ماذا لو كان الحارسُ الذي نُسلّمه مفاتيح حصوننا الرقمية هو نفسه الجاسوسَ الذي يدرس ثغراتها في الظلام؟ هذه ليست مفارقةً بلاغيةً تُساق للتشويق، بل هي الحقيقة العارية للذكاء الاصطناعي في ميدان الأمن السيبراني اليوم، حيث صار السلاحُ ذاته يُشهَر في يد المدافع والمهاجم في آنٍ واحد، فلا تكاد تميّز أيّ الكفّين يحمل الدرع وأيّهما يقبض على الخنجر. لقد تعوّدنا أن نتصوّر التقنية أداةً محايدةً تنتظر نيّة مستخدمها لتنحاز خيراً أو شراً، غير أنّ الذكاء الاصطناعي في هذا الحقل تحديداً يكسر هذا التصوّر الساذج، إذ إنّ القدرة عينها التي تجعله بارعاً في اكتشاف نمطٍ خبيثٍ بين ملايين السجلّات، هي القدرة التي تجعله بارعاً في تأليف هجومٍ لا يُكشف، فالعبقرية لا تعرف ولاءً، والذكاء بطبعه لا أخلاق له ما لم تُغرس فيه. وما يزيد المشهد التباساً أنّ الأداة الواحدة قد تنتقل من معسكرٍ إلى معسكرٍ في غمضة عين، فالنموذج الذي دُرّب لكشف الثغرات يصلح بلا تعديلٍ يُذكر لاستغلالها، وهذا التماهي بين أداة الحماية وأداة العدوان هو ما يجعل هذا الميدان فريداً بين سائر تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لنفهم عمق هذا الالتباس، ينبغي أن نتأمّل كيف انقلبت موازين المعركة الرقمية في غضون سنواتٍ قليلة. ففي الماضي القريب كان الدفاع السيبراني يقوم على منطق القوائم: قائمةٌ بالتواقيع الخبيثة المعروفة، وقاعدةٌ تُحدَّث كلّما ظهر فيروسٌ جديد، فكان المهاجم يسبق دائماً والمدافع يلهث خلفه. ثمّ جاء التعلّم الآلي ليقلب المعادلة، إذ صارت الأنظمة قادرةً على رصد الشذوذ في السلوك لا في التوقيع وحده، فتلتقط الاختراق من إيقاعه الغريب لا من بصمته المسجّلة. وقد لاحظت أبحاثٌ متراكمةٌ في مختبر علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي بمعهد ماساتشوستس للتقنية أنّ الأنظمة الهجينة التي تمزج حكم الخبير البشري بقدرة الخوارزمية على التنقيب ترفع معدّل كشف التهديدات بصورةٍ تفوق ما يبلغه كلٌّ منهما منفرداً، وهو ما يؤكّد أنّ المستقبل ليس في إحلال الآلة محلّ الإنسان بل في توءمتهما. غير أنّ هذه القفزة الدفاعية ذاتها سلّمت المفتاح نفسه للطرف الآخر، فما إن أتقن المدافع لغة الأنماط حتى أتقنها المهاجم، وصار السلاح متاحاً للجميع على قدم المساواة. وقد لاحظت دراساتٌ في مدرسة كنيدي للحكم بجامعة هارفارد أنّ الفجوة بين سرعة تطوّر التهديد وبطء استجابة المؤسسات هي الثغرة الحقيقية التي ينفذ منها المهاجمون، وأنّ تبنّي التقنية وحده لا يسدّ تلك الفجوة ما لم يصحبه تحوّلٌ في الحوكمة والثقافة المؤسسية معاً، فالأداة المتقدّمة في يدٍ مرتبكة لا تساوي شيئاً أمام خصمٍ منظّم.
وهنا يبرز البُعد الأكثر إقلاقاً، وهو ما يخالف به الكاتب الخطاب السائد الذي يُبشّر بالذكاء الاصطناعي منقذاً للأمن الرقمي وكأنّه ترياقٌ ناجز. فالحقيقة التي تتجنّبها النشرات التسويقية أنّ الجبهة الهجومية تتقدّم بسرعةٍ توازي تقدّم الجبهة الدفاعية إن لم تتجاوزها، إذ صارت النماذج التوليدية قادرةً على صياغة رسائل تصيّدٍ احتياليٍّ بلغةٍ سليمةٍ خاليةٍ من تلك الأخطاء الركيكة التي كانت يوماً علامةً فارقةً تفضح المحتال. وقد نبّه تقرير المخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي مراراً إلى أنّ الجريمة السيبرانية باتت من أكثر المخاطر إلحاحاً على الاقتصاد العالمي، وأنّ تسليح الذكاء الاصطناعي يضاعف من اتساع رقعة الهجوم وسرعته في آنٍ معاً. ويرى الكاتب أنّ المعضلة الجوهرية ليست في تفوّق المهاجم تقنياً، بل في اختلال بنيوي عميق: فالمدافع ملزَمٌ بأن يصيب في كلّ مرة، بينما يكفي المهاجم أن يصيب مرةً واحدة، وهذا الاختلال الذي كان قائماً قبل الذكاء الاصطناعي لم يفعل الذكاء الاصطناعي سوى أن ضخّمه إلى حدودٍ غير مسبوقة.
