شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والرياضة

أيُّ المدرّبَين يكسب البطولة في العقد القادم: ذاك الذي يثق بحدسه المصقول على مرّ ثلاثين عاماً في الملاعب، أم ذاك الذي يقرأ في خوارزميةٍ تحليليةٍ ما عجز عينه عن التقاطه في الثُّمن الأخير من الثانية؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى ضرباً من التحامل على الخبرة الإنسانية، غير أنّ الحقيقة التي تتكشّف اليوم في أعرق الأندية الأوروبية والفرق الأمريكية أعقد من ثنائيةٍ ساذجةٍ بين الإنسان والآلة. فالرياضة الاحترافية، التي طالما رُئيت بوصفها مملكةً للعرق والإرادة والموهبة الفطرية، تتحوّل في صمتٍ إلى أحد أكثر الميادين كثافةً في توليد البيانات واستهلاكها على وجه الأرض.

فكلّ ركلةٍ وكلّ تمريرةٍ وكلّ نبضةٍ من قلب لاعبٍ صارت رقماً يُسجَّل ويُحلَّل ويُعاد تأويله. وما كان حدساً غامضاً يهمس به المدرّب في أذن لاعبه، صار اليوم نمطاً قابلاً للقياس تستخرجه نماذج التعلّم الآلي من ملايين اللقطات. وهنا تنشأ المفارقة التي تستحقّ التأمّل: هل تُلغي البيانات السحرَ القديم للعبة، أم تكشف عن طبقةٍ أعمق منه كانت خافيةً على البصر المجرّد؟

لفهم عمق هذا التحوّل، يحسن بنا أن نعود قليلاً إلى الجذور. فالرياضة لم تكن يوماً غريبةً عن الأرقام؛ فمنذ أن سجّل أوّل مسجّلٍ نتيجة مباراةٍ في القرن التاسع عشر، والإحصاء يلازم الملعب ملازمة الظلّ للجسد. غير أنّ الطفرة الحقيقية لم تأتِ من جمع الأرقام، بل من القدرة على معالجتها. وقد شكّلت تجربة فريق أوكلاند للبيسبول في مطلع الألفية، التي خلّدها كتاب «مَني بول»، لحظةً فاصلةً في الوعي الرياضي؛ إذ أثبتت أنّ التحليل الكمّي الذكيّ يستطيع أن يهزم ميزانياتٍ تفوقه أضعافاً مضاعفة، حين يكشف عن قيمٍ خفيّةٍ في اللاعبين أغفلها الكشّافون التقليديون. غير أنّ تلك كانت إحصاءً متقدّماً، لا ذكاءً اصطناعياً بالمعنى الدقيق. فالنقلة النوعية الراهنة تكمن في انتقالنا من وصف ما حدث إلى التنبّؤ بما سيحدث، ومن قراءة الأرقام إلى استخلاص الأنماط التي يعجز العقل البشريّ عن إدراكها لفرط تعقيدها. وقد أشارت دراساتٌ أجرتها جامعة هارفارد في مجال علوم الرياضة إلى أنّ القرارات التكتيكية المبنية على تحليلٍ كمّيٍّ دقيقٍ تتفوّق على الحدس المنفرد في فئاتٍ واسعةٍ من المواقف، وإن لم تُلغِ الحاجة إلى الحكمة الإنسانية في لحظات الغموض القصوى.

وما يجري في كواليس الأندية اليوم أعمق ممّا يظنّ المشاهد العاديّ. فأنظمة التتبّع البصريّ التي طوّرتها مختبراتٌ متخصّصة، ومنها أبحاثٌ مرتبطة بمعهد ماساتشوستس للتقنية في مجال الرؤية الحاسوبية، باتت قادرةً على رصد موقع كلّ لاعبٍ في الملعب عشرات المرّات في الثانية الواحدة، فتولّد من المباراة الواحدة ملايين النقاط من البيانات المكانية. ومن هذا الفيض تستخرج نماذج التعلّم الآلي مفاهيم جديدةً لم تكن في قاموس اللعبة قبل عقد، مثل قياس «المساحة المُسيطَر عليها» لكلّ لاعب، أو احتساب احتمال نجاح تمريرةٍ بعينها لحظة انطلاقها، أو تقدير القيمة المتوقّعة لكلّ تسديدةٍ على المرمى بدلالة موقعها وزاويتها وضغط المدافعين عليها. وقد فتح هذا الباب على ما يُعرف اليوم بـ«الأهداف المتوقّعة»، وهو مقياسٌ غيّر طريقة تقييم الأداء الهجوميّ جذرياً، إذ صار يفرّق بين المهاجم المحظوظ الذي سجّل من فرصةٍ نادرة، والمهاجم الفطن الذي يصنع لنفسه فرصاً عالية القيمة باستمرار. ويرى الكاتب أنّ أخطر ما تحدثه هذه الأدوات ليس في الملعب، بل في غرفة الإدارة؛ إذ تعيد تعريف معنى «اللاعب الجيّد» ذاته، فتنقل سلطة الحكم من العين الخبيرة إلى النموذج التحليليّ، وهي نقلةٌ لها من التبعات ما يتجاوز كرة القدم إلى بنية القرار البشريّ نفسه.

