شركة بوابات الخير للذكاء الاصطناعي

الطابق الأول، المبنى 7، المنطقة أ طريق المطار، البوابة الاقتصادية ص.ب 93597 الرياض 11683، المملكة العربية السعودية

0112611571

+966570709955

الذكاء الاصطناعي والبيئة

هل يُعقل أن تكون الأداة التي نراهن عليها لإنقاذ كوكبٍ يحترق هي ذاتها الآلة التي تشرب الماء وتبتلع الكهرباء وتنفث الكربون في صمتٍ بعيدٍ عن الأعين؟ هذه المفارقة الموجعة تختصر واحدةً من أكثر معضلات زماننا التباساً، إذ نحتفي بالذكاء الاصطناعي بوصفه عقلاً قادراً على رصد إزالة الغابات من الفضاء، وتتبّع الصيد الجائر في أعالي البحار، وضبط استهلاك المدن لحظةً بلحظة، بينما تختبئ خلف هذا الوعد البرّاق مراكز بياناتٍ ضخمة تلتهم من الطاقة والماء ما يجعل بعض الباحثين يتساءلون بمرارة: أنحن أمام أداةٍ لحماية الأرض، أم أمام سببٍ خفيٍّ جديدٍ من أسباب تدهورها؟ وبين هذين الوجهين، الوجه المنقذ والوجه المستنزف، يتأرجح حكمنا على واحدةٍ من أعظم تقنيات العصر.

لفهم هذا الجدل لا بدّ من العودة إلى الحقيقة المادية الصلبة التي كثيراً ما تنطمس تحت لغة «السحابة» الناعمة. فالذكاء الاصطناعي ليس روحاً تسبح في فضاءٍ افتراضيٍّ بلا جسد، بل هو في جوهره مصانع حوسبةٍ هائلة، صفوفٌ من الخوادم تعمل ليل نهار، تستهلك كهرباء تُولَّد في معظم العالم بحرق الوقود الأحفوري، وتطلق حرارةً تستوجب تبريداً يبتلع ملايين اللترات من المياه العذبة. وقد لفتت دراساتٌ خرجت من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومن جامعة ماساتشوستس في أمهرست، إلى أنّ تدريب نموذجٍ لغويٍّ واحدٍ كبير قد يطلق من ثاني أكسيد الكربون ما يعادل انبعاثات عشرات السيارات على مدى عمرها كاملاً، وهو رقمٌ يصدم من اعتاد أن يتصوّر الحوسبة نظيفةً لا أثر لها. والأدهى أنّ التدريب لا يقع مرةً واحدة ثم ينتهي، بل تُعاد دورات التدريب وتُشغَّل النماذج لمليارات الاستفسارات يومياً، فيصير الاستهلاك تياراً دائماً لا حدثاً عابراً. ولأنّ هذه الكلفة البيئية تقع بعيداً، في مراكز بياناتٍ منزويةٍ في صحارٍ أو ضواحٍ نائية، فإنّ المستخدم الذي يكتب سؤالاً من هاتفه لا يكاد يشعر بأنّ وراء إجابته الفورية بصمةً كربونيةً ومائيةً حقيقية. ولعلّ أخطر ما في هذا البعد المكاني أنّه يفصل بين من ينعم بالخدمة ومن يتحمّل كلفتها، فيتولّد لدينا وهمٌ بأنّ الرقمي بلا وزنٍ ولا جسد، بينما الحقيقة أنّ كلّ صورةٍ تُولَّد وكلّ نصٍّ يُكتب يستدعي خلف الكواليس دوراناً للمراوح وسحباً للتيار وتبخّراً للماء، حتى قدّر باحثون أنّ حفنةً من الاستفسارات قد تستهلك من الماء ما يملأ قنينةً كاملة، وهو ثمنٌ لا يظهر في فاتورةٍ ولا يقع تحت بصرٍ، فيُنفَق دون أن يُحاسَب عليه أحد.

غير أنّ هذه الصورة القاتمة، على صدقها، ليست القصة كاملةً، وهنا يكمن جوهر الجدل العلمي. يرى الكاتب أنّ الخطأ المنهجي الأشيع هو محاكمة الذكاء الاصطناعي بمعزلٍ عن ميزانه الصافي، أي بحساب ما يستهلكه دون حساب ما يوفّره. فالعقل الذي يستنزف طاقةً في تدريبه قد يردّ أضعافها حين يُوجَّه إلى ترشيد أنظمةٍ أكبر منه بكثير. وقد بيّنت تجاربُ نشرتها مختبرات شركات التقنية الكبرى أنّ تطبيق التعلّم العميق على إدارة تبريد مراكز البيانات نفسها قلّص الطاقة المخصّصة للتبريد إلى كسرٍ ممّا كانت عليه، فإذا بالأداة المتّهمة بالنهم تكبح نهمها بنفسها حين يُؤذَن لها بإدارة بيئتها. وأبعد من ذلك، تُستخدم الخوارزميات اليوم في تحسين كفاءة الشبكات الكهربائية، وضبط استهلاك المباني، وتقليل الهدر في سلاسل الإمداد، وفي تصميم موادّ جديدةٍ أخفّ أثراً، وكلّها وفوراتٌ قد تتجاوز كلفة التشغيل ذاتها. والمفارقة البليغة أنّ الحكم على هذه التقنية بأنها صديقةٌ للبيئة أو عدوّةٌ لها يتوقّف لا على طبيعتها، بل على ما نوجّهها إليه ومن أين تأتي الكهرباء التي تحرّكها.