ولا يقف الأمر عند رسائل التصيّد، فالنماذج التوليدية فتحت باباً أوسع لما يُعرف بالتزييف العميق، حيث يُصطنع صوتٌ ينطق بلهجة المدير التنفيذي ويأمر بتحويلٍ ماليٍّ عاجل، أو وجهٌ يتحرّك في مكالمةٍ مرئيةٍ يصعب على العين تمييز زيفه من صدقه. وقد رصد مرصد الذكاء الاصطناعي السنوي الصادر عن جامعة ستانفورد تصاعداً مطّرداً في الحوادث المرتبطة بإساءة استخدام هذه التقنيات، وهو تصاعدٌ يكشف أنّ هندسة الخداع ذاتها تُؤتمت وتُنتج بالجملة بعد أن كانت حرفةً فرديةً تتطلّب مهارةً نادرة. ويذهب الكاتب إلى أنّ الخطر الحقيقي في التزييف العميق ليس في الخدعة المنفردة بل في تآكل الثقة بمجملها، إذ حين يصير كلّ صوتٍ موضع شكٍّ وكلّ صورةٍ محلّ ريبة، ينهار العقد الضمني الذي تقوم عليه المعاملات الإنسانية، ويصبح اليقين نفسه سلعةً نادرة. وهكذا ينتقل الضرر من الفرد المخدوع إلى نسيج الثقة المجتمعية بأسره، وهو ضررٌ لا تقيسه جداول الخسائر المالية وحدها.
ثمّ إنّ ثمّة وجهاً ثالثاً للسيف قلّما يُلتفت إليه، وهو أنّ أنظمة الدفاع الذكية ذاتها صارت هدفاً للهجوم بدلاً من أن تكون حصناً منيعاً. فقد كشفت أبحاثٌ في مجال التعلّم العدائي عمّا يُعرف بالهجمات الخصومية، حيث يُغذّى النموذج بمدخلاتٍ مصمَّمةٍ بعنايةٍ خبيثةٍ تخدعه فتجعله يصنّف الخبيث آمناً والآمن خبيثاً، أو يُسمَّم النموذج في مرحلة تدريبه ذاتها فينشأ معطوباً من المهد. وقد أولى معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان عنايةً متزايدةً لهشاشة هذه النماذج، مؤكّداً أنّ متانة النظام لا تُقاس بدقّته في الظروف المثالية بل بصموده أمام خصمٍ يسعى عامداً إلى إفساده. ويذهب الكاتب إلى أنّ المؤسسات التي تستبدل بالخبير البشري نظاماً آلياً بحجّة الكفاءة إنّما تستبدل بثغرةٍ معروفةٍ ثغرةً مجهولة، إذ تنقل ثقتها كاملةً إلى صندوقٍ أسود لا تفهم منطقه الداخلي ولا تدري متى يُخدع وكيف.
ولا يكتمل التحليل ما لم نقاربه من زاوية اقتصاد المعركة لا تقنيّاتها وحدها. فقد رصدت تقاريرٌ متتابعةٌ صادرةٌ عن مؤسسة آي بي إم في دراساتها الدورية لتكلفة خروق البيانات أنّ المنشآت التي تنشر أدوات الأمن المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والأتمتة تختصر زمن احتواء الخرق وتخفّض كلفته بصورةٍ ملموسة مقارنةً بنظيراتها التي لم تتبنَّ هذه الأدوات، وهو ما يضع الذكاء الاصطناعي في موضع الاستثمار الدفاعي لا الترف التقني. غير أنّ هذا التوفير ذاته يحمل في طيّاته فخّاً، إذ إنّ الكلفة المنخفضة للأتمتة الدفاعية تقابلها كلفةٌ أشدّ انخفاضاً للأتمتة الهجومية، فما يحتاجه المهاجم اليوم لشنّ حملةٍ واسعةٍ صار جزءاً يسيراً مما كان يحتاجه بالأمس، وهذا الانهيار في كلفة الهجوم هو الذي يفسّر الطوفان الذي تواجهه فرق الأمن في كلّ مكان. ويرى الكاتب أنّ المعيار الحقيقي لنجاعة الدفاع لم يعد منع الاختراق بإطلاقه، إذ صار الاختراق احتمالاً لا مفرّ منه، بل صار المعيار هو سرعة الكشف وزمن التعافي، فالحصن الذكي ليس الذي لا يُخترق بل الذي يلتئم جرحه قبل أن ينزف.
