ماذا لو كانت المجاعة القادمة قراراً بشرياً أكثر منها قدراً طبيعياً؟ هذا السؤال، على قسوته، يقلب الصورة التي ورثناها عن المجاعات بوصفها كوارث تنزل من السماء أو تخرج من الأرض دون أن يكون للإنسان فيها حيلة. فالعالم اليوم ينتج من الغذاء ما يكفي لإطعام سكانه جميعاً وزيادة، ومع ذلك ينام مئات الملايين جائعين، بينما يُهدر، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، نحو ثلث ما يُنتَج من طعام قبل أن يصل إلى فم إنسان. المعضلة إذن ليست في الندرة المطلقة، بل في التوزيع والتوقيت والتنبؤ، وهي بالضبط المواطن التي تعد فيها الخوارزميات التنبؤية بأكبر تحول لم تشهده منظومة الغذاء منذ الثورة الخضراء. والمفارقة التي تستحق التأمل أننا نخشى أن تسرق الآلة أرغفتنا، بينما قد تكون هي الحارس الأكثر يقظة على ألا تختفي تلك الأرغفة من موائد من لا يملكون غيرها.
لفهم عمق هذا التحول، ينبغي أن نتأمل طبيعة المجاعة نفسها. لقد علّمنا الاقتصادي الهندي أمارتيا سن، في أعماله الكلاسيكية التي ما زالت تُدرَّس في كلية هارفارد وأروقة أكسفورد، أن المجاعات الكبرى في القرن العشرين لم تنشأ غالباً من نقص الغذاء المطلق، بل من انهيار قدرة الناس على الوصول إليه، أي من خلل في الاستحقاق لا في الإنتاج. وهذه البصيرة العميقة تنقلنا من سؤال كم ننتج إلى سؤال أدق وأخطر متى وأين سيختل التوازن، ومن سيتضرر أولاً؟ وهنا تحديداً يدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لا تكتفي بحساب الغلال، بل تقرأ في طبقات السبب المتشابكة قبل أن تتحول إلى كارثة معلنة. فالخوارزمية التنبؤية، حين تُغذّى بصور الأقمار الاصطناعية وبيانات الأمطار وأسعار الأسواق وتحركات النزوح ومؤشرات سوء التغذية لدى الأطفال، تستطيع أن تكتشف نمط المجاعة وهو لا يزال جنيناً في رحم المستقبل، فتمنح صانع القرار ما لم يكن متاحاً من قبل وقتاً.
والوقت، في معادلة الأمن الغذائي، هو العملة الأثمن. تشير دراساتٌ حديثة في مجال الاستجابة الإنسانية إلى أن كل شهر من الإنذار المبكر قد يخفّض كلفة الاستجابة إلى أجزاء من قيمتها لو جاءت متأخرة، ويُنقذ من الأرواح ما يتعذّر إنقاذه بعد أن تستفحل الأزمة. ومن هذا المنطلق وُلدت أنظمة الإنذار المبكر القائمة على التعلم الآلي، التي تجمع آلاف المتغيرات في نموذج واحد يتعلم من المواسم السابقة كيف يتنبأ بالمواسم المقبلة. فالنموذج لا يكتفي برصد الجفاف بعد وقوعه، بل يربط بين شذوذ خفيف في درجات الحرارة وتراجع متوقع في الغلة بعد أشهر، وبين ارتفاع طفيف في أسعار الحبوب وموجة نزوح محتملة في إقليم بعينه. وهذا الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق هو جوهر ما يجعل الباحثين في معهد ماساتشوستس للتقنية يتحدثون عن الزراعة الدقيقة بوصفها أعمق من مجرد أتمتة المحراث.
غير أن الخطاب السائد حول هذه التقنية يقع، في تقدير الكاتب، في مغالطة مزدوجة تستحق التفكيك. فمن جهة، يبالغ المتحمسون في تصوير الذكاء الاصطناعي بوصفه عصا سحرية ستنهي الجوع بضغطة زر، وكأن المشكلة كانت دائماً في غياب البيانات لا في غياب الإرادة وعدالة التوزيع. ومن جهة أخرى، يبالغ المتشككون فيرون في كل خوارزمية أداة جديدة بيد الشركات الكبرى لإحكام قبضتها على بذور الفقراء وحقولهم. والحقيقة أبعد ما تكون عن هذين القطبين. فالخوارزمية التنبؤية ليست محايدة بطبيعتها ولا شريرة بالضرورة، إنها مرآة تعكس نوايا من يصممها وأولويات من يموّلها. يرى الكاتب أن القيمة الكبرى لهذه التقنية لا تكمن في أنها تنتج مزيداً من الطعام فحسب، بل في أنها تعيد توزيع البصيرة، أي القدرة على رؤية الخطر قبل وقوعه، وهي بصيرة كانت حكراً تاريخياً على الدول الغنية ذات الأقمار والمختبرات، وصارت اليوم في متناول من يملك إرادة استثمارها.
