شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والتعليم

لماذا ما زلنا نُجلس ثلاثين طفلاً في صفٍّ واحد، نلقّنهم الدرس ذاته بالوتيرة ذاتها، ثم نقيس ذكاءهم بقدرتهم على استرجاع ما حفظوه يوم الامتحان، بينما يحمل كلٌّ منهم في رأسه خريطةً معرفيةً مختلفةً عن جاره تماماً؟ هذه ليست مدرسةً تعلّم بقدر ما هي مصنعٌ يُعاير المنتجات. فالنموذج الذي نعيش تحت سقفه اليوم لم يُولد من رحم علم النفس التربوي، بل من رحم الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، حين احتاج المجتمع إلى عمّالٍ منضبطين يستجيبون للجرس ويصطفّون في طوابير. والمفارقة المؤلمة أنّنا ما زلنا نُدير عقول أبنائنا بمنطق خطّ التجميع، في زمنٍ صارت فيه الآلة قادرةً على أن تخاطب كلّ عقلٍ على حدة. لقد ورثنا هندسةً تعليميةً صُمّمت للكفاءة الكمّية لا للنموّ الفردي، وظللنا نُرمّم جدرانها بدل أن نسأل: هل ما زال هذا المبنى صالحاً للسكن أصلاً؟

ولفهم حجم الانقلاب القادم، يحسن بنا العودة إلى جذر المعضلة التي حيّرت التربويين قرناً كاملاً. ففي عام 1984 نشر عالم النفس التربوي بنجامين بلوم بحثاً صار من أشهر ما كُتب في حقل التعليم، أثبت فيه أنّ الطالب الذي يتلقّى تعليماً فردياً على يد معلّمٍ خاص يتفوّق بانحرافين معياريين على أقرانه في الصفّ التقليدي، أي إنّ الطالب المتوسط في التعليم الفردي يفوق ثمانيةً وتسعين في المئة من طلاب الصفّ العادي. سمّى بلوم هذه الفجوة «مشكلة السيغما اثنين»، وطرح سؤاله الموجع: كيف نمنح كلّ طفلٍ معلّماً خاصاً دون أن نُفلس المجتمع؟ ظلّ هذا السؤال معلّقاً عقوداً، لأنّ الإجابة كانت مستحيلةً اقتصادياً، فلا خزانة دولةٍ تحتمل معلّماً لكلّ تلميذ. واليوم، وللمرّة الأولى في التاريخ، تلوح إجابةٌ ممكنة، لا في صورة جيشٍ من المعلّمين، بل في صورة خوارزميةٍ لا تكلّ ولا تملّ ولا تتقاضى أجراً. وليس عجيباً أن يكون أوّل من نبّه إلى هذا الأفق باحثو علوم الحاسوب لا التربويون، فالحلّ جاء من خارج أسوار المدرسة لا من داخلها.

غير أنّ التحليل السطحي لهذه النقلة يقع عادةً في فخّ الانبهار التقني، فيظنّ أنّ المسألة مجرّد استبدال المعلّم بتطبيق. وهنا يرى الكاتب أنّ جوهر الثورة ليس في الأتمتة بل في التشخيص. فما يميّز الأنظمة الذكية الحديثة عن الكتاب المدرسي ليس أنّها تُلقي المعلومة بأسلوبٍ أكثر بهرجة، بل أنّها تقرأ المتعلّم وهو يتعلّم. إنّها ترصد أين تردّد، وكم استغرق قبل أن يجيب، وأيّ نوعٍ من الأخطاء يكرّره، فتبني من ذلك نموذجاً حيّاً متجدّداً لعقله. وقد رأت دراساتٌ صادرة عن جامعة ستانفورد أنّ ما يُسمّى بالتعلّم التكيّفي يستمدّ قوّته لا من كمّ المحتوى بل من دقّة الاستهداف، إذ يقدّم للطالب التمرين الذي هو عند حافّة قدرته تماماً، لا الأسهل فيملّ، ولا الأصعب فييأس. وهذا بالضبط ما عجز عنه الصفّ الجماعي طوال تاريخه: أن يكون كلّ درسٍ مفصّلاً على مقاس عقلٍ بعينه. فالمعلّم الواحد، مهما بلغ من إخلاص، لا يستطيع أن يحمل في وعيه في اللحظة ذاتها ثلاثين خريطةً معرفيةً متباينة، أمّا الآلة فلا يثقلها العدد، إذ تتسع ذاكرتها لكلّ متعلّمٍ كأنّه وحده في القاعة.