شاطئ الجبيل على أنّ الانبهار بهذه القدرات ينبغي ألّا يحجب عنّا وجهها الآخر. فالرؤية السائدة اليوم تكاد تبشّر بأنّ البيانات ستحلّ محلّ الخبرة، وأنّ المستقبل لمن يملك أضخم الخوارزميات. ويرى الكاتب أنّ هذا التبشير مغلوطٌ في جوهره، وأنّ الحقيقة أدقّ وأكثر تواضعاً. فالخوارزمية، مهما بلغت من ذكاء، إنّما تتعلّم من الماضي؛ وهي بطبيعتها محافِظةٌ تميل إلى تكرار ما نجح سابقاً. أمّا الإبداع الرياضيّ الحقّ، تلك اللمسة التي تكسر التوقّع وتصنع الأسطورة، فهو بالتعريف خروجٌ على النمط الذي تتغذّى عليه الآلة. ولهذا فإنّ الفريق الذي يسلّم قياده كاملاً للبيانات يخاطر بأن يصير متوسطاً متقناً، يحسن تجنّب الأخطاء لكنّه يعجز عن صناعة المعجزات. وقد نبّهت أبحاثٌ في جامعة ستانفورد حول حدود الذكاء الاصطناعي إلى أنّ هذه النماذج تتفوّق في البيئات المستقرّة المتكرّرة، لكنّها تتعثّر حين تواجه مواقف نادرةً لم ترها من قبل؛ والرياضة، في لحظاتها الحاسمة، مملكةٌ للنادر لا للمتكرّر. ومن هنا فإنّ الحكمة ليست في استبدال المدرّب بالخوارزمية، بل في تزاوجٍ ذكيٍّ بينهما، يحفظ للحدس البشريّ سلطته في الغموض، ويمنح الآلة سلطتها في النمط.

شاطئ الجبيل وثمّة بُعدٌ أعمق كثيراً ما يُغفل في هذا الحديث، وهو أنّ البيانات الرياضية ليست محايدة. فكلّ مقياسٍ نختار أن نرصده يحمل في طيّاته قيمةً ضمنية حول ما نراه مهمّاً في اللعبة، وكلّ نموذجٍ ندرّبه يرث تحيّزات البيانات التي صُمّم عليها. فإذا كانت بياناتنا التاريخية تعكس أسلوباً تكتيكياً سائداً في حقبةٍ بعينها، فإنّ النموذج سيعيد إنتاج ذلك الأسلوب ويكرّسه، ويُقصي الأساليب البديلة لمجرّد أنّها أقلّ تمثيلاً في الأرشيف. ويرى الكاتب أنّ هذا الخطر الخفيّ على التنوّع التكتيكيّ أجدر بالتأمّل من فتنة الدقّة العالية؛ فالرياضة التي تُدار بالكامل بنماذج متشابهة المنابع تتّجه نحو تجانسٍ ممل، تذوب فيه الهويّات الفنية للمدارس الكروية المختلفة في قالبٍ واحدٍ «أمثل» إحصائياً. والمفارقة أنّ السعي وراء الكمال الكمّيّ قد يُفقر اللعبة جمالياً وهو يُغنيها رقمياً. وقد لمست منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا المعنى في سياقٍ أوسع، حين نبّهت في أطرها حول حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى أنّ الاعتماد المفرط على الأنظمة الخوارزمية قد يضيّق فضاء الخيارات الإنسانية بدل أن يوسّعه، ما لم يُصمَّم بوعيٍ يحفظ التعدّدية.

ولا يقف أثر هذه التقنيات عند التكتيك، بل يمتدّ إلى صحّة اللاعب وطول مسيرته. فمن أرفع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرياضة اليوم تلك المتعلّقة بالتنبّؤ بالإصابات قبل وقوعها؛ إذ تجمع الأجهزة القابلة للارتداء بياناتٍ دقيقةً عن حِمل التدريب ونمط الحركة ومعدّل التعافي، فتستخلص منها النماذج إشاراتٍ مبكّرةً على إجهادٍ يُنذر بتمزّقٍ وشيك. وهذا تطبيقٌ يرى الكاتب أنّه أعظم نفعاً وأقلّ إثارةً للجدل من نظيره التكتيكيّ؛ إذ يطيل أعمار المواهب ويحمي أجساد اللاعبين من استنزافٍ كان يُختصر فيما مضى بعبارةٍ قَدَرية عن «سوء الطالع». غير أنّ هذا الباب نفسه يفتح أسئلةً أخلاقيةً شائكة حول خصوصية البيانات الحيوية للرياضيين؛ فمن يملك هذه المعطيات الدقيقة عن أجسادهم، وإلى أيّ مدى يحقّ للنادي أن يعرف عن لاعبه ما لا يعرفه اللاعب عن نفسه؟ هذه أسئلةٌ لم تنضج إجاباتها بعد، وهي جزءٌ من فاتورةٍ أخلاقيةٍ ما تزال الرياضة تؤجّل سدادها. والأخطر أنّ هذه الأنظمة قد تتحوّل من أداةٍ لحماية اللاعب إلى أداةٍ للحكم عليه؛ فحين يصير الجسد بياناتٍ مكشوفة، قد يُستبعد لاعبٌ موهوب من صفقةٍ بناءً على نموذجٍ يتنبّأ باحتمال إصابته مستقبلاً، فيُعاقَب على مرضٍ لم يقع بعد. وهنا يتسلّل منطق التأمين البارد إلى ميدانٍ كان يُفترض أن تحكمه روح المنافسة، فيغدو اللاعب أصلاً يُدار بحساب المخاطر لا إنساناً يُمنح فرصة إثبات ذاته.

