متى صار البوح بأعمق ما يكتنف النفس من قلقٍ وانكسار أيسر أمام شاشةٍ باردة لا تطرف لها عين، منه أمام إنسانٍ من لحمٍ ودم يُفترض أنه أُوتي القدرة على المواساة؟ هذه المفارقة المحيّرة، التي يعيشها اليوم ملايين البشر حين يفضون بأسرارهم إلى تطبيقٍ ذكي يُحادثهم في جوف الليل، هي مدخلنا إلى واحدةٍ من أعقد قضايا عصرنا: حين يتسلّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر مناطق الكينونة الإنسانية حساسية، إلى النفس وجراحها الخفية، فهل نحن بإزاء تقنيةٍ تُداوي عللاً عجز عنها الطب التقليدي، أم بإزاء أزمةٍ جديدة نُعمّقها ونحن نحسب أننا نعالجها؟ إن السؤال ليس ترفاً نظرياً، فالأرقام التي توردها منظمة الصحة العالمية عن الفجوة الهائلة بين أعداد المحتاجين للرعاية النفسية وأعداد المختصّين المتاحين لها تجعل الإغراء بالحلول التقنية إغراءً يكاد لا يُقاوَم.
لنفهم جذور هذه المعضلة، ينبغي أن نُدرك أن أزمة الصحة النفسية العالمية أزمةٌ مزدوجة: أزمة معاناةٍ متصاعدة، وأزمة ندرةٍ في الموارد البشرية المؤهّلة لمواجهتها. فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، يعاني مئات الملايين حول الكوكب من اضطراباتٍ نفسية، بينما تعجز الأنظمة الصحية، لا سيّما في الدول منخفضة الدخل، عن توفير سوى نزرٍ يسير من الاختصاصيين اللازمين، حتى إن دولاً بأكملها لا يتجاوز فيها عدد الأطباء النفسيين أصابع اليدين. في هذا الفراغ السحيق وُلدت فكرة الذكاء الاصطناعي بوصفه مُنقذاً مُحتملاً، يَعِد بإتاحةٍ غير مسبوقة: علاجٌ بلا قوائم انتظار، وبلا وصمةٍ اجتماعية، وبلا كلفةٍ باهظة، متاحٌ في كل حين ومن كل مكان. ومنذ أن أطلق عالِم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جوزيف وايزنباوم برنامجه الشهير إليزا في ستينيات القرن الماضي، وهو برنامجٌ بدائي حاكى أسلوب المعالج النفسي، والبشرية تكتشف ميلها العجيب إلى إسقاط مشاعرها على الآلة. والمفارقة أن وايزنباوم نفسه فزع حين رأى مساعديه يفضون للبرنامج بمكنوناتهم، فتحوّل من رائدٍ في الحقل إلى أحد أشدّ ناقديه، محذّراً من أن استبدال الفهم الإنساني بمحاكاةٍ آلية له خطرٌ على معنى الإنسانية ذاته.
وحين نتأمل المشهد الراهن بعين الباحث المتجرّد، نجد أن الوعد التقني حقيقيٌّ في جانبٍ منه. فقد أظهرت دراساتٌ أجرتها جامعة ستانفورد أن برامج المحادثة العلاجية القائمة على العلاج المعرفي السلوكي يمكن أن تُحدث تحسّناً ملموساً في أعراض القلق والاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، خاصةً لدى الفئات التي يصعب وصولها إلى الرعاية التقليدية. وفي السياق ذاته، رصدت أبحاثٌ في جامعة هارفارد قدرة نماذج التعلّم الآلي على التنبؤ بمؤشرات الخطر النفسي من خلال تحليل أنماط اللغة والسلوك الرقمي، بدقةٍ تفوق أحياناً قدرة المختصّ البشري على الالتقاط المبكر. هنا يكمن الإغراء الأعظم: آلةٌ لا تتعب، ولا تحكم، ولا تنشغل، ومتاحةٌ للملايين بكلفةٍ زهيدة. غير أن هذا الوجه المشرق يحجب وراءه وجهاً أكثر ظلمة، هو ما يدفعنا إلى مساءلة السردية السائدة التي تحتفي بالتقنية بوصفها حلاً ناجزاً، وتُغفل ما تنطوي عليه من مخاطر لا تقلّ خطورةً عن العلل التي تزعم علاجها.
