن أنّ بعض النماذج بلغت في الكشف عن سرطانات الرئة من صور الأشعّة المقطعية مستوياتٍ تضاهي خبراء كباراً، بل تسبق الورم بأشهرٍ في بعض الحالات.

غير أنّ هنا تحديداً يبدأ التحليل الذي يخالف الحماسة السائدة. فالمتأمّل في تلك الدراسات اللامعة يلحظ فجوةً عميقة بين الأداء في المختبر والأداء في العيادة. إنّ معظم هذه النتائج الباهرة تحقّقت في ظروفٍ مثالية: صورٌ عالية الجودة، وأجهزةٌ بعينها، ومرضى يشبهون من تدرّب عليهم النموذج. وحين يُنقل النظام نفسه إلى مستشفى آخر، بأجهزةٍ مختلفة وأعراقٍ مختلفة وبروتوكولاتٍ مختلفة، كثيراً ما يتهاوى أداؤه على نحوٍ صامت ومخيف. ويرى الكاتب أنّ الخطر الأكبر في الطبّ الرقمي ليس خطأً صريحاً يُكتشف فيُصحَّح، بل ثقةً زائفة في نظامٍ تعلّم من بياناتٍ لا تمثّل المريض الجالس أمامنا الآن. فالنموذج الذي دُرّب في معظمه على بشراتٍ فاتحة قد يفشل في كشف الميلانوما على بشرةٍ داكنة، والنظام الذي عُوير على نساء أوروبيات قد يضلّ في قراءة ماموغرام امرأةٍ خليجية لم يُمثَّل جسدها في بياناته أصلاً. والأدهى أنّ هذا الفشل لا يصرخ ولا ينبّه، بل يمرّ في صمتٍ مطمئنٍّ خادع، فيُمنح المريض براءةً لا يستحقّها أو إنذاراً لا مبرّر له.

شاطئ الجبيل ثمّ إنّ ثمّة مغالطةً منهجية تتسلّل إلى كثيرٍ من المقارنات بين الطبيب الرقمي والطبيب البشري، وهي أنّها تقابل الآلة بالإنسان وكأنّهما خصمان في حلبة، بينما الواقع السريريّ ليس كذلك. فالطبيب لا يقرأ صورةً معزولة، بل يجلس إلى مريضٍ يحكي قصّته، ويتحسّس قلقه، ويسأل عن تاريخه العائلي، ويزن النتيجة في سياق حياةٍ كاملة. ويرى الكاتب أنّ السؤال الصحيح ليس «أيّهما أدقّ؟» بل «أيّ مزيجٍ منهما يُنقذ أرواحاً أكثر؟». وقد بدأت الدراسات الأرصن تتّجه إلى هذا الإطار، فأظهر بعضها أنّ أداء الطبيب مدعوماً بالنظام الذكيّ يفوق أداء كلٍّ منهما منفرداً، وهو ما يسمّيه باحثو جامعة هارفارد «الذكاء المُعزَّز» لا «الذكاء البديل». فالآلة تلتقط ما تشرد عنه العين المرهقة، والطبيب يلتقط ما يعجز عنه النموذج الأعمى عن السياق، فيكمّل أحدهما نقص الآخر. وهذا التصوّر التكامليّ ينقل النقاش من سؤالٍ تنافسيّ عقيم إلى سؤالٍ تصميميّ خصب: كيف نهندس العيادة كي تتلاقى فيها قوّتان مختلفتان لا أن تتصارعا؟

شاطئ الجبيل على أنّ هذا التكامل المثالي محفوفٌ بمزالق نفسية وأخلاقية يندر أن تُذكر في نشرات التسويق. فقد بيّنت أبحاثٌ في علم القرار الطبّي ظاهرةً تُعرف بـ«التراخي الآلي»، حيث يميل الطبيب مع الوقت إلى الركون إلى توصية النظام دون تمحيص، فيتآكل حدسه السريريّ تدريجياً حتى يصير ملحقاً بالآلة لا حَكَماً عليها. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما يهدّد جودة التشخيص في العقد القادم ليس عجز الآلة بل ضمور مهارة الإنسان، إذ نخاطر بتخريج جيلٍ من الأطبّاء أتقنوا الضغط على زرّ القبول وفقدوا ملكة الشكّ. يُضاف إلى ذلك معضلة «الصندوق الأسود»، فالنموذج العميق قد يصيب في حكمه دون أن يقدر أحدٌ، ولا مصمّموه أنفسهم، على تفسير لماذا حكم بما حكم، وهو ما يجعل مساءلته عند الخطأ عسيرةً ومسؤوليته القانونية ملتبسة. وقد نبّهت منظّماتٌ كمنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمنتدى الاقتصادي العالمي مراراً إلى أنّ نشر هذه الأنظمة بلا أطرٍ للشفافية والمساءلة قد يقوّض الثقة في الطبّ كلّه لا أن يعزّزها. ولعلّ المفارقة الأمرّ أنّ النظام قد يخطئ ثقةً منه بصورةٍ مشوّشة، ثم يقدّم خطأه بثقةٍ عددية صارمة تخدع الطبيب أكثر مما يخدعه تردّد زميلٍ بشريّ صادق.