ومن هنا تنبثق الأطروحة المخالفة للسائد. فالخطاب الشائع يبشّر بأنّ الذكاء الاصطناعي سيُنهي عصر الحفظ، وهذا صحيح لكنّه ناقص. ذلك أنّ المسألة ليست أنّ الحفظ صار رذيلةً ينبغي اجتثاثها، بل أنّ قيمته الاقتصادية في سوق المعرفة قد انهارت. فحين يصبح استرجاع أيّ معلومةٍ على بُعد سؤالٍ من آلةٍ تحملها في جيبك، يفقد العقل الذي تخصّص في التخزين ميزته التنافسية. ويرى الكاتب أنّ التعليم الذي يصرّ على مكافأة الذاكرة على حساب الفهم إنّما يُعدّ أبناءنا لمنافسة الآلة في الميدان الوحيد الذي تتفوّق فيه الآلة حتماً. والأجدى أن نُعيد توجيه طاقة العقل البشري نحو ما لا تُجيده الخوارزمية بعد: طرح السؤال الصحيح، وربط المتباعدات، والحكم الأخلاقي في المواقف الملتبسة. وقد نبّه المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره عن مستقبل الوظائف إلى أنّ المهارات الأعلى طلباً في العقد القادم ستكون التفكير التحليلي والإبداع والمرونة، لا حشو الذاكرة بالحقائق. على أنّ من الإنصاف القول إنّ الحفظ ليس عدوّاً مطلقاً، فالذاكرة الراسخة هي تربة الفهم، ولا يُبدع عقلٌ خاوٍ من المعلومة؛ والخطأ ليس في الحفظ بل في جعله غايةً بدل أن يكون أساساً يُبنى عليه ما هو أرفع.

شاطئ الجبيل على أنّ هذا التفاؤل لا يجوز أن يُعمينا عن الوجه الآخر للنقلة، وهو وجهٌ يستدعي حذراً عميقاً. فالتعليم الشخصي الذي تقوده الخوارزمية ينطوي على مفارقةٍ خطيرة: فهو يَعِد بأن يحرّر المتعلّم من قالبٍ واحد، لكنّه قد يحبسه في قالبٍ من صنع البيانات. إذ حين يقرّر النظام أنّ هذا الطالب «نوعٌ» معيّن من المتعلّمين، فإنّه قد يُغذّيه بما يؤكّد هذا التصنيف ويحرمه من فرصة أن يفاجئ نفسه. وقد حذّر باحثون في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتقنية من أنّ التخصيص المفرط قد يصنع «فقاعات معرفية» شبيهةً بفقاعات وسائل التواصل، تُضيّق أفق المتعلّم بدل أن توسّعه. ويرى الكاتب أنّ خير التعليم ما وازن بين تلبية حاجة المتعلّم وبين تحدّيه بما لم يطلبه، فالنمو الحقيقي يولد في منطقة عدم الراحة، لا في حدائق الرضا المُبرمجة. ثمّ إنّ في الأمر خطراً أدقّ، وهو أن نُسلّم تعريف النجاح ذاته للآلة، فتصبح أهدافنا التربوية هي ما تستطيع الخوارزمية قياسه، لا ما يستحقّ أن يُقاس؛ وكم من قيمةٍ عظيمةٍ كالحكمة والذوق والشجاعة الأخلاقية تأبى أن تُختزل في رقم.

شاطئ الجبيل ثمّ إنّ ثمّة بُعداً أعمق كثيراً ما يُغفل في زحمة الحديث عن الكفاءة، وهو البُعد العلائقي. فالتعلّم ليس نقل معلوماتٍ من وعاءٍ إلى وعاء، بل هو في جوهره علاقةٌ إنسانية. وقد أظهرت أبحاثٌ في كلية التربية بجامعة هارفارد أنّ أثر المعلّم في تشكيل دافعية الطالب وثقته بنفسه قد يفوق أثره في نقل المادة ذاتها. والآلة، مهما بلغت من ذكاء، لا تحمل في نظرتها ذلك الإيمان الصامت بقدرة الطفل الذي يرفع عنه عبء الخوف من الفشل. ولهذا يرى الكاتب أنّ الصيغة المثلى ليست استبدال المعلّم بالآلة، بل إعادة تعريف دوره: أن تتولّى الخوارزمية ما هو آليٌّ متكرّر من التدريب والتقييم، ليتفرّغ المعلّم لما لا يُؤتمت أبداً، وهو أن يكون شاهداً على رحلة إنسانٍ آخر ومرشداً فيها. هذا التحوّل من «الحكيم على المنصّة» إلى «المرشد إلى الجانب» ليس تنازلاً عن مكانة المعلّم، بل ترقيةٌ لها إلى مرتبةٍ أنبل. فالطفل لا يتعلّم ليرضي خوارزمية، بل يتعلّم غالباً ليرى البريق في عيني من يثق به، وهذا البريق لا تملكه شاشةٌ ولا يصنعه كود.