ومن هنا يحسن أن ننتقل من تشريح المعضلة إلى ركائز المواجهة، فالنقد العقيم لا يبني درعاً. والركيزة الأولى أن تُبنى أنظمة الدفاع على مبدأ انعدام الثقة، بحيث لا يُمنح أيّ طرفٍ داخلي أو خارجي ثقةً تلقائيةً، ويُعامل كلّ طلبٍ بوصفه مشبوهاً حتى يثبت العكس، فهذا المبدأ يُحصّن المؤسسة من المهاجم الذي عبر السور وصار يتحرّك في الداخل. والركيزة الثانية أن يظلّ الإنسان حاضراً في حلقة القرار لا منفياً عنها، إذ إنّ الخوارزمية تُسرّع الكشف وتفرز الإنذارات، لكنّ الحكم الأخلاقي والسياقي في اللحظة الحرجة يبقى للعقل البشري الذي يدرك ما لا يدركه النموذج من ملابسات. والركيزة الثالثة أن تُختبر النماذج الدفاعية اختباراً عدائياً مستمراً، فيُستدعى مهاجمون أخلاقيون يسعون جاهدين إلى كسرها قبل أن يكسرها العدوّ الحقيقي، فالنظام الذي لم يُمتحن بالخصومة لا يُعرف صموده من هشاشته. والركيزة الرابعة، وهي الأعمق أثراً، أن يُبنى الوعي الأمني في صفّ الإنسان قبل الآلة، إذ تبقى الهندسة الاجتماعية التي تستهدف ضعف النفس البشرية أمضى أسلحة المهاجم مهما تطوّرت دفاعاته التقنية، فالثغرة الأخطر ليست في الشيفرة بل في الثقة المتسرّعة، والجدار الناري الأمتن قد يسقط أمام موظّفٍ يفتح مرفقاً مسموماً بدافع الفضول أو العجلة.
وفي السياق العربي تكتسب هذه الركائز إلحاحاً مضاعفاً، فالتحوّل الرقمي المتسارع الذي تشهده المنطقة يوسّع رقعة ما يمكن مهاجمته بقدر ما يوسّع آفاق النموّ، ولا سبيل إلى جني ثمار الرقمنة دون تحصينها. وقد أدركت المملكة العربية السعودية هذه المعادلة مبكّراً حين جعلت الأمن السيبراني ركيزةً من ركائز رؤيتها الطموحة لعام ألفين وثلاثين، فأنشأت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني لتكون مرجعاً وطنياً جامعاً يضع الضوابط ويبني القدرات ويحصّن الفضاء الرقمي الوطني، وهو نموذجٌ يجسّد إدراكاً ناضجاً بأنّ السيادة في هذا العصر سيادةٌ رقميةٌ قبل كلّ شيء، وأنّ حماية البنى الحيوية من شبكات الطاقة إلى المنظومات المالية شرطٌ لا يُستغنى عنه في أيّ مشروع نهضةٍ جاد. ويرى الكاتب أنّ بناء الكوادر الوطنية المتخصّصة هو حجر الزاوية في هذا البنيان، إذ لا تُستورد المناعة الرقمية كما تُستورد الأجهزة، بل تُزرع في عقولٍ تفهم الخصم وتسبق خطوته، وتُصاغ في منظوماتٍ تعليميةٍ وبحثيةٍ تُخرّج الحارس قبل أن تُستورد الأداة.
غير أنّ النظرة الاستشرافية تأبى أن تختم على يقينٍ مطمئن، فالأرجح أنّنا مقبلون على حقبةٍ تتواجه فيها الخوارزميات المهاجمة والخوارزميات المدافعة في معركةٍ تجري بسرعةٍ تفوق إدراك العقل البشري، حيث تتطوّر أساليب الهجوم وتتكيّف معها أساليب الدفاع في دورةٍ لا تهدأ. وفي هذا الأفق المتسارع يصير السؤال المصيري لا كيف نبني آلةً تحرسنا، بل كيف نحفظ للإنسان موقعه حكماً وضميراً في معركةٍ تتسارع وقائعها حتى تكاد تنفلت من يده. لقد كان السيف ذو الحدّين عبر التاريخ اختباراً لحامله لا لحدّيه، فالنصل لا يختار جهته، إنّما يختارها العقل الذي يقبض عليه والقيمة التي توجّه ضربته. وهكذا يعود بنا الأمر إلى حيث بدأنا: الذكاء الاصطناعي لن يقرّر مصير أمننا، بل نحن من سنقرّره بمقدار ما نحرص على أن يبقى الإنسان، بحكمته وأخلاقه ويقظته، هو اليد التي تمسك المقبض لا التي تنزف تحت النصل.