شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والدواء

كم دواءً ابتلعتَه في حياتك دون أن تدري أنّ خلف القرص الصغير في يدك رحلةً استغرقت قرابة العقد ونصف العقد، والتهمت من المليارات ما يكفي لبناء مدينة؟ هذه هي المفارقة التي يتجاهلها معظمنا حين يشكو غلاء الدواء: فالغلاء ليس جشعاً محضاً، وإن كان فيه جشع، بل هو في جوهره ثمن بطءٍ مهول وفشلٍ متكرّر مكتوم. إذ من بين كلّ آلاف الجزيئات التي تدخل المختبر، لا يصل إلى رفّ الصيدلية إلا واحدٌ نادر، بعد أن يُدفن إخوته في مقابر التجارب الفاشلة. ولأنّ المريض الذي ينتظر علاجاً لمرضٍ نادر لا يملك خمسة عشر عاماً ليصبر عليها، صار السؤال المؤرّق: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يختصر العقود إلى سنوات، أم أنّنا نعِد المرضى بسرابٍ جديد كما وعدناهم مراراً من قبل؟ والمفارقة الأعمق أنّ كلّ دواءٍ فاشل لا يموت وحده، بل يحمل معه في موته ثمن الأدوية التي لم تُكتشف بعد، لأنّ كلفته تُحمَّل على أكتاف الناجين القلائل.

ولكي نزن هذا الوعد بميزانٍ عادل، يحسن أن نفهم أوّلاً أين يكمن الاختناق الحقيقي في صناعة الدواء. فالمسألة ليست في تركيب الحبّة، بل في رحلةٍ مضنية تبدأ من فهم آليّة المرض على مستوى الجزيء، مروراً بالبحث عن «هدفٍ» بيولوجيّ يمكن مهاجمته، ثم تصميم مركّبٍ كيميائيّ يرتبط بهذا الهدف دون أن يعبث بسواه، فاختبار المركّب في المختبر ثم في الحيوان ثم في الإنسان عبر مراحل سريرية ثلاث طويلة مكلفة. وفي كلّ منعطفٍ من هذه المنعطفات يتربّص الفشل: جزيءٌ يبدو واعداً في الأنبوب يصبح ساماً في الكبد، ودواءٌ ينجح في الفأر يخذلنا في البشر. وقد لخّص باحثو معهد ماساتشوستس للتقنية هذه المعضلة في قاعدةٍ صارت تُعرف باسم «قانون إيرووم»، وهي القاعدة التي ترصد أنّ عدد الأدوية المعتمدة لكلّ مليار دولار يُنفق على البحث ظلّ يتراجع عقداً بعد عقد، على عكس ما تعوّدناه في عالم الرقائق الإلكترونية حيث تتضاعف القدرة وينخفض الثمن. فصناعة الدواء، خلافاً لكلّ صناعةٍ أخرى، صارت أبطأ وأغلى مع الزمن لا أسرع وأرخص. وهذه المفارقة وحدها تكفي لتبيّن أنّ المشكلة ليست في قلّة الأموال، بل في عقمٍ منهجيّ بنيويّ يستعصي على الحلّ بمزيد من الإنفاق وحده.

هنا تحديداً يطلّ الذكاء الاصطناعي بوعدٍ مختلف. فالفكرة الجوهرية أنّ كلّ مرحلةٍ من مراحل هذا الاختناق هي في حقيقتها مشكلة تنبّؤٍ من بيانات: أيّ هدفٍ بيولوجيّ يستحقّ الملاحقة؟ أيّ جزيءٍ من بين ملايين الاحتمالات سيرتبط به؟ وما شكله الفراغيّ حين يلتفّ على نفسه؟ وهل سيكون ساماً أم آمناً؟ وهذه أسئلةٌ صارت الخوارزميات تتفوّق فيها على الحدس البشريّ المحدود. وقد كانت اللحظة الفارقة حين أعلن مختبر «ديب مايند» عن نظامه «ألفافولد»، الذي حلّ معضلةً حيّرت علماء الأحياء نصف قرن: التنبّؤ بالبنية الفراغية للبروتين انطلاقاً من تسلسله فحسب. فما كان يستغرق سنوات من العمل المخبريّ الشاقّ لبروتينٍ واحد، صار النظام ينجزه في دقائق، حتى إنّ قاعدته المفتوحة باتت تضمّ بنى مئات الملايين من البروتينات. وقد بلغ هذا الإنجاز من العمق ما جعل جائزة نوبل في الكيمياء تذهب عام ألفين وأربعةٍ وعشرين إلى روّاده، اعترافاً بأنّ الآلة لم تكتفِ بتسريع العلم، بل فتحت أمامه أبواباً كانت موصدة. والبروتين، حين نفهم شكله، نفهم كيف يعمل وكيف يُعطَّل، وهذا هو مفتاح الدواء كلّه؛ فالشكل في عالم الجزيئات قدَر، والوظيفة تتبع الهيئة كما يتبع الظلّ صاحبه.