وثمة بُعد كثيراً ما يُغفَل في هذا النقاش، وهو أن أعقد ما في منظومة الغذاء ليس الإنتاج بل سلسلة الإمداد التي تربط الحقل بالمائدة. فالحبوب التي تنضج في موعدها قد تتعفن في صوامع غير مهيأة، والخضار التي تُحصد بوفرة قد تفسد في طرق غير مبرّدة، والأسواق التي تشهد فائضاً في إقليم تعاني عجزاً في إقليم مجاور لا يفصلهما إلا غياب المعلومة وسوء التنسيق. وهنا تتجلى عبقرية الخوارزميات في إدارة اللوجستيات، إذ تتنبأ بالطلب قبل حدوثه، وتوجّه الفائض إلى حيث يُحتاج، وتقلّص الفاقد الذي يمثّل، إن أُحسن تدبيره، أسرع طريق لإطعام مزيد من الأفواه دون زراعة شبر إضافي من الأرض. ولعل في هذا المسار أعظم وعد عملي للذكاء الاصطناعي في الأمن الغذائي خفض الهدر، لا مجرد رفع الإنتاج.
لكن هذا التفاؤل المشروط ينبغي ألا يحجب عنا المخاطر البنيوية التي قلّما يُلتفت إليها. فالخطر الأول أن نمنح الخوارزمية ثقة تتجاوز قدرتها، فنبني قرارات مصيرية على نماذج دُرّبت على بيانات منطقة لا تشبه منطقتنا، فتخطئ في قراءة تربتنا ومناخنا وأنماط استهلاكنا. والخطر الثاني، وهو الأعمق، أن تتركّز هذه القدرة التنبؤية في أيدي قلة من الشركات العابرة للقارات، فيتحول الغذاء، وهو أصل الكرامة الإنسانية، إلى ساحة تبعية تقنية جديدة، تحتكر فيها حفنة من المنصات معرفة ما ينبغي أن يُزرَع ومتى وبأي ثمن. ويرى الكاتب أن المعركة الكبرى في العقد المقبل لن تكون على من يملك الأرض، بل على من يملك البيانات التي تُقرأ بها الأرض. والخطر الثالث، الأكثر خفاءً، أن نسلّم القرار للنموذج تسليماً يضمر معه حدس الفلاح المتراكم عبر الأجيال، ذلك الحدس الذي قرأ السماء والتربة قبل أن تُخترع المستشعرات، فنجد أنفسنا أغنى بالبيانات وأفقر بالحكمة.
وحين ننقل هذا النقاش إلى سياقنا العربي، تتضح أبعاد إضافية بالغة الحساسية. فالمنطقة العربية من أكثر مناطق العالم اعتماداً على استيراد الغذاء، وأشدها هشاشة أمام تقلبات المناخ وأزمات سلاسل الإمداد العالمية، كما كشفت اضطرابات السنوات الأخيرة حين تأرجح أمن رغيف الخبز في عواصم كثيرة تبعاً لحصاد قمح يُزرع على بُعد آلاف الأميال. هذه الهشاشة بالذات تجعل الخوارزميات التنبؤية ليست ترفاً تقنياً، بل ضرورة استراتيجية ترقى إلى مرتبة السيادة. ورؤية المملكة العربية السعودية ألفين وثلاثين، بما تحمله من جعل الأمن الغذائي ركيزة محورية، ومن استثمار في الزراعة الدقيقة وتقنيات الزراعة في البيئات الجافة، تجد في هذه الأدوات رافعة طبيعية لتجاوز قيود الطبيعة القاسية. غير أن الكاتب يرى أن النقل غير المدروس لنماذج صُمّمت لسهول معتدلة المناخ ينطوي على مخاطرة حقيقية، وأن المنطقة بحاجة إلى بناء خوارزميات أصيلة من الداخل، تفهم خصوصية المناخ الصحراوي وندرة المياه وأنماط الاستهلاك المحلية، لا أن تستورد عقولاً رقمية دُرّبت على واقع لا يشبه واقعها.
