ماذا لو كانت أعتى نقاط ضعف الذكاء الاصطناعي ليست في عقله، بل في ذاكرته؟ فالنموذج الذي يبهرنا اليوم بقدرته على التحليل والتوليد يظلّ في جوهره صندوقاً مغلقاً، نُلقي إليه بياناتٍ لا نعرف مصدرها، فيُخرج لنا أحكاماً لا نملك أن نُراجع كيف وُلدت؛ وكأنّنا منحنا قاضياً ذكاءً خارقاً ثم حرمناه من سِجلٍّ يُدوّن شهادته. وفي المقابل، تقف تقنيةٌ أخرى وُلدت من رحم انعدام الثقة لا من رحم الذكاء: البلوك تشين، التي صُمّمت أصلاً لتُجيب عن سؤالٍ واحد لا أكثر، كيف نتّفق على حقيقةٍ مشتركة دون أن نأتمن أحداً عليها؟ ولعلّ المفارقة الكبرى لعصرنا أنّ هاتين التقنيتين، اللتين نشأتا على طرفي نقيض، تكشفان حين تلتقيان أنّ كلّاً منهما يداوي علّة الأخرى.
ولفهم عمق هذا التكامل لا بدّ من العودة إلى جذر كلّ تقنيةٍ على حدة. فالذكاء الاصطناعي، في أبسط تعريفاته، آلةٌ تتعلّم من البيانات لتستنبط أنماطاً تتجاوز قدرة الإنسان على رصدها، لكنّه يبقى أسيراً لما يُغذّى به؛ فإن كانت بياناته ملوّثةً أو محرّفة، جاءت أحكامه ملوّثةً محرّفة، وهي العلّة التي يختصرها المتخصصون في عبارةٍ صارت قاعدةً ذهبية: المُدخَل الرديء يُنتج المُخرَج الرديء. أمّا البلوك تشين فهي في حقيقتها دفتر أستاذٍ موزّع، تُسجَّل فيه المعاملات في كتلٍ متسلسلةٍ مترابطةٍ تشفيرياً، بحيث يستحيل تعديل كتلةٍ واحدةٍ دون أن ينكشف العبث في كلّ ما تلاها؛ فهي لا تمنح الثقة لأنها تطلب منّا أن نثق، بل لأنها تجعل الغشّ مكلفاً إلى حدّ العبث. وقد لخّص باحثو معهد ماساتشوستس للتقنية هذا التقابل في تصوّرٍ بديع، حين وصفوا الذكاء الاصطناعي بأنه آلة القرار، والبلوك تشين بأنها آلة الثقة؛ فالأولى تجيب عن سؤال ماذا نفعل، والثانية تضمن أنّ ما فُعل قد جرى كما يُروى.
وهنا يبرز جوهر التحالف الذي يدور حوله هذا المقال. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يعاني من أزمة شفافيةٍ مزمنة، إذ تتّخذ نماذجه قراراتٍ مصيريةً في القروض والتوظيف والتشخيص الطبي دون أن نقدر على تتبّع منطقها، فإنّ البلوك تشين تقدّم له ما يفتقر إليه تماماً: سجلّاً غير قابلٍ للتزوير يوثّق رحلة البيانات من منبعها إلى لحظة القرار. تصوّر نموذجاً طبياً يُشخّص الأورام؛ مع البلوك تشين يصبح بالإمكان أن نُثبت، بيقينٍ رياضيٍّ لا بوعدٍ مؤسسي، أنّ الصور التي تدرّب عليها لم تُحرَّف، وأنّ الخوارزمية التي شخّصت حالتك هي ذاتها التي أُجيزت، وأنّ أحداً لم يعبث بأوزانها في الطريق. وقد أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي مراراً إلى أنّ قابلية المراجعة ستكون العملة الأغلى في اقتصاد البيانات القادم، وأنّ التقنيات التي تتيح تدقيق القرار الآلي ستفصل بين من يُؤتمن على الذكاء الاصطناعي ومن يُقصى عنه.
ويرى الكاتب أنّ الخطأ الشائع في تناول هذا الموضوع هو تصويره على أنه مجرّد دمجٍ تقنيٍّ بين أداتين، بينما هو في عمقه إعادة توزيعٍ للثقة في المجتمع الرقمي بأسره. فالذكاء الاصطناعي، حين يتضخّم ويتمركز في أيدي حفنةٍ من الشركات العملاقة، يخلق ما يشبه الكهنوت الجديد؛ سلطةٌ معرفيةٌ تحتكر فهم ما يجري داخل الصناديق السوداء، وتطالبنا بأن نُسلّم لها قيادنا. والبلوك تشين، بطبيعتها اللامركزية، تكسر هذا الاحتكار من جذره، لأنها تنقل سلطة التحقّق من المركز إلى الأطراف، ومن المؤسسة إلى الشبكة. وبهذا المعنى، لا يكون التحالف بين التقنيتين تحالفاً هندسياً فحسب، بل تحالفاً سياسياً وأخلاقياً يعيد للفرد حقّه في أن يسأل الآلة، لا أن يخضع لها صامتاً.