وإذا انتقلنا من التحليل إلى الممارسة، فإنّ بناء هذا المستقبل يقوم على ركائز لا غنى عنها. أولاها أنّ التقنية أداةٌ لا غاية، فينبغي أن تُسخّر لخدمة فلسفةٍ تربويةٍ واضحة، لا أن تُفرض الفلسفة على هواها. وثانيتها أنّ بيانات المتعلّمين أمانةٌ بالغة الحساسية، إذ نتحدّث هنا عن رسم خريطةٍ دقيقة لعقول الأطفال وميولهم ونقاط ضعفهم، وهي خريطةٌ لو وقعت في يدٍ تجاريةٍ أو رقابيةٍ لكانت أداة تحكّمٍ خطيرة، ولذا نبّهت اليونسكو في وثائقها عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى ضرورة وضع المتعلّم وكرامته في قلب أيّ تصميم. وثالثتها أنّ العدالة في الوصول شرطٌ لا يقبل المساومة، فإن صار التعليم الشخصي الفائق حكراً على القادرين، تحوّلت الأداة التي وُعدنا بأنّها تردم الفجوة إلى أداةٍ توسّعها. ورابعتها أنّ تأهيل المعلّم نفسه هو حجر الزاوية، فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تُلحّ في تقاريرها على أنّ أنجح أنظمة التعليم ليست الأغنى تجهيزاً بل الأقدر على تطوير معلّميها. وخامستها، وهي الأهمّ ربّما، أن نُربّي في المتعلّم القدرة على نقد الآلة ذاتها، فلا يكون متلقّياً مذعناً لما تُمليه، بل عقلاً يقظاً يحاور النظام ويشكّك فيه حين يلزم.

وهنا يبرز السياق العربي بفرصةٍ نادرة. فالعالم العربي، إذ لم يُثقله إرثٌ مؤسّسيٌّ صلبٌ من نماذج التعليم الجماعي بقدر ما أثقل غيره، يملك ما يُسمّى بميزة المتأخّر: القدرة على القفز فوق المراحل بدل المرور بها. وفي المملكة العربية السعودية تحديداً، تضع رؤية 2030 الإنسان في صميم مشروعها التنموي، وتجعل من بناء العقول الخلّاقة لا مجرّد الحافظة هدفاً استراتيجياً صريحاً. والتعليم الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي ليس ترفاً تقنياً في هذا السياق، بل رافعةٌ مباشرة لاقتصادٍ معرفيٍّ يتطلّب عقولاً تُبدع لا تُكرّر. غير أنّ الكاتب يرى أنّ النجاح هنا مشروطٌ بأن نوطّن هذه الأنظمة في لغتنا وثقافتنا، لا أن نستوردها مترجمةً ترجمةً حرفية، فالخوارزمية التي تتعلّم على نصوصٍ غريبةٍ عن وجداننا ستُعيد إنتاج غربتها في عقول أبنائنا. والأمّة التي تملك من تراث العلم والتعلّم ما تملكه أمّتنا، حريّةٌ بأن تصنع نموذجها الخاصّ، لا أن تكون سوقاً تستهلك نماذج غيرها.

يبقى أنّ نهاية عصر الحفظ ليست نهاية المعرفة، بل بداية إعادة تعريفٍ لما يستحقّ أن يُعرف وكيف. ولعلّ أعمق ما في هذه النقلة أنّها تردّ إلى التعليم سرّه المنسيّ: أنّ كلّ عقلٍ كونٌ قائمٌ بذاته، له وتيرته وفضوله وطريقه. فإذا أحسنّا تطويع الآلة لخدمة هذا السرّ بدل قمعه، فقد نشهد للمرّة الأولى مدرسةً لا تسأل الطفل أن يتشكّل على مقاسها، بل تتشكّل هي على مقاسه. وذلك، إن تحقّق، لن يكون مجرّد إصلاحٍ تربويٍّ آخر، بل استعادةً لمعنى التعلّم في صورته الأولى، يوم كان حواراً بين عقلٍ يتفتّح وعالمٍ ينتظر أن يُكتشف. والسؤال الذي ينبغي أن يؤرّقنا ليس هل ستُغيّر الآلة التعليم، فهذا قُضي أمره، بل من سيُمسك بدفّة هذا التغيير: أنحن نُوجّهه نحو إنسانٍ أحرّ وأعمق، أم نتركه ينحدر بنا نحو كفاءةٍ بلا روح؟ في تلك الإجابة وحدها يكمن مصير أجيالٍ لم تولد بعد.