فما الركائز العملية التي ينبغي أن يتسلح بها صانع القرار العربي وهو يدخل هذا الميدان؟ أولاها أن يستثمر في البيانات قبل الخوارزميات، فالنموذج الأذكى يبقى أعمى ما لم تغذّه بيانات دقيقة محلية المصدر. وثانيتها أن يبني السيادة على القدرة التنبؤية، فلا يكتفي باستئجار حلول جاهزة بل يطوّر كفاءات وطنية تملك زمام التقنية وتفهم منطقها. وثالثتها أن يربط الإنذار المبكر بالاستجابة المبكرة، إذ لا قيمة لتنبؤ دقيق تتبعه استجابة بطيئة، فالمعرفة بلا فعل ترف. ورابعتها أن يدمج حكمة الفلاح في ذكاء الآلة، لا أن يستبدل بها، فالنموذج الأمثل هو الذي يضاعف الخبرة البشرية ولا يلغيها. وخامستها أن يجعل خفض الفاقد أولوية توازي رفع الإنتاج، فإطعام الناس مما يُهدر اليوم أرخص وأسرع من زراعة الغد. وسادستها، وهي الأكثر إغفالاً، أن يصون عدالة الوصول، فلا تتحول البصيرة التنبؤية إلى امتياز للأغنياء دون الفقراء، الذين هم أول من تطحنهم المجاعة وآخر من تصله نعمة التقنية.
ولعل من أكثر ما يستحق التأمل في هذا الباب أن جدوى الخوارزمية التنبؤية لا تُقاس بدقتها وحدها، بل بقدرتها على الإنصاف. فالنموذج الذي يتعلم من بيانات الأسواق الكبرى وحدها قد يبصر أزمة الحضر ويعمى عن مجاعة الريف، وقد يقرأ تحركات أسعار القمح في البورصات العالمية ويغفل عن فلاح صغير في قرية نائية لا يصل صوته إلى أي قاعدة بيانات. وهنا يرى الكاتب أن التحدي الأعمق ليس تقنياً بل تمثيلياً من يدخل في معادلة النموذج ومن يُترك خارجها؟ فالبيانات، شأنها شأن التاريخ، يكتبها المنتصرون، والفئات التي لا تُرصد بياناتها لا تُرى أزماتها، فتظل خارج دائرة الإنذار المبكر حتى تتحول حاجتها الصامتة إلى كارثة صاخبة. ومن ثَمَّ فإن العدالة الغذائية في عصر الخوارزميات تبدأ من عدالة التمثيل في قواعد البيانات نفسها، وهي مسؤولية أخلاقية تسبق أي حساب تقني.
ويضاف إلى ذلك بُعد مناخي صار اليوم في صلب المعادلة، إذ لم يعد المناخ خلفية ثابتة تجري عليها الزراعة، بل متغيراً متقلباً يربك كل النماذج التي بُنيت على افتراض استقرار المواسم. فالأنماط التي تعلّمها الفلاح عبر قرون، من مواعيد المطر إلى دورات الجفاف، أخذت تنهار تحت وطأة احترار يعيد رسم خرائط الخصوبة على الأرض. وفي هذا السياق تتضاعف قيمة الخوارزميات القادرة على التعلم المستمر، تلك التي لا تتجمد عند نمط ماضٍ بل تعيد معايرة توقعاتها كلما تبدّل المناخ. غير أن الكاتب ينبّه إلى مفارقة خفية أن النموذج كلما اعتمد على الماضي ازداد عجزه عن استيعاب مستقبل غير مسبوق، فالذكاء الاصطناعي بارع في استقراء المألوف، عاجز عن تخيّل ما لم يقع من قبل، والمجاعات الكبرى المقبلة قد تأتي تحديداً من حيث لم يتعلم النموذج أن ينظر. ولهذا يبقى العقل البشري، بقدرته على تصور المجهول، شريكاً لا غنى عنه للآلة مهما بلغت دقتها.
تبقى المجاعة، في نهاية المطاف، اختباراً أخلاقياً قبل أن تكون تحدياً تقنياً. صحيح أن الخوارزمية قد ترى الكارثة قبل وقوعها بأشهر، لكنها لا تملك أن تجبر الإنسان على الإصغاء، ولا أن تنزع الأنانية من قلوب المحتكرين، ولا أن تردم الفجوة بين من يملكون الفائض ومن يطلبون الكفاف. إن أعظم ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي ليس أنه يلغي مسؤوليتنا، بل أنه يعرّيها ويضعها أمام أعيننا بلا ذريعة الجهل. فحين تصبح المجاعة قابلة للتنبؤ بدقة، يصير وقوعها فضيحة أخلاقية لا قضاءً محتوماً. فهل نملك من الإرادة بقدر ما صرنا نملك من البصيرة، أم أننا سنكتفي بأن نشاهد الكارثة آتية على شاشاتنا، ونحن نعرف موعدها وعنوانها، ثم لا نحرّك ساكناً؟