وحين ننقل البصر إلى عالمنا العربي، يتبدّى وجهٌ آخر للمسألة أشدّ إلحاحاً. فالنقص المزمن في أعداد أطبّاء الأشعّة وعلماء الأمراض النسيجية في كثيرٍ من بلداننا يجعل أنظمة التشخيص الذكيّ ليست ترفاً تقنياً بل ضرورةً قد تسدّ فجوةً حقيقية، خاصّةً في المناطق النائية حيث ينتظر المريض أسابيع لقراءة خزعته. ويرى الكاتب أنّ المنطقة العربية أمام فرصةٍ نادرة لتتجاوز مرحلةً كاملة من تطوّر الرعاية الصحّية، شريطة ألّا تستورد النماذج جاهزةً معايرَةً على أجسادٍ ليست أجسادنا. ومن هنا تتّضح حكمة ما تتبنّاه رؤية السعودية 2030 من تحوّلٍ صحّيّ رقميّ ومن استثمارٍ في بناء قدراتٍ وطنية في الذكاء الاصطناعي، إذ إنّ بناء بياناتٍ طبية عربية موثوقة ومتنوّعة هو الشرط الذي لا غنى عنه كي يكون الطبيب الرقمي طبيبَنا نحن لا طبيبَ سواه. فالعدالة في الدقّة التشخيصية تبدأ من عدالة التمثيل في البيانات، ولا يكفي أن نشتري الخوارزمية إن لم نملك القصص الطبية التي نطعمها إيّاها. والمعطى الجوهري أنّ بياناتنا الصحّية ليست مادّةً خاماً نتبرّع بها لمن يصنع الخوارزمية في الخارج، بل ثروةٌ سياديّة لا تقلّ نفاسةً عن ثروات الأرض، وعلى قدر صونها وتنظيمها ومشاركتها بحكمةٍ يتقرّر ما إذا كنّا صانعي الطبّ الرقمي أم مجرّد مستهلكين له. وهنا تتقاطع الصحّة بالأمن المعرفيّ، فمن يملك بيانات أجساد أمّةٍ يملك مفتاحاً من مفاتيح مستقبلها.

ولكي ننتقل من النظر إلى العمل، تتبلور ركائز عملية لمن يتولّى أمر الصحّة عندنا. أولاها أن يُنظر إلى النظام الذكيّ بوصفه أداةً مساعِدة تخضع لحكم الطبيب لا بديلاً يلغيه، فتُصمَّم سير العمل بحيث يبقى القرار النهائي إنسانياً مسؤولاً. وثانيتها الإصرار على التحقّق المحلّي، فلا يُعتمد أيّ نظامٍ قبل اختبار أدائه على مرضى المنطقة نفسها لا على نتائجه المعلنة في بيئاتٍ أخرى. وثالثتها الاستثمار في تدريب الكوادر الطبّية على فهم حدود هذه الأدوات وعلى صون مهارة الشكّ النقديّ كي لا تضمر. ورابعتها بناء أطرٍ تنظيمية واضحة للمسؤولية والخصوصية والشفافية تواكب التقنية ولا تلهث خلفها. وخامستها إشراك المريض في المعادلة، فيُعلَم بأنّ نظاماً آلياً شارك في تشخيصه، ويُصان حقّه في فهم قراره والاعتراض عليه. وهذه الركائز مجتمعةً لا تكبح التقنية بل تحرّرها، إذ إنّ الثقة المستدامة لا تُبنى على وعودٍ براقة بل على ضماناتٍ يلمسها المريض والطبيب معاً.

أمّا الأفق الذي ينفتح أمامنا فأبعد من مجرّد قراءة صورةٍ أدقّ. فنحن مقبلون على طبٍّ تنبّئيّ يستشرف المرض قبل أن يلوح، وعلى تشخيصٍ يدمج الصورة بالجين بالتاريخ السريريّ في حكمٍ واحد متكامل. غير أنّ هذا الأفق لن يكون رحمةً ما لم نحرس بوصلتنا الأخلاقية: أنّ غاية الطبّ ليست الدقّة الإحصائية في ذاتها بل إنسانٌ يُطمأن ويُشفى. والطبيب الرقمي، مهما بلغ، لن يمسك يد مريضٍ خائف ولا يفهم أنّ وراء كلّ صورةٍ قصّةَ روح. ويرى الكاتب أنّ أرقى ما يمكن أن نطمح إليه ليس آلةً تحلّ محلّ الطبيب، بل طبيبٌ تحرّره الآلة من رتابة الفحص ليتفرّغ لما لا تقدر عليه: الإصغاء، والرحمة، والحكمة في موضع الحيرة. فالسؤال في النهاية لم يعد أيّهما أدقّ، بل كيف نصوغ تحالفاً بين دقّة الآلة وإنسانية الطبيب، يكون فيه المريض هو الرابح الوحيد. ولعلّنا يومئذٍ ندرك أنّ أعظم ما أهدانا إيّاه الطبيب الرقمي ليس أنّه أبصر منّا، بل أنّه ذكّرنا بما يجعل الطبيب طبيباً حقّاً.