ويرى الكاتب أنّ أخطر ما في هذا التحوّل ليس السرعة في ذاتها، بل تغيّر طبيعة السؤال الذي يطرحه الباحث. فالعالِم التقليديّ كان مقيّداً بحدوده البشرية، يلاحق فرضيّةً واحدة في كلّ مرة لأنّ كلّ تجربة باهظة وبطيئة. أمّا حين تصبح الفرضيّات رخيصةً وفورية، فإنّ منطق الاكتشاف نفسه ينقلب: لم يعد العالِم يسأل «هل هذا الجزيء يصلح؟» بل صار يأمر الآلة أن «اعرضي عليّ كلّ الجزيئات التي قد تصلح». وهذا فرقٌ نوعيّ لا كمّيّ، يشبه الفرق بين من يفتّش عن إبرةٍ في كومة قشّ بيديه، ومن يملك مغناطيساً يجذب كلّ الإبر دفعة واحدة. وقد أشار باحثون في جامعة ستانفورد إلى أنّ هذا الانقلاب قد يعيد تعريف معنى «الاكتشاف» العلميّ ذاته، إذ ينتقل دور الإنسان من المنقّب الذي يكدّ بمعوله في باطن الجبل إلى الحَكَم الذي يجلس في عليائه يفرز ما تعرضه عليه الآلة من ثروةٍ هائلة، فيختار منها ما يصلح ويطرح ما لا يصلح، وهذا في ذاته تحوّلٌ في موقع العقل البشريّ من قلب العملية إلى ذروتها. بل إنّ بعض الأنظمة الحديثة صارت تصمّم جزيئاتٍ لم تخطر على بال كيميائيّ قطّ، جزيئاتٍ «حلم بها» الحاسوب ثم تحقّقت في الأنبوب، وكأنّ الخيال نفسه قد انتقل من الدماغ البشريّ إلى الشبكة العصبية الصناعية.

شاطئ الجبيل لكنّ الإنصاف يقتضي ألّا ننساق وراء الحماسة كما انساق كثيرون. فالكاتب يرى أنّ أكبر مغالطةٍ تُروَّج اليوم هي اختزال رحلة الدواء في مرحلة الاكتشاف وحدها. صحيحٌ أنّ الذكاء الاصطناعي قد يضغط مرحلة البحث المبكّر من سنواتٍ إلى أشهر، لكنّ هذه المرحلة لا تمثّل إلا جزءاً يسيراً من الزمن الكلّيّ والكلفة الكلّية. أمّا التجارب السريرية على البشر، وهي قلب الرحلة ومعظم كلفتها وأطول مراحلها، فلا تزال محكومةً بإيقاع الجسد البشريّ وأخلاقيّات التجربة وصرامة الأجهزة الرقابية، ولا تختصرها خوارزمية. وقد نبّه تقريرٌ صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ تسريع البداية دون تسريع الوسط والنهاية قد يخلق اختناقاً أشدّ، إذ تتكدّس مرشّحاتٌ دوائية كثيرة عند بوّابة التجارب السريرية الضيّقة. فلا غناء في أن نُسرع صبّ الماء إن بقي عنق الزجاجة على ضيقه. والوعود التي تُطلق اليوم عن أدويةٍ «اكتُشفت بالذكاء الاصطناعي في أشهر» تخفي في طيّاتها أنّ تلك الأدوية لا تزال تنتظر سنواتٍ من الاختبار البشريّ قبل أن تبلغ المريض، إن بلغته أصلاً.

شاطئ الجبيل على أنّ الإنصافَ يقتضي ألّا ننزلق إلى تشاؤمٍ يحجب الصورةَ كاملةً. فالحقيقةُ التي يغفلها كثيرٌ من خصوم هذه التقنية أنّ الذكاء الاصطناعي في ميدان الدفاع قدوثمّة بُعدٌ أعمق يغفل عنه المتحمّسون، وهو أنّ الآلة لا تخلق معرفةً من العدم، بل تتعلّم ممّا نُطعمها إيّاه. وأكثر بيانات الجينات والاستجابة الدوائية المتاحة اليوم مأخوذةٌ من سكّان ذوي أصولٍ أوروبية، ما يعني أنّ النماذج قد تتقن التنبّؤ لفئةٍ من البشر وتخفق مع سواها. وهنا تبرز معضلةٌ عدالية حذّرت منها دراساتٌ في جامعة هارفارد: أن يُعمّق الدواء الذكيّ الفجوة الصحّية بدل أن يردمها، فيغدو علاجاً مفصّلاً على مقاس من تتوافر بياناتهم، بعيداً عن شعوبٍ بأكملها لم تدخل أصلاً في حسابات الخوارزمية. والعربيّ، الذي تكاد جيناته تغيب عن قواعد البيانات الكبرى، معنيٌّ بهذا التحذير أكثر من غيره؛ فمن لا يملك بياناته لا يملك دواءه، ومن لا يُمثَّل في النموذج لا يُحسَب في العلاج.