ويرى الكاتب أيضاً أنّ أعظم ما تقدّمه البلوك تشين للذكاء الاصطناعي ليس الأمان، كما يُشاع، بل المساءلة. فالأمان حالةٌ سلبية، غايتها منع الضرر؛ أمّا المساءلة فحالةٌ إيجابية، جوهرها أن يكون لكلّ قرارٍ آليٍّ أبٌ معروفٌ يُحاسَب. فحين تُسجَّل بيانات التدريب وأوزان النموذج وقراراته على دفترٍ موزّعٍ لا يُمحى، يصير بالإمكان أن نعود بعد سنواتٍ إلى لحظةٍ بعينها فنسأل: لماذا رفض هذا النظام طلب فلان؟ وأيّ بياناتٍ استند إليها؟ ومن غذّاها؟ وهذا التتبّع العكسي، الذي يسمّيه الباحثون أصالة البيانات، هو الفارق بين ذكاءٍ اصطناعيٍّ نأتمنه وآخر نخشاه. وقد نبّهت دراساتٌ صادرةٌ عن جامعة ستانفورد إلى أنّ غياب هذا التتبّع هو الثغرة الكبرى التي تتسلّل منها التحيّزات الخوارزمية، إذ يصعب إصلاح ما لا نقدر على رؤية أصله.
ولا يقف نفع هذا التحالف عند حدود التوثيق، بل يمتدّ إلى ما هو أعمق: إعادة تعريف ملكية البيانات نفسها. فالنماذج الكبرى اليوم تُبنى على بياناتٍ يُنتجها ملايين البشر دون أن يعرفوا، ودون أن يُكافَؤوا، ودون أن يملكوا حقّ الاعتراض. وحين تُسجَّل مساهمات الأفراد على دفترٍ موزّع، يصير بالإمكان أن نُنشئ ما يشبه أسواقاً عادلةً للبيانات، يُكافأ فيها صاحب المعلومة على مساهمته في تدريب الآلة، ويملك أن يسحب إذنه متى شاء. وقد لفتت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنّ حوكمة البيانات العادلة ستكون حجر الزاوية في الثقة المجتمعية بالذكاء الاصطناعي، وأنّ الأنظمة التي تتجاهل حقوق أصحاب البيانات تحفر بنفسها قبر شرعيتها. ويرى الكاتب أنّ هذا البُعد، المتعلّق بالعدالة الاقتصادية، هو الوجه الأكثر ثوريةً في التحالف، وإن كان الأقلّ حضوراً في النقاش العام المنشغل بالأمان التقني وحده.
على أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نسقط في الحماسة الساذجة. فالبلوك تشين ليست ترياقاً سحرياً، بل أداةٌ بطيئةٌ ومكلفةٌ في استهلاك الطاقة في بعض صورها، وتعاني من معضلةٍ ثلاثيةٍ شهيرة لا تكاد تجمع بين اللامركزية والأمان وقابلية التوسّع في آنٍ واحد. وقد حذّر باحثو جامعة أوكسفورد من أنّ تسجيل بياناتٍ موثوقةٍ على دفترٍ لا يُغيَّر لا يضمن أنّ البيانات نفسها صحيحة؛ فالدفتر الأمين يحفظ الكذبة بأمانةٍ كما يحفظ الحقيقة. وهنا تتجلّى مفارقةٌ دقيقة يغفل عنها المتحمّسون: أنّ البلوك تشين تضمن سلامة البيانات بعد دخولها النظام، لكنها لا تضمن نزاهة لحظة الدخول الأولى، تلك اللحظة التي يسمّيها التقنيون مشكلة الجسر بين العالم المادي والعالم الرقمي. ولهذا فإنّ التحالف الحقيقي لا يكتمل بالبلوك تشين وحدها، بل بمنظومةٍ من أجهزة الاستشعار الموثوقة والحوكمة الرشيدة تحرس البوّابة قبل أن يحرس الدفتر ما بعدها.
وثمّة وجهٌ آخر للتكامل لا يقلّ أهميةً، وهو أن يخدم الذكاء الاصطناعي البلوك تشين كما تخدمه. فإذا كانت البلوك تشين تمنح الذكاء الاصطناعي ذاكرةً نزيهة، فإنّ الذكاء الاصطناعي يمنح البلوك تشين عقلاً يقظاً يرصد الأنماط المشبوهة في حركة المعاملات، ويكشف محاولات الاحتيال والغسيل، ويُحسّن كفاءة الشبكات المثقلة. فالعلاقة بينهما ليست علاقة خادمٍ ومخدوم، بل علاقة تكافلٍ متبادل، يسدّ كلٌّ منهما نقص الآخر؛ فالأولى عمياء ذكيّة، والثانية بصيرةٌ صمّاء، وفي اجتماعهما يكتمل الإبصار مع الذاكرة. وقد بيّنت أبحاثٌ في جامعة هارفارد أنّ أنظمة الكشف عن الاحتيال التي تجمع بين التعلّم الآلي والسجلّات الموزّعة تتفوّق على نظيرتها التقليدية في الدقّة وسرعة الاستجابة، لأنها تجمع بين قدرة الآلة على التنبّؤ وقدرة الدفتر على الإثبات الذي لا يُدحض.