وحين ننقل هذا المشهد إلى سياقنا العربي، تتّضح أبعادٌ جديدة. فالاستثمار الرياضيّ الضخم الذي تشهده المنطقة، وفي القلب منه ما تقوده المملكة العربية السعودية ضمن رؤيتها 2030 من تحويلٍ للرياضة إلى قطاعٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ محوريّ، يضع البنية التحتية التقنية في صدارة الأولويات. فاستقطاب أعرق الأندية والنجوم لا يكتمل أثره ما لم يُبنَ خلفه عقلٌ تحليليٌّ محلّيّ، يوطّن هذه التقنيات ولا يكتفي باستيرادها جاهزة. ويرى الكاتب أنّ الفرصة الحقيقية أمام المنطقة ليست في امتلاك الخوارزميات، فهي متاحةٌ لمن يدفع، بل في بناء الكفاءات البشرية القادرة على تطويعها بفهمٍ عميق لخصوصية اللعبة وثقافتها. فالميزة التنافسية في عصر البيانات لا تكمن في الأداة، بل في جودة الأسئلة التي نطرحها عليها وحُسن تأويلنا لإجاباتها. وهنا تتقاطع الطموحات الرياضية مع مشروعٍ معرفيٍّ أوسع لتوطين الذكاء الاصطناعي، يجعل من الملعب مختبراً للابتكار لا مجرّد سوقٍ للاستهلاك.

وإذا أردنا أن نلخّص ما ينبغي أن تقوم عليه علاقةٌ رشيدة بين الرياضة والبيانات، فإنّها تستقرّ على ركائز متضافرة. أولاها أن تُفهم الخوارزمية أداةً معينةً للقرار لا بديلاً عنه؛ فهي تُضيء للمدرّب زوايا غابت عنه، ولا تُعفيه من مسؤولية الحكم النهائيّ. وثانيتها أن يُحرَص على تنوّع مصادر البيانات وأساليب النمذجة، صوناً للتعدّدية التكتيكية من خطر التجانس. وثالثتها أن تُصان خصوصية الرياضيّ وكرامته، فلا تتحوّل بياناته الحيوية إلى سلعةٍ يُتاجَر بها دون رضاه الواعي. ورابعتها، وهي الأمتن، أن يُبنى الفهم البشريّ للأداة جنباً إلى جنبٍ مع تبنّيها؛ فالنادي الذي يشتري أحدث نظامٍ تحليليٍّ دون أن يربّي عقولاً تفهم منطقه وحدوده، إنّما يشتري وهم التقدّم لا حقيقته. وقد أكّد تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالميّ أنّ التفكير التحليليّ والقدرة على العمل جنباً إلى جنبٍ مع الأنظمة الذكية في صدارة المهارات المطلوبة عبر القطاعات كافّة، والرياضة ليست استثناءً من هذا التحوّل الكبير.

ويبقى أنّ الرياضة، في جوهرها، حكايةٌ إنسانية قبل أن تكون جدول أرقام. فحين يسجّل لاعبٌ هدفاً في الرمق الأخير، لا يهتزّ المدرّج لأنّ احتمال نجاح التسديدة بلغ نسبةً مرتفعة، بل لأنّ في الفعل من المعنى الإنسانيّ ما يتجاوز كلّ قياس. ويرى الكاتب أنّ مستقبل الذكاء الاصطناعي في الرياضة لن يُكتب له النجاح إن سعى إلى تعقيم اللعبة من غموضها، بل إن أحسن أن يكون خادماً للسحر لا قاتلاً له؛ يكشف لنا طبقاتٍ من الجمال كانت خافية، دون أن يدّعي أنّه أحاط بالحقيقة كلّها. فالأرقام تخبرنا بما حدث وتُرجّح ما قد يحدث، لكنّها تعجز عن تفسير لماذا نحبّ اللعبة من الأساس. والسؤال الذي ستحمله الأعوام القادمة ليس أيّهما يكسب، البيانات أم الحدس، بل كيف نصوغ شراكةً بينهما تُبقي الإنسان سيّداً على أدواته، لا أداةً في يد أدواته؛ فمن ملك ناصية هذا التوازن، ملك مفتاح بطولات العقد القادم وأرقامه القياسية معاً.