ولا يكتمل التحليل دون الإقرار بأنّ السرعة قد تنقلب وبالاً إن لم تُقيّد بالحكمة. فالتاريخ مليءٌ بأدويةٍ اجتازت التجارب ثم سُحبت من الأسواق بعد كوارث. والذكاء الاصطناعي، إن صمّم جزيئاً جديداً لم تألفه الطبيعة، فقد يخلق آثاراً جانبية لا سابقة لها في الخبرة البشرية. ولذا فإنّ الكاتب يرى أنّ المعادلة الصحيحة ليست «الآلة بدل الإنسان» بل «الآلة في خدمة حُكم الإنسان»، إذ يبقى الطبيب والصيدلانيّ والمنظّم حرّاساً على البوّابة الأخيرة. وقد شدّدت أدبيّاتٌ من جامعة أكسفورد على أنّ الثقة في هذه الأنظمة يجب أن تُبنى على قابليّة تفسير قراراتها، لا على مجرّد دقّتها، إذ لا يكفي أن يقول النظام «هذا الجزيء سامّ» دون أن يبيّن كيف ولماذا. فالعلم الذي لا يُفسَّر سحرٌ مقنّع، ولا ينبغي أن نبني صحّة الناس على سحرٍ مهما بلغت براعته، فإنّ ما لا نفهمه لا نستطيع أن نضبطه حين يجمح.

أمّا الركائز العملية التي ينبغي أن يقوم عليها أيّ مسعى جادّ في هذا الميدان، فأوّلها بناء قواعد بياناتٍ محلّية نظيفة وموثوقة، إذ لا قيمة لأذكى الخوارزميات إن أُطعمت بياناتٍ هزيلة أو منحازة. وثانيها الاستثمار في الكفاءات الهجينة التي تجمع بين علم الأحياء وعلم الحاسوب، فهذا التزاوج النادر هو عملة المستقبل. وثالثها بناء شراكاتٍ بين الجامعات وشركات الدواء والجهات الرقابية، إذ لا تثمر مثل هذه الجهود في عزلة. ورابعها وضع أطرٍ تنظيمية مرنة تواكب سرعة التقنية دون أن تفرّط في سلامة المريض. وهذه الركائز كلّها تتقاطع مع طموح رؤية المملكة ألفين وثلاثين في توطين الصناعات الدوائية والحيوية وبناء اقتصادٍ معرفيّ لا يستورد دواءه ومعرفته معاً. فقد بدأت مبادراتٌ سعودية في الجينوم والبيانات الصحّية تضع لبنةً قد تجعل المنطقة لاعباً لا متفرّجاً، خصوصاً وأنّ المنتدى الاقتصادي العالمي صنّف الصحّة الرقمية ضمن أكثر القطاعات قابليّةً لإعادة تشكيل خرائط القوّة الاقتصادية في العقد المقبل. فالأمّة التي تملك جينوم أبنائها وبيانات أمراضها تملك مفتاح علاجها، ولا تظلّ رهينةً لمختبراتٍ بعيدة لا تعرف عنها شيئاً، ولا تنتظر فضلها أن يلتفت يوماً إلى أمراضٍ تخصّها وحدها دون سواها.

وفي الأفق يلوح تصوّرٌ أبعد من مجرّد تسريع الاكتشاف: دواءٌ يُصمَّم لكلّ مريضٍ على حدة، انطلاقاً من جيناته وبيئته وتاريخه، لا دواءٌ واحد يُفصَّل على «المريض المتوسّط» الذي لا وجود له في الحقيقة. وهذا هو وعد «الطبّ الدقيق» الذي لا يقوم إلا على أكتاف الذكاء الاصطناعي. لكنّ الكاتب يختم بتنبيهٍ لا بدّ منه: إنّ اختصار العقود إلى سنوات إنجازٌ عظيم، غير أنّ العبرة ليست في أن نصل أسرع، بل في أن نصل أبعد وأعدل. فإن استُخدمت هذه القوّة لتقصير معاناة المرضى وفتح أبواب العلاج لمن أُغلقت في وجوههم، كانت نعمةً تُرتجى. وإن تُركت لمنطق السوق وحده تُسرّع الربح قبل الشفاء، فقد نكون ابتكرنا طريقةً أسرع للوصول إلى وجهةٍ خاطئة. والفرق بين المصيرين ليس في الخوارزمية، بل في الإنسان الذي يمسك بزمامها، وفي السؤال الذي يختار أن يطرحه عليها قبل أن يطرح عليها سواه.