ومن هنا يمكن صوغ ركائز عمليةٍ لمن أراد أن يبني على هذا التحالف لا أن يكتفي بالتنظير. أولاها أن يُوضع التحقّق من أصالة البيانات في قلب التصميم لا في هامشه، فيُسجَّل مصدر كلّ مجموعةٍ بيانيةٍ على الدفتر الموزّع قبل أن تلمسها الخوارزمية. وثانيتها أن تُعتمد العقود الذكية لأتمتة الحوكمة، بحيث لا يُشغَّل نموذجٌ إلا إذا استوفى شروطاً مبرمجةً سلفاً، فتُترجم الأخلاقيات إلى شيفرةٍ تنفّذ نفسها. وثالثتها أن يُفصل التحقّق عن البيانات نفسها عبر تقنيات البراهين المعرفية الصفرية، التي تتيح إثبات صحّة حسابٍ دون كشف محتواه، فنجمع بين الشفافية والخصوصية في معادلةٍ كانت تبدو مستحيلة. ورابعتها، وهي الأهمّ، أن يُبنى كلّ ذلك على حوكمةٍ بشريةٍ تبقى المرجع الأخير، فالتقنية تُنفّذ القرار ولا تملك أن تتحمّل وزره.
وفي السياق العربي تحديداً، يكتسب هذا التحالف بُعداً سياديّاً لا ينبغي إغفاله. فرؤية المملكة العربية السعودية 2030 جعلت من اقتصاد البيانات والثقة الرقمية ركيزةً للتحوّل، وأطلقت مبادراتٍ كبرى في المدن الذكية كمشروع نيوم، حيث تتقاطع أنظمة الذكاء الاصطناعي مع شبكات التوثيق اللامركزية في إدارة الطاقة والنقل والخدمات. ويرى الكاتب أنّ المنطقة العربية، إذ تتأخّر في امتلاك ناصية الذكاء الاصطناعي، تملك فرصةً نادرةً لأن تسبق غيرها في حوكمته الموثوقة، فمن عجز عن أن يكون الأوّل في صناعة العقل الرقمي يستطيع أن يكون الأوّل في صناعة الثقة التي تحرسه. وهذا رهانٌ يليق بمنطقةٍ تدرك أنّ السيادة في القرن الحادي والعشرين لن تُقاس بمن يملك البيانات وحده، بل بمن يملك القدرة على إثبات نزاهتها أمام العالم.
ولعلّ الأفق الذي يفتحه هذا التحالف أبعد ممّا نتصوّر اليوم. فنحن نقف على عتبة عالمٍ تتحاور فيه الآلات بعضها مع بعض، وتُبرم فيه العقود وتُحوَّل القيمة دون وسيطٍ بشري، وفي مثل هذا العالم لن تكون الثقة ترفاً بل شرطاً للبقاء؛ إذ كيف نأتمن وكيلاً ذكياً يتصرّف بالنيابة عنّا إن لم نملك دفتراً نُراجع فيه ما فعله؟ وهنا تتحوّل البلوك تشين من مجرّد سجلٍّ للمعاملات إلى ضميرٍ رقميٍّ للذكاء الاصطناعي، يحفظ له أثره ويُحاسبه عليه. غير أنّ الخطر الكامن أن نُسلّم زمام المساءلة كلّه للتقنية فننسى أنّ الثقة في جوهرها قيمةٌ إنسانيةٌ لا رياضية، وأنّ أعظم الدفاتر إحكاماً يظلّ عاجزاً عن أن يُجيب عن السؤال الأخطر: هل كان ينبغي أن نفعل هذا أصلاً؟ فالتحالف بين العقل الآلي والثقة الموزّعة قد يمنحنا أنظمةً أكثر أماناً وقابليةً للمراجعة، لكنه لن يُعفينا يوماً من عبء الاختيار. والسؤال الذي يبقى معلّقاً، كلّما ازداد ذكاء آلاتنا ووثوقية سجلّاتنا، هو: هل نبني هذه الجسور لنُحكم سيطرتنا على ما نصنع، أم لنُريح ضمائرنا من مسؤولية ما نصنع؟ ولعلّ الحكمة كلّ الحكمة أن ندرك أنّ الآلة الأذكى والدفتر الأنزه يبقيان مجرّد أدواتٍ في يد إنسانٍ هو وحده من يملك أن يسأل عن الغاية، لا عن الوسيلة وحدها، فالثقة في نهاية المطاف لا تُبنى بالشيفرة، وإنما تُصان بالضمير الذي يقف خلفها.