وهنا تتجلّى أبعاد القضية في صورتها المركّبة. فالأثر البيئي للذكاء الاصطناعي لا يُختصر في الكربون وحده، بل يمتدّ إلى الماء الذي يبرّد الخوادم في مناطق تعاني أصلاً شحّاً مائياً، وإلى المعادن النادرة التي تُستخرج لصناعة الرقائق فتترك وراءها ندوباً في الأرض ونزاعاتٍ على الموارد، وإلى النفايات الإلكترونية التي تتراكم حين تُستبدل الأجهزة بوتيرةٍ متسارعة. وقد نبّهت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأبحاثٌ من جامعة ستانفورد ضمن تقريرها السنوي عن مؤشّر الذكاء الاصطناعي، إلى أنّ شفافية الشركات حول استهلاكها للطاقة والماء لا تزال ضعيفةً ومتفاوتة، حتى صار قياس الأثر الحقيقي أشبه بالتقدير في العتمة. وهذه العتمة الإحصائية ليست تفصيلاً ثانوياً، إذ لا يمكن إدارة ما لا يُقاس، ولا محاسبة من يُخفي أرقامه. ولعلّ ما يُغفل كثيراً أنّ كفاءة النماذج تتحسّن بوتيرةٍ مذهلة، فالطاقة اللازمة لأداء المهمّة ذاتها تتراجع عاماً بعد عام، غير أنّ هذا التحسّن في الكفاءة الفردية كثيراً ما يبتلعه نموٌّ هائلٌ في حجم الاستخدام الكلّي، فيما يسمّيه الاقتصاديون «مفارقة جيفونز»، حين تؤدّي زيادة الكفاءة إلى زيادة الاستهلاك لا خفضه، لأنّ رخص الكلفة يغري بالإفراط. وهكذا قد تتحسّن كفاءة كلّ عمليةٍ على حدة بينما يتضخّم الأثر الكلّي، تماماً كما لم تُقلّل المحرّكات الأكفأ استهلاك الوقود على مستوى الكوكب بل شجّعت على قيادةٍ أكثر، فالعبرة ليست بكفاءة الجزء بل بحجم الكلّ، وهي حقيقةٌ كثيراً ما يتغافل عنها خطابٌ متفائلٌ يكتفي بالإشادة بتراجع كلفة المهمّة الواحدة دون أن يرفع بصره إلى المجموع المتصاعد.

شاطئ الجبيل ولا يكتمل النظر إلى هذه المعضلة دون ربطها بالسياق العربي وبأفقٍ يتشكّل في قلب الجزيرة. فرؤية السعودية 2030 لم تطرح الاستدامة بوصفها شعاراً بيئياً عابراً، بل بوصفها إعادة تعريفٍ لعلاقة التنمية بالأرض، حين تتجه دولةٌ بنت ثروتها على الطاقة الأحفورية إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة على نطاقٍ واسع، وإلى مبادراتٍ كبرى للتشجير ومكافحة التصحّر تحت مظلّة «السعودية الخضراء». ويرى الكاتب أنّ المنطقة العربية أمام فرصةٍ نادرة، إذ تستطيع، بدل أن ترث مراكز بياناتٍ تعمل بكهرباء الفحم كما هي الحال في كثيرٍ من الدول الصناعية القديمة، أن تبني بنيتها الرقمية من البداية موصولةً بالشمس الوافرة التي حُبيت بها صحراؤها. فإذا كانت الكلفة البيئية الكبرى للذكاء الاصطناعي مصدرها الكهرباء الملوّثة التي تشغّله، فإنّ مركز بياناتٍ يعمل بطاقةٍ شمسيةٍ نظيفة يقلب المعادلة من أساسها، ويحوّل ما هو عبءٌ بيئيٌّ في مكانٍ إلى أداةٍ خضراء في مكانٍ آخر. غير أنّ هذه الفرصة لن تُقطف بمجرّد استيراد التقنية جاهزة، بل بامتلاك المعرفة التي تقيس أثرها وتحكمه وتطوّعه للسياق المحلّي، وبجعل ندرة الماء في المنطقة دافعاً للابتكار في التبريد بدل أن تكون قيداً صامتاً يُتجاهل.