ويرى الكاتب أن المقاربة السائدة، التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً يسدّ فجوة نقص المعالجين، تنطوي على خطأٍ مفاهيمي جسيم، إذ تختزل العلاج النفسي في وظيفةٍ معلوماتية يمكن أتمتتها، بينما هو في جوهره علاقةٌ إنسانية حيّة. فالشفاء النفسي، كما تُجمع المدارس العلاجية الكبرى، لا يتحقّق بمجرد تلقّي النصيحة الصحيحة، بل عبر ما يُسمّيه المختصّون التحالف العلاجي، تلك الرابطة الوجدانية بين المعالج والمريض التي تقوم على التعاطف الأصيل والحضور الإنساني الكامل. والآلة، مهما بلغت من براعةٍ في محاكاة عبارات المواساة، لا تشعر بشيء؛ إنها تُولّد كلماتٍ تبدو متعاطفة دون أن يسكنها أيّ تعاطف حقيقي. ويرى الكاتب أن في هذا التزييف العاطفي خطراً دقيقاً: فالمريض الذي يظنّ أنه مفهومٌ من كيانٍ لا يفهم، يعيش وهم اتصالٍ بينما هو في عزلةٍ مُقنّعة، وقد تتعمّق وحدته من حيث أراد الخروج منها. على أن الأمر لا يقف عند حدود الوهم، بل يتجاوزه إلى ما هو أخطر؛ فالعلاقة العلاجية الأصيلة تنطوي على مقاومةٍ ومواجهةٍ بنّاءة، إذ يُحسن المعالج البشري أحياناً أن يُغالط مريضه ويتحدّاه ويُعيده إلى الواقع، في حين تميل الآلة بحكم تصميمها إلى مجاراة المستخدم وإرضائه واستبقائه، فتُغذّي لديه أنماطاً قد تكون مؤذية بدل أن تُقوّمها، وتُحوّل العلاج إلى مرآةٍ تعكس له ما يحبّ أن يسمعه لا ما يحتاج أن يواجهه.
ثم إن هناك بُعداً أخطر لا ينبغي التهوين منه، يتعلّق بإدارة الأزمات الحادّة. فحين يبلغ الألم النفسي مبلغاً يلامس فيه صاحبه حافة الخطر على ذاته، تصبح الاستجابة مسألة حياةٍ لا تحتمل خطأً واحداً. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعة ستانفورد إلى أن نماذج المحادثة العامة قد تُخفق إخفاقاً خطيراً في التعرّف على إشارات الخطر الدقيقة، أو تُقدّم استجاباتٍ غير ملائمةٍ في لحظاتٍ مصيرية، لأنها لم تُصمّم أصلاً لهذا الغرض الحسّاس. والمعالج البشري المدرّب يقرأ ما وراء الكلمات، يلتقط نبرة الصوت وارتعاشة اليد وصمتاً ثقيلاً يقول ما لا تقوله العبارات، بينما الآلة لا ترى إلا نصاً مجرّداً. ولهذا يرى الكاتب أن توظيف أدوات المحادثة العامة في سياق الأزمات النفسية الحادّة دون رقابةٍ متخصّصة وضوابط صارمة هو مغامرةٌ غير مسؤولة، وأن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أن تُحاط هذه الأدوات بشبكة أمانٍ بشرية تتدخّل فور استشعار الخطر الجسيم، وأن يكون التوجيه نحو العون البشري المختصّ هو الاستجابة الأولى لا الأخيرة.
وثمة بُعدٌ ثالث كثيراً ما يغيب عن النقاش، وهو البُعد المتعلّق بالخصوصية والاستغلال التجاري. فأكثر بياناتنا حميمية، تلك التي نبوح بها في لحظات ضعفنا النفسي، تتحوّل في كثيرٍ من هذه التطبيقات إلى سلعةٍ رقمية تُجمع وتُحلّل وقد تُتاجَر بها. وقد حذّرت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي من المخاطر النظامية المترتّبة على تركّز البيانات الصحية الحسّاسة في أيدي شركاتٍ تجارية تحرّكها دوافع الربح قبل أن تحرّكها مصلحة المريض. ويرى الكاتب أن خصخصة الألم النفسي وتحويله إلى مادةٍ خام لاقتصاد الانتباه تمثّل انزلاقاً أخلاقياً عميقاً، إذ يُصبح المريض، الذي جاء يبحث عن العون، منتَجاً يُستهلك بدل أن يكون إنساناً يُعان. ولا يكفي هنا الاكتفاء بالتطمينات، بل لا بد من أطرٍ تنظيمية صارمة، على غرار ما تدعو إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مبادئها، تجعل من حماية البيانات النفسية حقاً غير قابلٍ للمساومة، وتُحمّل من يُفرّط فيه تبعةً واضحةً لا تذوب في تعقيد المنظومة التقنية.
ولا يفوتنا أن نشير إلى بُعدٍ رابع يتّصل بإعادة تشكيل مفهوم المعاناة ذاته. فحين نُسلّم تجربتنا النفسية لخوارزميةٍ تُصنّفها وتُقولِبها ضمن فئاتٍ تشخيصية جاهزة، فإننا نخاطر بتحويل الحزن الإنساني الطبيعي، الذي هو جزءٌ من نسيج الحياة، إلى عَرَضٍ مرضي يستوجب التدخّل التقني. وقد أشار باحثون في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن إفراط الاعتماد على التقنية في تنظيم المشاعر قد يُضعف القدرات الذاتية للإنسان على المرونة والتأقلم، تلك القدرات التي تنمو بالممارسة والمواجهة لا بالاستعانة الدائمة بوسيطٍ خارجي. ويرى الكاتب أن أخطر ما قد تفعله التقنية هو أن تُنشئ جيلاً عاجزاً عن احتمال انفعالاته الطبيعية دون أن يهرع إلى شاشةٍ تُهدّئه، فيتحوّل العلاج من وسيلةٍ للتمكين إلى صورةٍ جديدة من صور التبعية، ويفقد الإنسان شيئاً من قدرته الفطرية على عبور أحزانه بنفسه ومنحها معنى يخصّه.
وإذا انتقلنا من التشخيص إلى الركائز العملية، فإن المسؤولية تقتضي ألا نرفض التقنية جملةً ولا نتبنّاها عمياء، بل أن نضعها في موضعها الصحيح. والركيزة الأولى هي مبدأ التكامل لا الاستبدال، بحيث يكون الذكاء الاصطناعي ذراعاً مساعدة للمعالج البشري تُوسّع أثره، لا بديلاً يُلغي حضوره؛ كأن يتولّى المهام التكرارية والمتابعة الأولية ليتفرّغ المختصّ للعلاقة الإنسانية الأعمق. والركيزة الثانية هي وضوح الحدود، بحيث يُعلَم المستخدم بجلاءٍ أنه يحادث آلة لا إنساناً، وأن لهذه الآلة سقفاً لا تتجاوزه في الحالات الحرجة. والركيزة الثالثة هي الرقابة السريرية المستقلة، فلا يُطرح أيّ تطبيقٍ علاجي دون اختبارٍ صارم وموافقة جهاتٍ صحية مختصّة، تماماً كما يخضع الدواء للتجارب قبل تداوله. والركيزة الرابعة هي صون الكرامة الإنسانية بجعل خصوصية البيانات النفسية خطاً أحمر لا يُمسّ، وبتذكّر أن الإنسان الذي يطرق هذا الباب ليس مستخدِماً عادياً بل كائنٌ في لحظة هشاشةٍ يستحق أرفع درجات الرعاية والصون.
وفي السياق العربي، تكتسب هذه المسألة طابعاً خاصاً، إذ تجتمع فيه عوامل الفجوة العلاجية الحادّة مع وصمةٍ اجتماعية لا تزال تُثقل كاهل من يطلب العون النفسي، ما يجعل الإغراء بالحلول الرقمية الصامتة أشدّ وقعاً. وهنا تبرز رؤية المملكة العربية السعودية 2030 بوصفها إطاراً يُوازن بين الطموح الرقمي والمسؤولية الإنسانية، إذ جعلت من جودة الحياة والصحة، بما فيها الصحة النفسية، ركيزةً من ركائزها، ومن التحوّل الرقمي أداةً في خدمة الإنسان لا غايةً تتجاوزه. ويرى الكاتب أن أمام المنطقة العربية فرصةً ثمينة كي تُطوّر نموذجاً خاصاً بها في الرعاية النفسية الرقمية، نموذجاً يستلهم القيم العربية الإسلامية التي تُعلي من شأن التراحم والتكافل والصلة الإنسانية، فلا يستورد أدواتٍ مصمّمة في سياقاتٍ ثقافية مغايرة قد تحمل تصوّراتٍ عن النفس والشفاء لا تنسجم مع نسيجه القيمي، بل يُسهم في صياغة معاييرٍ عالمية تنطلق من خصوصيته الحضارية وتراثه العريق في فهم النفس وعللها.
إن المعركة الحقيقية، في خلاصة الأمر، ليست بين الإنسان والآلة في ميدان الصحة النفسية، بل بين تصوّرين للشفاء: تصوّرٌ يراه عمليةً تقنية تُختزل في تصحيح أنماط التفكير وضبط المشاعر، وتصوّرٌ يراه رحلةً إنسانية عميقة لا تكتمل إلا بحضور إنسانٍ آخر يشهد الألم ويُشاركه ويمنحه معنى. والذكاء الاصطناعي، حين يُوضع في موضعه الصحيح بوصفه أداةً تخدم العلاقة الإنسانية لا بديلاً عنها، يمكن أن يكون نعمةً تُتيح العون لمن حُرموه طويلاً. أما حين يُرفع إلى مرتبة المعالج الذي يُستغنى به عن البشر، فإنه يخاطر بأن يُعمّق العزلة التي يدّعي علاجها، وأن يُحوّل أعمق ما فينا من إنسانيةٍ إلى بياناتٍ تُدار. ويبقى السؤال الذي افتتحنا به معلّقاً، يطلب منا وعياً لا تأجيلاً: هل نريد تقنيةً تُعيننا على أن نكون أكثر إنسانية، أم تقنيةً تُعفينا من عبء أن نكون كذلك؟ إن الجواب لن تكتبه الخوارزميات، بل سيكتبه وعينا بما لا يجوز أن نُفرّط فيه من معنى الإنسان وهو يواجه ألمه، ويبحث، في أعماق ضعفه، عمّن يفهمه حقاً لا عمّن يُحاكي الفهم.