شاطئ الجبيل على أنّ النشوة بالوعد الأخضر ينبغي أن تُكبَح بشيءٍ من التشكّك الرصين. فقد نبّهت أبحاثٌ من جامعة هارفارد، ومن جامعة أوكسفورد، إلى أنّ خطاب «الذكاء الاصطناعي من أجل المناخ» قد يتحوّل أحياناً إلى غسيلٍ أخضرَ تتزيّن به الشركات، تبرّر به توسّعها في الحوسبة باسم البيئة، بينما يظلّ ميزانها الصافي غامضاً. ثمّ إنّ كثيراً من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأكثر استهلاكاً للطاقة لا علاقة لها بالبيئة أصلاً، بل تُسخَّر للإعلانات المستهدفة أو للترفيه أو لتسريع استخراج مزيدٍ من الوقود الأحفوري ذاته، فتصبح الأداة التي يُفترض أن تحمي الكوكب خادمةً لما يدمّره. وقد لفت تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي غير مرة إلى أنّ التحوّل الرقمي يمضي أسرع من نضج الحوكمة البيئية التي ينبغي أن تضبطه، وهي فجوةٌ بين القدرة والمسؤولية لا يجوز التهوين منها.

يرى الكاتب أنّ المعضلة الأعمق ليست تقنيةً بل قِيَمية في جوهرها، إذ السؤال الحقيقي ليس «هل الذكاء الاصطناعي مفيدٌ للبيئة أم ضارّ؟»، فهذا سؤالٌ ساذجٌ يطلب جواباً قاطعاً حيث لا قطع، بل السؤال هو: «بأيّ نيّةٍ نوجّه هذه القوّة، وبأيّ ميزانٍ نحاسبها، ومن يملك أن يفرض على مُشغّليها الشفافية؟». فالكفاءة وحدها معيارٌ أعمى ما لم تُسنده مساءلةٌ تكشف الأرقام وتفضح التبرير. ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ كلفة الحوسبة البيئية يتحمّلها غالباً غير المستفيدين منها مباشرة، فالماء المستنزف والهواء الملوّث يقعان على مجتمعاتٍ محلّيةٍ حول مراكز البيانات، بينما تُجنى الأرباح في مكانٍ بعيد، وهي عدالةٌ بيئيةٌ مفقودةٌ تستحقّ أن تُوضع في صلب النقاش لا على هامشه. وحين تتركّز مراكز البيانات حيث تَرخص الكهرباء أو يتساهل التشريع، فإنّ خريطة المنفعة وخريطة الضرر تنفصلان انفصالاً صارخاً، فتُصدَّر الفائدة إلى مراكز القرار وتُستورَد الكلفة إلى الأطراف المنسيّة، وهو نمطٌ قديمٌ في علاقة الصناعة بالبيئة يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاجه بثوبٍ جديدٍ ما لم نتنبّه له مبكراً.

ولكي يُثمر هذا الرهان لا بدّ من ركائز عملية متينة. أولاها فرض الشفافية الإلزامية، بحيث تُفصح الشركات عن استهلاكها للطاقة والماء والكربون بمعايير موحّدة قابلةٍ للتدقيق، فلا قياس بلا إفصاح. وثانيتها ربط مراكز البيانات بمصادر طاقةٍ متجدّدة حقيقية لا بشهاداتٍ ورقيةٍ تُجمّل الواقع. وثالثتها الاستثمار في كفاءة النماذج وتصغيرها، فالنموذج الأذكى ليس بالضرورة الأضخم، بل الأقدر على إنجاز المهمّة بأقلّ موارد. ورابعتها، وهي الأهمّ عربياً، إعداد كوادر تتقن قياس الأثر البيئي للتقنية وحوكمته، لئلا نستورد الأداة ونبقى عاجزين عن مساءلتها. وخامستها أن نوجّه أولويات الحوسبة نحو ما يخدم الكوكب فعلاً، من رصد الانبعاثات إلى إدارة الموارد، لا أن نتركها رهينة ما يدرّ ربحاً أسرع. وسادستها أن يُبنى هذا كلّه على وعيٍ عامٍّ يدرك أنّ كلّ استفسارٍ رقميٍّ له ثمن، فالثقافة البيئية الرقمية شرطٌ لترشيدٍ لا يفرضه القانون وحده.

وفي الأفق تلوح صورةٌ أبعد من مجرّد جدلٍ بين منفعةٍ ومضرّة: ذكاءٌ اصطناعيٌّ يُحاسَب على أثره كما يُحاسَب أيّ مصنعٍ على دخانه، ويُصمَّم منذ لحظته الأولى ليكون خفيف الوطء على الأرض، عقلٌ رقميٌّ يعمل بضوء الشمس لا بدخان الفحم، ويُسخَّر لما ينفع الكوكب لا لما يستنزفه. وحين يحدث ذلك، لن يكون الذكاء الاصطناعي قد أنقذ البيئة لأنّه نظيفٌ بطبعه، بل لأنّنا تعلّمنا أن نسأله الحساب كما نسأل أنفسنا. ولعلّ المفارقة الختامية أنّ أعظم درسٍ بيئيٍّ قد تعلّمنا إيّاه هذه الآلة ليس في ما تفعله بالنيابة عنّا، بل في ما تكشفه لنا عن أنفسنا: أنّ كلّ قوّةٍ جديدةٍ نخترعها تظلّ نعمةً أو نقمةً بحسب الحكمة التي نديرها بها، وأنّ نجاة الأرض لم تكن يوماً مسألة تقنيةٍ أذكى، بل مسألة ضميرٍ أيقظ.